IMLebanon

روحيّة قنوبين

كتب ميشال توما في “ici beyrouth”:

أشار صحافي فرنسي كان مستقرًا في بيروت خلال حقبة الاحتلال السوري المشؤوم، أنّ السلطة في دمشق لم تنجح يومًا، على الرغم من الوسائل المهولة المتوافرة لديها، في القضاء على تمسّك اللبنانيين الغريزيّ بحرّياتهم وكراماتهم. ويذهب البعض إلى القول أنّ مواقف مماثلة محفورة بعمق في تكوينهم أي في حمضهم النووي. تسمح زيارة وادي قنوبين المقدّس المتواجد في منطقة بشري، والأديرة المبنية على جدران الوادي وفي الكهوف، بإدراك ما أشرنا إليه آنفًا، كما أنّها تتيح للمرء الشعور بالعزم هذا… للحفاظ على حريته وكرامته، في مواجهة أي غازي أو مستبد عندما يقتضي الأمر.

ويتجلّى هذا الواقع المجتمعي في فورة ردود الفعل، المنبثقة عن جميع الاتجاهات على اختلافها، التي أدانت بعبارات شديدة القسوة اعتقال رئيس أساقفة حيفا الماروني، المطران موسى الحاج، يوم الاثنين، على معبر رأس الناقورة الحدودي، من قبل جهاز أمني مرموق وقريب من المعسكر الإيراني. أقلّ ما يقال، أنّ الجهات الراعية لهذا الخطأ الفادح لم يزوروا قنوبين … ولم يقرأوا أبدًا تاريخ الموارنة.

فمن الواضح أنّ التطاول على المطران الحاج، بذرائع كاذبة وغير مقبولة، ليس إلّا مناورة سياسية ترهيبية تهدف إلى الضغط على البطريرك الماروني بشارة الراعي من أجل حثّه على التخفيف من حدّة مواقفه الوطنية التي تتعارض مع مسار حزب الله وحلفائه المحليين.

ومع اقتراب المهلة الدستورية لانتخاب رئيس للجمهورية بعد بضعة أسابيع، وفي سياق تطوّرات إقليميّة مفتوحة على جميع الاحتمالات، أصبح من الضروري للذراع المحلي للحرس الثوري، أن يكبح جماح اندفاعة البطريرك الماروني قدر الإمكان، لإجباره على التخفيف من حدّة إدانته المتكررة الشديدة للإملاءات التي يفرضها حزب الله والتراخي المدمّر للنظام القائم، على خلفية الانتهاز الجنوني للسلطة والمحسوبية المستشرية.

لا يُعتبر هجوم مناهضي السيادة المعاصرين هذا هجومهم الأول ضد البطريركية المارونية في محاولة منهم لعزلها وتهميشها. إذ شنّ الإعلام التابع للحزب الموالي لإيران قبل الانتخابات التشريعية في أيار (مايو) الماضي حملة مضلّلة دؤوبة توهم بوجود خلاف بين الفاتيكان وبكركي حول مسألة … حزب الله!

تُذكّرنا الأساليب هذه المُعتمدة من طرف الأنظمة الشمولية الستالينية بمناورات التخويف والضغط السياسي والإعلامي الذي لجأ إليه نظام الأسد – عندما حاول فرض الضم بالقوة في لبنان – لإجبار البطريرك الماروني نصرالله صفير على زيارة دمشق وكمّ مواقفه (الحازمة) في ما يتعلق بالاحتلال السوري. وفي هذا الإطار، شكّل ترؤس أسقف صور الماروني (المطران مارون صادر) جنازة “الرقم الثاني” في جيش لبنان الجنوبي (الميليشيا المساعدة لإسرائيل)، عقل هاشم، الذي اغتيل في 30 كانون الثاني (يناير) 2000، الهجوم الأكثر ضراوة الذي وُجّه ضد بكركي في مطلع شهر شباط 2000.

إذ استغل أبواق النظام البعثي وجود الأسقف في هذه الجنازة لشنّ حملة كراهية استفزازية ضد الكاردينال صفير. إلّا أنّ البطريرك تجاهل هذه المكيدة، وأطلق أمام الصحفيين: “لقد سئمنا من دروس الوطنية”. وبالتالي ما من شئ سيشفي غليل مناهضي السيادة في مواجهة المواقف القوية للبطريرك…

يُشابه السيناريو الذي شهدناه خلال الـ 48 ساعة الماضية إلى حدّ ما الحادثة المذكورة أعلاه. ويدلّ البيان الصحفي الشديد اللهجة الصادر عن مجلس الأساقفة الموارنة الليلة الماضية – المنعقد في الديمان، مقابل وادي قنوبين، رمز المقاومة ضد ّالظالمين – مرة أخرى على التمسّك الراسخ للموارنة واللبنانيين بشكل عام، بحرياتهم وكراماتهم. كما يدلّ البيان على أن سائر محاولات إخضاع بكركي تصطدم في نهاية المطاف بجدار وتنتهي في مزبلة التاريخ.

إنّ حملات الترهيب المختلفة التي شُنت في السنوات الأخيرة ضد البطريركية المارونية إن أظهرت شيئًا، فقد أظهرت مدى جهل بعض كبار مسؤولينا الذين من الواضح أنهم لم يقرأوا تاريخ الجبل … ولم يتكبّدوا عناء زيارة قنوبين ذات يوم لتشرّب روح المقاومة. المقاومة السيادية الحقّة …