IMLebanon

التشنج السياسي يُطيّف الأزمة… ولقاء خليل البخاري: لا جديد

كتب منير الربيع في “المدن”:

قبل أربعة أشهر، نُشر في هذه الزاوية مقال تحت عنوان:” المهمّة الشاقة: صون التهدئة وتجنّب إعلان حزب الله مرشحه”. أشار المقال إلى انفتاح “حزب الله” على مقومات التسوية وأنه لا يريد خوض معركة كسر عظم في الإنتخابات الرئاسية، علماً أنه في حينها كان موقف رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع بعدم تعطيل نصاب الجلسات بحال كان الحزب قادراً على انتخاب سليمان فرنجية. اختلف الأمر اليوم جعجع يقول صراحة سنعرقل محاولة حزب الله إيصال مرشحه.

في تلك الفترة كان الحزب، بحال تأمن النصاب، يمكنه إيصال مرشحه من خلال توفير 65 صوتاً له بتكرار تجربة انتخاب رئيس مجلس النواب ونائب رئيس المجلس، لكن الحزب رفض لأنه يريد لأي انتخابات رئاسية أن تكون نتاجاً لتسوية داخلية وخارجية.

على حدود الخطر

حالياً، شارف الأفرقاء اللبنانيون على حدود الخطر بشقيه السياسي والأمني. ما دفع برئيس مجلس النواب نبيه بري إلى الإعلان صراحة عن ترشيح سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية ضارباً مسألة ترشيح قائد الجيش جوزيف عون، وقاطعاً الطريق على البحث عن مرشح ثالث. رفع برّي السقف إلى أقصى الحدود، ولكن لا يزال هناك طاقة مفتوحة لا بد من الحفاظ عليها وتوسيعها لإعادة البحث عن تسوية بدلاً من الذهاب بالمغالاة في المواقف الإعتراضية والتي ستقود إلى استعصاء مديد نتيجته الوحيدة ستكون مزيد من الإنهيارات المالية والسياسية والإجتماعية، وتؤدي لاحقاً إلى انهيارات أمنية وعسكرية. لذا لا بد من الولوج إلى بعض ما ضجت به الساحة اللبنانية في الفترة الأخيرة، علانية وداخل الكواليس.

فرنجية أو الفوضى!

في الشق العلني، فبعد مؤتمر باريس وعدم صدور بيان جامع، وهو ما استغله الأفرقاء اللبنانيون للإستمرار في انقساماتهم، أعاد رئيس مجلس النواب التمسك العلني بترشيح سليمان فرنجية. فيما برزت مجدداً معادلة “فرنجية مقابل نواف سلام”. بينما هناك من يذهب إلى تفسير ذلك بمعادلة أخرى خبرها اللبنانيون في أواخر الثمانينيات وتلخّص حالياً بـ”فرنجية أو الفوضى”. جملة وقائع دفعت بري لاتخاذ هذا الموقف، أبرزها التوتر في العلاقة بين حزب الله والتيار الوطني الحرّ ورفض التيار لأي من مقومات التفاهم أو التسوية. ثانياً، تعطيل القوى المسيحية لعمل مجلس النواب ومنع عقد جلسة تشريعية. ثالثاً، قدرة الكتل المسيحية على تعطيل عمل اللجان المشتركة. هنا وجد برّي نفسه مطوقاً فاختار القفز إلى الأمام في تصعيد موقفه ضد خصومه وفي اعلان ترشيح فرنجية.

نقطة ثانية دفعت برّي إلى اتخاذ هذا الموقف التصعيدي والذهاب أبعد من موقف الحزب الذي لا يزال يلتزم صمتاً تجاه ترشيح فرنجية، وهذه النقطة تتعلق في الردّ على من يحاول حشر برّي في زاوية الحزب وأخذه بجريرته من خلال الإصرار على التعميم تجاه الشيعة ككل أو تجاه الثنائي الشيعي. علماً أن رئيس المجلس من قبل كان يشير إلى ضرورة الحوار وعدم التشبث، كما يشدد على ضرورة الحوار مع السعودية للوصول إلى اتفاق، لا سيما أنه يرفض انتخاب أي رئيس من دون موافقة السعودية.

