IMLebanon

الانتخابات النيابية بين التنفيذ والتغييب

كتب وجيه فانوس في “اللواء”: 

أنْ تَكونُ الانتخاباتُ النِّيابيَّةُ العتيدةُ في لبنان، أمرّا قابلًا للتّنفيذِ أو للتّأجيلِ؛ فهذا موضوعٌ يختلفُ، تمامَ الاختلافِ، عن موضوعِ المشاركة فيها مِن عَدَمِه. إنَّ التَّنفيذُ، كما التَّأجيلُ، شأنانِ سِياسِيّانِ تِقَنِيَّانِ، إن جاز التَّعبير؛ ويخضعانِ لظروفٍ وأحوالٍ معيَّنةٍ؛ أمَّا المشاركةُ في الانتخاباتِ النِّيابيَّة، بحدِّ ذاتها، فشأن مَبْدَئِيٌّ، هو واحِدٌ مِن أهمِّ قضايا التَّحقيقِ الدِّيموقراطيِّ لـ»المواطنة»؛ مفهومًا وفاعِلِيَّة وأداةَ عيشٍ حضاريٍّ متقدِّمٍ، يَحتَرِمُ وُجودَ الإنسانِ وحرِّيَّته وحقَّه في تقريرِ مصيرهِ وشؤونِ عَيْشِهِ.

الا نتخاباتُ النِّيابيَّةُ، بناءً على هذا، هي الجَوْهَرُ الأساسُ والثّابتُ؛ أمَّا تَنْفِيذُها، فيبقى العَرَض القابلَ للإنجازِ في حينهِ أو التَّأجيل إلى وقتٍ آخر؛ وهو، تاليًا، الشَّأنُ  الذي قد يَخْضَعُ إلى كثيرٍ مِن ألاعيبِ التَّسويغِ أو الغشِّ والخداعِ ومساعي التَّزوير، مع مساحاتٍ شاسعةٍ لِتّبايُنِ الرَّأي، كما لفضاءات الدَّجلِ والكذبِ والنِّفاق. إنَّ الانتخابات النِّيابيَّة، بصورةٍ عامَّةٍ، وفي أيِّ بلدٍ كان، وبعيدًا عمَّا قد يُحيط بها، أو يُرافقها، مِن أمورٍ؛ تبقى واجبًا وطنيًّا وحقًّا سِياسِيًّا أساسًا، مِن حُقوقِ العَيْشِ الإنسانيِّ الحَضارِيِّ المُعاصِرِ، الذي طالما ضَحَّتِ الشُّعوبُ والجماعاتُ، كما الأفرادُ، في سبيلِ تَحقِيقِهِ والحُصولِ عَلَيْه.

تَتَشابَكُ التَّحليلاتُ السّياسيّةُ والتَّكّهُّناتُ الجَماعِيَّةُ والشَّخصِيَّةُ والتَّوقُّعاتُ المناطِقيَّةُ، في لبنان راهنًا،  مع كثيرٍ مِن الآراءِ والأَقوالِ والإِشاعاتِ، التي تَتَناولُ مَوْضوعَ تَنْفيذِ هذهِ الانتخاباتِ النِّيابيَّةِ العتيدة. ثمَّة مَن يَرى أنَّ بعضَ المصالِحِ السِّياسيَّة، لِفَريقٍ مُعَيَّنٍ، أو حتَّى مَجموعةٍ مِن الأفرقاءِ، تقضي بالعملِ الجادِّ على افتعالٍ ما، لتأجيلِ حصولِ هذهِ الانتخاباتِ، أو حتَّى إلغاءها؛ وثمَّة، مِن جهةٍ أُخرى، مَن يرى ما هُوَ خِلافُ هذا الأمرِ تمامًا؛ مُؤكِّدًا أهمِيَّةَ تَنْفيذِ هذهِ الانتخاباتُ، والسِّعيِّ إلى إنجاحِ حُصولِها بِكُلِّ حالٍ ووضعٍ وظرفٍ قد تحصل فيه.

