IMLebanon

الرئاسة ما بين التعطيل وانتخاب رئيس يحترم الدستور

كتب نزار عبد القادر في “اللواء”:

في ظل استمرار حالة التعثر في تشكيل حكومة فاعلة بعد ثلاثة اشهر على انتهاء الانتخابات النيابية، بدأت مختلف الاحزاب السياسية والكتل البرلمانية تحركاتها السياسية النشطة من اجل التحضير لمواجهة الاستحقاق الدستوري لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، يحل مكان الرئيس ميشال عون في سدة الرئاسة، والذي تنتهي ولايته في 31 تشرين اول المقبل.

لكن من المؤسف ان كل المقاربات التي جرت لهذا الاستحقاق الدستوري الهام قد جرت من قبل سياسيين ينتسبون لاحزاب وتيارات سياسية مارونية، وتحت عناوين طائفية تقليدية، مع اعادة ممجوجة لشعارات «الرئيس القوي»، وللمرشح صاحب التمثيل الاقوى في بيئته، وتغاضى جميع المرشحين الذين برزوا من هذه البيئة السياسية التقليدية عن كل ما حل بالبلاد والعباد في ظل الرئيس القوي والعهد القوي من انهيارات وويلات، مع ترقب المزيد منها قبل نهاية العهد.
لا تعطي تصريحات المرشحين ومقارباتهم اي امل بانتخاب رئيس مخلص، وبما يوحي بأننا نسير نحو فراغ جديد في سدة الرئاسة على غرار ما حدث بعد انتهاء عهد الرئيس ميشال سليمان، مع فارق كبير بأن ذلك الفراغ الرئاسي قد غطته حكومة فاعلة، بينما تقارب نهاية العهد مع حكومة تصريف اعمال، مع ادنى مستوى من الاداء الفعلي لوزرائها.

في رأينا لا يتمتع اي من المرشحين المتقدمين لموقع الرئاسة العتيدة بمواصفات رجل الدولة القادر على قيادة السفينة المشرفة على الغرق. ونؤكد من خلال متابعتنا للعمل السياسي والوطني، وبشكل مستمر ويومي، منذ قيام جمهورية الطائف الى اليوم، بأنه لا تنطبق على اي منهم المواصفات الشخصية والقيادية اللازمة «للرئيس المنقذ» والذي اسهب البطريرك الماروني بشارة الراعي في تعداد مواصفاته، والقدرات التي يجب ان يتمتع بها لقيادة مسيرة الاصلاح لاخراج البلاد من الازمة المدمّرة الراهنة.

وكان اللافت في ظل «الغموض» الذي ما زال يلف مواقف معظم القوى السياسية، والعواصم العربية والدولية التي من المفترض ان يكون له دور مؤثر في الاستحقاق الرئاسي، وبما يؤشر بأن زمن الحسم لم يحن بعد، فقد زار رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل الديمان، داعياً البطريرك الراعي للقيام «بمبادرة» ومن عناصرها جمعه مع رئيس «القوات اللبنانية» سمير جعجع، وذلك انطلاقاً من كونهما يرأسان التكتلين النيابيين الاكبر في البرلمان الحالي.
وشكلت هذه الزيارة في التصريحات التي ادلى بها باسيل محاولة مكشوفة للحصول على «غطاء» البطريركية في معركته الرئاسية، ولانتشاله من مستنقع العقوبات الاميركية.

في هذا الزمن الرديء الذي تفككت فيه مؤسسات الدولة السياسية والاقتصادية والمالية، وتحللت جميع الادارات الحكومية فإن لبنان بات بأمس الحاجة الى البحث عن رئيس جديد قادر على النهوض بالدولة وصيانة ما تبقى فيها من مؤسسات، وارساء قواعد احترام الدستور والقوانين، والحفاظ على التنوّع، وتأمين حياد رئاسة الجمهورية، وغير ساعٍ بشكل مستميت للسلطة. وبصراحة وموضوعية، فإن مثل هذه المواصفات لا تتوفر في اي من المرشحين في السياق الجاري للاستحقاق الدستوري الابرز.

