IMLebanon

معادلة نصرالله الجديدة.. الموت جوعاً أو حرباً

كتب علي شندب في “اللواء”:

فيما كان العالم ودول المنطقة خاصة يراقبون بالميكروسكوبات الدقيقة زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن الى «إسرائيل»، والمواقف التي أطلقها وبينها «إعلان القدس» فضلاً عن «تعهده وتأكيد التزامه بأمن إسرائيل». أطلّ أمين عام حزب الله في كلمة هي الأولى بعد إطلاقه المُسيّرات الثلاث باتجاه حقل «كاريش». وفي كلمته صعّد نصرالله من سقف مواقفه مخيّراً اللبنانيين بين الموت جوعاً والموت حرباً. إنه التخيير الذي لطالما فرض نصرالله إيقاعه على اللبنانيين دولة وشعباً منذ إنخراطه وحزبه في حروب المدن العربية من ليبيا أولاً، الى سوريا ثانياً، واليمن ثالثاً، و«حيث يجب أن نكون» دائما، دونما إغفال لغزوات المخدرات والكابتغون باتجاه بعض الدول العربية والخليجية.

التخيير بين الموت جوعاً أو حرباً، هي المعادلة التي رماها نصرالله في وجه لبنانييه واللبنانيين جميعاً، متناسياً أن هذه المعادلة مستولدة من معادلته الأساسية التخادمية مع حلفائه في السلطة «غطّوا على سلاحنا، نغطّي على فسادكم» أو «غطّوا على فسادنا نغطّي على سلاحكم» والتي أطبق حزب الله بموجبها على معادلات السلطة، فاستشرى الفساد الذي نخر عظام ومؤسّسات الدولة وعمّ الانهيار كافة القطاعات، وبدا الناس يتقاتلون على رغيف الخبز في طوابير الذلّ الجديدة أمام الأفران والمتناسلة من طوابير الذلّ أمام الصيدليات ومحطّات الوقود والمصارف وغيرها من القطاعات.

التخيير بين الموت جوعاً أو الموت حرباً، معادلة يختار فيها نصرالله الموت حرباً لأنها أشرف وأعزّ. فيما عقل اللبنانيين وشغلهم الشاغل منصب على تأمين لقمة خبز تسدّ جوعهم. اللبنانيون، يعلم نصرالله ومن قبل أن يولد حزبه، قدموا دماء كثيرة في دفاعهم عن أرضهم وبلادهم ولم يبخلوا فيها يوماً، لكنهم اليوم يدركون أن الحرب التي يرومها نصرالله ويهدّد بها، ليست حربهم، بل الحرب المفروضة عليهم لتعزيز أوراق إيران النووية. وهي الأوراق التي أخرجت نصرالله من جحر الإختباء وراء الدولة، الى رمي الدولة ومن لفّ لفّها في سلال المهملات التي يملك زعيم حزب الله فائضاً منها في لحظة يتحول فيها لبنان الى فيدرالية نفايات.

هكذا، اتكأ نصرالله على جوع اللبنانيين لينصب منصّاته، وليطلق سلسلة صواريخ صوتية متناسلة من صواريخ إيران الصوتية القائلة «بتدمير إسرائيل خلال 7 دقائق ونصف» بحسب دهاقنة طهران الذين بلعوا تهديداتهم مراراً جراء القصف الإسرائيلي المتكرر لمواقعهم في سوريا بما يشبه الإغتصاب شبه اليومي، فضلاً عن الإغتيالات والانفجارات غير الغامضة التي استهدفت جنرالات الحرس الثوري وأدمغة إيران النووية والأمنية التي «تراجعت عن تدمير إسرائيل بحجة أن الظروف غير مؤاتية» كما صرّح قائد الحرس الثوري حسين سلامي.