فريقٌ يَسْتَنِدُ إلى أنَّ لدى مُرَشَّحِيهِ، وما يحملونَ مِن برنامجٍ انْتِخابِيِّ وإمكانيَّاتٍ للتَّحالُفِ مع قِوىً صديقةٍ أو مٌناصِرَةٍ، ما يُساعدهُم على إحرازِ نتائج فُضلى لهم، في هذهِ الانتخاباتِ؛ ووفريق آخرَ يَرى أنَّ ما في الظَّرفِ الحاليِّ، مِن عدمِ انتظامٍ في تَسْمِيَتِهِ لِبَعضِ مُرَشَّحِيهِ، أو في غيابٍ قاهرٍ لِبَعضِهِم عن مجالاتِ التَّرشُّحِ، مع تداعٍ لأوضاعٍ داخليَّة أو خارجِيَّة، لن تساعد على تأمينِ نتائج مقبولةً لهُ في هذه الانتخابات. الموضوعُ، عندَ الفريقينِ، إذًا، يَتَجلَّى في البعُدِ السِّياسيِّ البَحت؛ ضاربًا عّرضّ الحائطِ، بكلِّ ما هو بُعدٌ وَطَنِيٌّ؛ وبكلامٍ آخر، إنَّهُ غَلَبَةُ العّرّضِ للجّوْهّرِ؛ باستغلالِ الآنيِّ الزّأئلِ لمصلحتهِ، على حِسابِ المَبْدَئِيِّ الأساسِ.

هذا يَعني، في ما يَعنيهِ، أنَّ مَوْضوعَ هذه الانتخابات النِّيابيَّة العتيدة، في لبنان، صار يُسْتّغّلُّ لصالحِ جماعةٍ مِن دونِ أُخرى، ومنطقةٍ مِن دونِ سِواها، وفكرةٍ مِن دونِ غَيْرِها؛ وفي هذا كلِّهِ، ما فيهِ من التَّعدي السَافرِ على جَوْهَرِ الدَّيموقراطيَّةِ وحقيقةِ المُواطَنَةِ؛ في بلدٍ ينصُّ دستورُهُ، وبالبُنْطِ العَريضِ، في البَنْدِ (ج)، مِن مقدِّمَتِهِ، على أنّهُ «جمهوريّةٌ ديمقراطيّةٌ برلمانيّةٌ»، وأنَّهُ يقومُ، وِفاقًا لِما يّرِدُ في هذا الدُّستورِ، «على احترامِ الحريّاتِ العامّةِ، وفي طليعتِها حريّةُ الرّأي والمُعتَقَدِ، وعلى العدالةِ الاجتماعيّةِ والمساواةِ في الحقوقِ والواجباتِ بينَ جميعِ المُواطِنين دُونَ تمايزٍ أو تفضيلٍ».

يُضافُ إلى هذا، عديدٌ مِن الأسبابِ، التي مِن بَيْنِ أبرزِها، أنَّ هذه الانتخابات تُجْرى على مُستوى الوطنِ بِرُمَّتِهِ، وليست مقتصرةً، أبدًا، على محافظةٍ معيَّنةٍ أو قضاءٍ مُحَدَّدٍ أو منطقةٍ مِن دونِ غَيْرِها، أو طائفةٍ دِينيَّةٍ أو مَذْهَبٍ عقدِيٍّ أو حتَّى مجموعةٍ مِن النَّاس خارجَ نطاقِ سِواها. هِيَ، إذًا، شأنٌ وطنيٌّ عامٌّ، ولَيْسَت، أبدًا، شأنًا مناطِقِيَّا ضَيِّق الأُفُقِ أو خاصًّا مَحدودًا بِمجموعةٍ محصورةٍ بذاتِها.

