IMLebanon

“التقشف” في الترفيه: ليخة وبيسيكلات وسهرات بيتية

كتبت ريتا بولس شهوان في “نداء الوطن”:

بعد وداع سبل الترفيه «القديمة»، والتي أصبحت مكلفة، استحدث اللبناني أساليب أخرى تتناسب مع حجم مدخوله. فما هي هذه النشاطات الترفيهية التي تبعد عنه شبح الانهيار النفسي؟

لأن كسروان والمتن وجبيل غنية بمشاهد طبيعية، ومنازل مطلة، أو حتى «فيلات» تركها أهلها، يتجه الباحثون عن منفذ الى طريقة لاعادة استعمال الموارد الموجودة. تخبر ياسمين «نداء الوطن» عن وسائل الترفيه المستحدثة، فمبلغ الثلاثين دولاراً المطلوب في المطاعم «على الرأس» والذي كان في وقت سابق لا يتخطى الخمسين ألف ليرة، غير ممكن دفعه، واستبدلوه بيوم متكامل من الراحة على حوض السباحة، وغداء هم يحضرونه ولا يكلف اكثر من عشرة دولارات للعائلة، إضافة الى فرصة للتواصل بين اكثر من 30 شخصاً من الاقرباء قرروا استئجار «فيلا» في الصفرا فيها كل وسائل الرفاهية فقط بـ 250 دولاراً تقسم على الموجودين. يحترز صاحب الفيلا (مشروع غير سياحي) من «الدزات» التي تجذب شرطة السياحة، باعتبار ان هكذا مشاريع تحتاج الى رخص، لكنه يدرّب الموجودين على حجة: «قولو انكن اصحابي»، فيقتنع رجل الأمن ويتركهم بحالهم، ليرقصوا، ويغنوا، ويمرحوا في فسحتهم التي أصبحت عادة شهرية قبل انتهاء فصل الصيف.

هذه ليست الفكرة الوحيدة، اذ استبدلت عائلة غنوة (من كسروان) الرحلة الى بعلبك، والتي كانت تنظم بخمسة عشر دولاراً للشخص الواحد، تشمل تكاليف التنقل والمطعم في مدينة الشمس، بسهرة منزلية تتم فيها دعوة اكثر من 30 شخصًاً لأمسية عود يدفع فيها بدل اتعاب الفنان «المحتكر» من المدعوين. لاحظ ايلي (محترف عزف على العود) ان الغلاء في المطاعم، ساهم برفع وتيرة عمله وانتقلت السهرات من المطاعم الى المنازل الفسيحة، بعد ان تتفق المجموعة على تنظيم السهرة ومكانها فالعشرة ملايين في المطعم تخفض الى خمسة ويكون الحاضرون متاكدين مما يأكلون لانهم اما حضروه هم، او استعانوا بخدمات احد ما «سايرهم بالسعر». احتكاره في المنازل امتد الى حفلات أعراس، أعياد ميلاد، حفلات تخرج التي ما عاد مركزها الا البيت وفق المغني جوزف، خصوصًا بعد كورونا، لان أصحاب «المناسبة» يسيطرون على الوضع اكثر من المطاعم التي قد لا تعقم كما يجب، ويكون الاختلاط بين حاضرين آخرين. وعلى هذا المنوال، سميرة أصبحت تشبه نفسها بالخليجيين والعرب الأغنياء الذين يقومون بحفلات خاصة، فتردف «كتير علينا نضحك وننبسط سوا نهار أحد».

الأفكار غير محصورة فقط بالسهرات، فهناك من يكتفي بلعب الطاولة مع صديق على فنجاة قهوة في المنزل او دمج عائلتين للعب «الليخة» والتي انتعشت في فصل الصيف لانها «وفيرة»، لا تكلف اكثر من صحن «بوشار» وشراب ما، ولكن حتى هذه تم التقنين بها الى جلسة كل أسبوعين، فالبنزين له كلمته على حد تعبير ماري. هكذا حرم اللبناني حتى من الزيارات وتبادلها للترفيه، واصبح البعض يستهلك «الزووم» للدردشة او حتى تطبيق «كلوب هاوس» مثل سيمون الذي يفضل استهلاك الهاتف بدل السيارة، اذ ان الدردشة الليلية، او أي حديث سياسي مفتوح مع عدد من الأشخاص، لا يختلف كثيراً عن اللقاء المباشر فيمر الوقت، حتى تحين ساعة النوم لنعود الى روتين اليوم التالي وهو الذهاب الى العمل.

للأطفال حصتهم بالأفكار «الوفيرة»، فالشاطئ العام، خصوصًا في البترون، ليس المقصد الوحيد، فهناك أفكار من حواضر البيت البتروني قد تفضي الى مطالب الأطفال بيوم يرفهون به «بلا تكاليف». الوالدة جانين تعتقد ان انتشار رياضة الدراجة الهوائية في البترون في الهواء الطلق بأسعار معقولة، تلهي أولادها لساعتين او ثلاث. اما ما دون عمر المراهقة، فيلجأون الى الرعية في الضيعة كصربا، التي كانت طيلة فصل الصيف، تموّه عن الأطفال برحلات الى مختلف المناطق، والأماكن، بأسعار رمزية يتمكن من دفعها الفقير كما متوسط الحال، فيتجمهر الأطفال كل صباح امام كنيسة مار جرجس منتظرين الباص لنقلهم اما الى البحر او مناطق يتعرفون عليها، وذلك بدلاً من المدرسة الصيفية التي كان الاهل يعتمدون عليها واصبح قسطها يضاهي نصف قسط المدرسة. حتى ان البعض استحدث «بستاناً» في المنزل، أي زرع بضع مزروعات، من اجل الأطفال، بدل تربية أي حيوان اليف، فيعلمون الأولاد كيفية الاهتمام بالمزروعات، فيزرعون البذور بأنفسهم ويروونها كما يشذبونها، فيشعر الولد حسب احد الأهالي انه «قام بعمل عظيم برفقة الاب».

من الصعب على اللبناني الذي اكتسب لقب «العيِّش»، ان يجد نفسه يحتل المرتبة الأولى في عداد الشعوب الأكثر غضباً، ومن الأصعب انه ترك مقاعد المقاهي والمطاعم فارغة، لكنه على الرغم من كل ذلك، ما زال مصراً على نمط حياته، ولو بالقليل المتبقي لديه.