تفترض خطورة الاحوال التي يواجهها لبنان كدولة وكشعب البحث بالتأكيد عن رئيس جديد للجمهورية من خارج المجتمع السياسي التقليدي، بحيث انه يتمتع بالمواصفات التي ادرجها فؤاد بطرس في حديثه عن الرئيس فؤاد شهاب، والذي قال فيه بأنه كان «يتمتع بالانسانية والنبل واحتقار الاغراءات من اي نوع كانت، وبالترفع عن المصلحة الخاصة، حريصاً على مساءلة النفس باستمرار ومحاسبتها دون مراعاة». وهذا ما ندر مثيله في الطبقة السياسية اللبنانية. بالفعل فقد اظهر الرئيس شهاب عن استعداد لتحمل المسؤولية من اجل خدمة المصلحة العامة، وليس خدمة لمصالح فريق سياسي او طائفي من اللبنانيين او خدمة لمصالحه الخاصة، على غرار ما جرى في معظم العهود السابقة او اللاحقة لعهده.

لا بد ان تدرك جميع القوى السياسية بما فيها الاحزاب والتيارات السياسية الراغبة في تقديم مرشحين للرئاسة بأن لبنان هو بأمس الحاجة للعودة الى دولة القانون والمؤسسات، التي ارسى اسسها الرئيس شهاب، ويتطلب هذا الامر مواصفات شخصية وقيادية خارقة، يمكن وضعها على مقياس دقيق من الصفات والقدرات الخاصة، والتي يمكن ايجازها على الشكل الآتي:

اولاً، احترام الدستور وقوانين الدولة اللبنانية، وبالتالي العودة الى الممارسة الصحيحة والمسؤولة للسلطة، وبالتداول السلمي للسلطة، وبتسهيل تشكيل الحكومات وبضبط عمل مؤسسات الدولة، وبالحفاظ على استقلالية القضاء.

ثانياً، العمل على استعادة لبنان لكل عناصر السيادة الوطنية والتي يأتي في رأس اولوياتها حل مسألة ثنائية السلاح واستعادة قرار السلم والحرب من قبل السلطة الشرعية.

ثالثاً، امتلاك رؤية واضحة عن كل القضايا المصيرية التي يواجهها لبنان، وخصوصاً لكل المشاكل والازمات الاقتصادية والمالية والسياسية الراهنة، مع مقاربة عادلة لحل مسألة اموال المودعين، واعادة هيكلة القطاع المصرفي.

رابعاً، اعتماد سياسة خارجية، يستعيد لبنان من خلالها لدوره التاريخي على المستويين العربي والدولي بحيث يستعيد دوره الرائد بين الامم، وبالتالي يثبت بالفعل بأنه «بلد الرسالة» على غرار ما جرى وصفه من قبل البابا يوحنا بولس الثاني.

وهنا لا بد من التساؤل عن مدى اهلية المتسابقين اليوم للكرسي الرئاسي لقيادة سفينة خلاص لبنان، وعن امتلاكهم الرؤية والتجربة لحل كل الازمات التي يتخبط فيها البلد منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود.

لا بد ان نقول وبصراحة كاملة لجميع هؤلاء المرشحين بأن البلد هو بأمس الحاجة لرئيس يملك الرؤية السياسية والتجربة اللازمة لقيادة البلاد نحو بر الامان، تماماً كما فعل الرئيس شهاب بعد صعوده للسلطة بعد الاحداث التي شهدها لبنان عام 1958. نحن بحاجة لرئيس جمهورية يمتلك الرؤية والقدرة على اجراء عملية اصلاحية واسعة، تؤدي الى اعادة هيكلة الدولة واصلاح جميع مؤسساتها وتحصينها ضد الفساد السياسي والاداري، على ان يكون اصلاح القضاء وتحقيق استقلاليته واعادة تفعيل مؤسسات الرقابة التي بناها الرئيس شهاب في رأس اولوياته.

في النهاية يبقى لبنان بأمس الحاجة لرئيس يحقق حياد رئاسة الجمهورية وغير ساع بشكل مستميت للسلطة. ولكن يبقى من الضروري والمشروع التساؤل عن امكانية توافر الظروف السياسية لوصول رئيس بهذه المواصفات في ظل الكتل النيابية الراهنة في المجلس النيابي، والادوار التي من المنتظر ان تضطلع بها الكتل المارونية الكبرى كالقوات اللبنانية والتيار الوطني الحر في دعمها لمرشحيها، او الدور التعطيلي للثنائي الشيعي، خصوصاً في حال نجاح محاولة وليد جنبلاط للتحالف معهما؟