إنَّ موقفَ حافلات النَّقلِ العامِّ، هو، على سبيلِ المِثالِ، في أيِّ واحدةٍ مِن محطَّاتِهِ في بلدِهِ، شأنٌ وطنِيٌّ شاملٌ ومشتركٌ؛ ولِذا، فإنَّ إقفالَ هذا الموقف، أو إلغاؤه، لمجرَّد أنَّ شخصًا ما، أو مجموعةً مُعَيَّنةً، لَمْ تَتَمَكَّنَ مِن الوصولِ إلى حافِلَةِ النَّقلِ العامِّ، في وقتٍ مُعَيَّنٍ؛ لا يُمكنُ إلآَّ أن يكونَ فِعلًا تَخرِيِبيًّا، أو حتَّى إجرامِيًّا، بحقِّ وجودِ محطَّةِ الحافلاتِ هذهِ، وسائرِ العاملينَ فيها والمُنتفعينَ مِن وُجودِها؛ وكذلكَ، بِحَقِّ رُكَّابِ حافِلاتِها، ومبدئيَّةِ فاعليَّةِ هذهِ المحطَّةِ في وصولِ كلٍّ مِنْهُم إلى المكانِ الذي يَنْطَلِقُ مِن المحطَّةِ للوصُولِ إليه.

لَوْ كانَ، تالِيًا، مِن جَدَلٍ حولَ يأسٍ ما، مُتَوَقَّعٍ مِن نتائج فاعلةٍ بإيجابيَّةٍ لهذه الانتخاباتِ؛ فإنَّ الأمرَ، يَستدعي، حُكْمًا، إيجادَ الظُّروفِ المُؤدِّيَةِ إلى تحقيقِ الفاعليَّةِ الإيجابيَّةِ المُتَوخَّاةِ وتحسينِ أدائِها؛ وليسَ طبعًا، إلغاءَ الانتخاباتِ، فهذا يُماثِلُ هَدمَ محطَّةِ الحافلاتِ، عَوَضَ السَّعي إلى تحسينِ عَمَلِ إدارَتِها أو ظروفِ العَمَلِ فِيها.

من هنا، لَنْ يّجِب، ومِن موقفٍ إدراكيٍّ ورأيِّ استيعابيٍّ وطنيٍّ، أنْ يكونَ ثمَّة قَبولٌ بتأجيلِ الانتخاباتِ النِّيابيَّةِ العتيدةِ في لُبنان؛ إِذْ، وبكلِّ سُهُولةٍ عَمَلِيَّةٍ وَهَوانٍ وَطنيٍّ ماحِقٍ، فإنَّ العملَ على تأجيلِها، لِمُجَرَّدِ تَأدِيَةِ خِدمَةٍ سِياسِيَّةٍ مَحدُودَةِ الأَجَلِ ومحصورةِ المَدى، لِشَخصٍ، مهما علا شَأنُهُ، أو لِمَجموعَةٍ أيًّا كانَ نُفوذُها، أو لِمنطقةٍ مهما تعاظَمَت شَعبِيَّتُها؛ على حسابِ حقِّ الوَطَنِ بكاملِ كَرامَتِهِ وسُمُوِّ طموحِ مُواطِنِيهِ، وخِيانَةِ المبدأِ الدِّمُقراطيِّ، والطّعنِ بـ»المُواطَنَةِ» الحّقَّة، مفهومًا وقِيّمًا، في وُجُودِهِ؛ ناهِيكَ بِمَنْعِ تَطبِيقِ الدُّستورِ والحَدِّ مِن تَطوِيرِ العَيْشِ الوَطَنِيِّ نَحوَ الأفضل.

لعلَّ في ما يؤكِّدُ هذا المفهومُ لِأساسِيَّةِ الانتخاباتِ النِّيابيَّةِ، ما يذكرُهُ التَّاريخُ المسيحيُّ مِن أنَّ السيِّدَ المَسيحَ، ماتَ على الصَّليبِ، ولُفَّ جُثْمَانُهُ في كَفَنٍ، ثمَّ  أُودِعَ جسّدّهُ في قبرٍ؛ ومع ذلك، ظَلَّ تلاميذهُ وأتباعُهُ على إيمانهم بالدِّيانةِ التي دعاهم إليها. ويذكر التَّاريخ الإسلاميُّ، أنَّ رسولَ الله محمَّد  (ص)، أسلم الرُّوحَ، مُنْتَقِلاً إلى الرَّفيقِ الأعلى؛ ومَع ذلِكِ، فإنَّ الصّلآةَ المكتوبةَ على المسلمين، أُقيمت في وقتها بُعَيْدَ وفاته، ولم يـتأّخَّر المؤمنون عن أدائها على الإطلاق.