بدون شك سيفرض كلام نصرالله نفسه على أجندة الرئيس الأميركي خلال زيارته المنطقة الهادفة بحسب بايدن الى «تصحيح الأخطاء» التي ارتكبها مع دول المنطقة وخصوصاً السعودية الشريك الاستراتيجي التقليدي للولايات المتحدة والتي أثبتت تطورات وتداعيات الحرب الأوكرانية – الروسية التي لم تبدأ جديّاً بحسب فلاديمير بوتين، أنه لا يمكن تجاوز السعودية لا سيما بعدما أثبتت وأكدت دورها المحوري والفاعل ليس على مستوى المنطقة وحسب، وإنّما على مستوى الإقتصاد العالمي وضمان استقرار توريد سلاسل الطاقة، التي ستنعكس على أوروبا صقيعاً بفعل حجب بوتين الغاز الروسي عنها.

وعلى بُعد أيام من القمة العربية الخليجية – الأميركية في السعودية، تشهد طهران قمة روسية – إيرانية – تركية، ظاهرها البحث في ملف سوريا خصوصاً في ضوء سعي الرئيس التركي اردوغان لفرض منطقة أمنية عازلة في الشمال السوري. أمّا باطنها فمحاولة للتوازن والردّ على قمة بايدن الخليجية العربية.

وفي هذا السياق الاستراتيجي وضمنه ينبغي النظر الى تهديدات نصرالله ليس حول كاريش فحسب وإنّما حول كافة حقول الغاز والنفط في «إسرائيل». ما يعني أن مسألة ترسيم الحدود وملف التنقيب عن الغاز والنفط واستخراجه خرجت من أيدي الدولة اللبنانية ودخلت في حمأة الاستقطاب والصراع الإقليمي الدولي المنطلق من الحرب الأوروبية – الأميركية – الروسية في أوكرانيا. بهذا المعنى وكما أشرنا في مقال سابق يكاد يكون فلاديمير بوتين هو من أطلق مسيّرات حزب الله فوق كاريش وليس حزب الله، وبهذا المعنى إياه أيضاً، فتهديد نصرالله المنتصب على تخيير اللبنانيين بين الموت جوعاً أو الموت حرباً، يبدو هذه المرة مسلحاً بمنصات روسية معزّزة بالفيتو في مجلس الأمن.

هي حروب الأنابيب والغذاء تلك التي يعيش العالم تحت وطأتها القاسية وغير المسبوقة، وبات الغاز والغذاء من أبرز أسلحة موسكو التي يستخدمها بوتين في محاولة ليّ عنق أوروبا التي اتخذت برأيه لنفسها دور «أكياس الرمل» لتلقي الضربات الموجعة عن الأميركيين الذين يعانون تضخماً اقتصادياً كبيراً، فضلاً عن تهاوي «اليورو» المشهود وغير المسبوق وصعود الروبل الروسي.

هي حروب الأنابيب التي سبق واعتمدتها أذرع إيران في اليمن والعراق بمُسيّراتها المفخّخة وصواريخها المجنّحة ضد محطة بقيق وعدة مواقع ومحطات وخزانات لشركة أرامكو في عدة مناطق من السعودية خصوصاً بعد رفع واشنطن اسم الحوثيين من لوائح الإرهاب تزامناً مع سحب بطاريات صواريخ الباتريوت من السعودية، ما دفع وزارة الطاقة السعودية للتهديد بالقول «أن المملكة لا تتحمّل مسؤولية أي نقص في إمدادات النفط للأسواق». أمّا تنديد الخارجية الأميركية بهجمات الحوثي، فقد بدا يومها أقرب لتأييدها الضمني من إدانتها المعلنة، وذلك بهدف الضغط على القيادة السعودية ومحاولة ابتزازها لتعويم الأسواق بالنفط، وهو الضغط الذي يندرج ضمن قائمة الأخطاء التي سيعمل بايدن على تصحيحها في قمته السعودية التي لن يكون ما بعدها كما قبلها.