إنقسام مسيحي – شيعي

أخطأ بري بحق نفسه وحق الخصوم في الموقف الذي أطلقه تجاه المرشح ميشال معوض، وهذه نقطة ارتدت عليه سلباً، ويمكنها أيضاً أن ترتد سلباً أكثر على سليمان فرنجية. على الرغم من ان الأخير يعتبر نفسه مرتاحاً على وضعه باعتبار أن بري قد نجح في تحييد معوض وقائد الجيش من أمام طريقه إلى بعبدا. استدعى موقف برّي رداً عنيفاً من رئيس حركة الإستقلال ومن القوات اللبنانية. بينما في المقابل يستمر التوتر في العلاقة بين التيار الوطني الحرّ وكل من حزب الله وحركة أمل، وهذا ارسى انقساماً مسيحياً شيعياً ستكون مخاطره كبيرة في حال استمرّ، ولم يتم السعي للبحث عن صيغة تسوية تدفع إليها بعض قوى الداخل بالإضافة إلى قوى الخارج.

ديبلوماسياً، لا يزال برّي مصراً على الحوار الداخلي ومع الخارج وخصوصاً مع السعودية. جولة السفيرتين الأميركية والفرنسية في الأيام الماضية انطوت على نقطتين أساسيتين، فدورثي شيا عملت على جولة استطلاعية حول مواقف القوى، مركزة على ضرورة الإستقرار وانتاج التسوية من دون الدخول في التفاصيل. أما السفيرة الفرنسية فحثّت على المبدأ نفسه على الرغم من تسريبات أو تفسيرات البعض بأن الفرنسيين يتعاطون بواقعية تقضي بعدم ممانعة اعلاء شأن صيغة “فرنجية_سلام”. الأمر الذي استدعى رداً سعودياً رمزياً في رفض هذه المعادلة، وقد ركزت المصادر السعودية على تسريب معطيات تفيد برفض السير بهذه المعادلة.

قوى لبنانية أساسية، تهزأ من حركة السفيرتين، خصوصاً أنه بعد اجتماعات باريس لجأ السفراء إلى لقاء المسؤولين ولا سيما رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، لإبلاغهم بأنهم يتحملون مسؤولية التعطيل. هنا تعلّق شخصية لبنانية بارزة بأن هذا أسوأ ما يمكن أن تنطوي عليه السياسة الديبلوماسية للقوى الخارجية على الساحة اللبنانية. في المقابل، أرسى تصريح برّي وتمسكه بفرنجية نوعاً من التوتر الداخلي والذي يمكن أن يؤسس للمزيد من الإنقسامات وسط تكاثر دعوات الطلاق أو الإنفصال او حتى التقسيم.

 لقاء خليل – البخاري

قبل أيام، عقد لقاء جديد بين النائب علي حسن خليل والسفير السعودي لدى لبنان وليد البخاري، وهو اللقاء الثاني بين الجانبين للبحث في كيفية الوصول إلى نقاط مشتركة. بعد اللقاء الأول اعتبر بري أنه لم يسمع بفيتو رسمي وعلني من المسؤولين السعوديين على ترشيح فرنجية، على الرغم من أن موقف السعودية كان واضحاً في بيروت كما في اجتماع باريس. لكن رفض برّي الإقرار بذلك ينطوي على محاولة للدخول في حوار اعمق مع السعودية.

في اللقاء الثاني بين علي حسن خليل والبخاري كان الموقف السعودي  نفسه، إلا أن بري أيضاً لا يزال على موقفه  بضرورة التحاور المباشر مع السعودية لسماع الموقف، في محاولة منه لإقناع الرياض بخيار فرنجية.

تعليقاً على كل هذه الوقائع، تشير شخصية لبنانية بارزة إلى أنه في حال استمر الإستنفار السياسي والذي يأخذ طابعاً طائفياً بدون تحقيق أي خرق على صعيد الحوار، فإن الأزمة ستكون طويلة وستكون قابلة للذهاب إلى انفجارات متوالية في الأشهر المقبلة.