أفلا يعني كُلُّ هذا، أنَّ الوعيّ الوطنِيَّ السَّليم، يفرضُ على اللُّبنانيين كافَّة أن يتفرَّغوا إلى التَّنافس السِّياسيِّ، في ما بينهم، على تحضير البرامج الانتخابيَّة النِّيابيَّةِ لكلِّ فريق أو مجموعة أو حتَّى فردٍ منهم؛ سعيًا إلى إعادة بناء وطنهم، وتمتين عُرى «المُواطنةِ»، في رحاب هذا الوطنِ، بين ظَهْرانِيهم؟

ولعلَّ في يّرِدُ في بّعضِ الحكايا المُتداولَةِ مِن المَوْروثِ الشَّعبيِّ، في لبنان، ما بيِّن سفاهةَ التَّخلِّي عن القضِيَّةِ، أيًّا كانت، لمصلحةِ آنِيَّةٍ، أيًّا كانت؛ إذ تروي هذه الحكايا أنَّ الحاكِمَ قراقوش، اصدر مرَّةً حُكْمًا بإعدامِ أحدهم شنقًا؛ غير أنَّه ظَهَرَ، عِنْدَ محاولةِ تَنْفيذِ الحُكمِ القراقوشيِّ هذا، أنَّ المحكومَ بالشَّنقِ أكثرَ طولًا، في ارتفاعِ جسدهِ عن الأرضِ، من الحَبْلِ المُعَلَّقِ في المِشْنَقَةِ؛ الأمر الذي يجعل إنفاذ عمليَّةِ الشَّنقِ أمرًا غير نافذٍ. وكانَ ثمَّةَ مَن أَبْلَغَ الحاكِمَ قراقوش، أنَّ طُولّ الجَلاَّدِ، المُكلَّفَ تَنفيذَ حُكْمِ الشَّنقِ، يَتَناسبُ وتنفيذ هذا الحُكمِ بِالحَبْلِ الحاليِّ للمِشْنَقَةِ.

لقد تفتَّقَتِ العدالةُ القراقوشِيَّةُ، في هذا الحالِ من التناقضِ بين قضيَّة الشَّنقِ وأداة تحقيقها، بأنْ يَأْمُرَ قراقوش هذا، بإلغاءِ قَضِيَّةِ شَنْقَ مَن حَكَمَ هُوَ عَلَيْهِ بِهِا، مُرتَئِيَّا إبْطالَها مِن أساسِها؛ مع إصراره الشَّدِيدِ على الاحتفاظ بأداةِ التَّنفيذِ، من دونِ قضيَّةٍ تنهضُ عليها، مُقَرِّرًا أن يقعَ تنفيذُ الشَّنقِ على الجَلاَّدِ، لا لِشَيءٍ سِوى أَنَّ بالإمكانِ تنفيذ الشَّنْقِ عَلَيْهِ.

تُرى، أَلا يجدُ اللُّبنانيّون في عقولهم وضمائرهم ومبادئِ إيمانهم، ما يدفع بهم إلى التَّشبٌّه بأتباع النَّبيين الأكرمين، المسيح ومحمَّد، فيؤثرون مبدئيَّة القضيَّة وجوهر وجودها، على أي عَرضٍ زائلٍ؛ أم هي سيكتفونَ اليومَ، أيضًا، وبَعدَ كُلِّ ما حَلِّ بِهِم وبِبَلَدِهِم، وما أنْفَكَّ يُحِيقُ بِوجودِهم جميعهم، ويُهَدِّد أمنهم ومستقبلهم؛ مِن أنَّهُم سَيَكونُونَ أتباعًا خُلَّصًا لِهذا النَّهْجِ القَراقُوشِيِّ، الاستِخفافِيِّ والتَّخْريبيِّ الفَذِّ، في إصْدارِ الأحكامِ وتَسْييرِ أمُورِ الحُكْمِ؟