IMLebanon

هل يبقى لبنان مكسر عصا؟

كتب حبيب البستاني في “اللواء”:

أثبتت الأحداث الأخيرة وتطوراتها الدراماتيكية التي اتخذت منحى طائفياً طالت ليس فقط مواقع التواصل الاجتماعي التي لا يُعرف من يحركها، بل إنها تعدّت ذلك وصولاً إلى المرجعيات الدينية والقيادات السياسية ووصلت إلى المجلس النيابي ويا للأسف. إذ إن مجرد المطالبة باعتماد التوقيت العالمي، وهو أمر محسوم علمياً ولا مجال للعب فيه تبعاً لمصلحة هذا أو أهواء ذاك، شكّلت هذه المطالبة موقفاً طائفياً موجّهاً ضد فئة كبيرة من اللبنانيين الذين يمارسون الشعائر الإسلامية، مع العلم أن توقيت الصيام ومواعيد الصلاة تخضع للسنة القمرية والتوقيت الهجري الذي لا علاقة له بدورة الشمس والتوقيت العالمي والمحلي، فالصائم يصوم من الفجر إلى الغروب بغض النظر عن الساعة وعن الوقت، وقد بان واضحاً أن القرارات الهمايونية لرئيس الحكومة المستقيلة نجيب ميقاتي وداعميه والتي أُعطيت مبررات طائفية تتعلق بالصيام والصائمين، قد أدخلت البلاد في تجاذبات كان يمكن الاستغناء عنها.
«اللي بيعرف بيعرف واللي ما بيعرف بيقول كف عدس»

لقد اتضح وتبعاً للتبعات وليس انطلاقاً من الأسباب أن وراء المطالبة باستمرار اعتماد التوقيت الشتوي، وذلك غصباً عن الجميع وراؤه غايات مشبوهة لها معانٍ ومقاصد سياسية أكثر من مجرد كونها حاجة أو ضرورة. وهو ظاهر في الفيديو المسرّب بين رئيس المجلس وميقاتي وليس بحاجة لبرهان أو استنتاج، ويعني بصريح العبارة أن «الأمر لنا ونحن من نقرر كل شيء في هذه الدولة التي أصبحت بالكامل تحت سيطرتنا» وإلا فلينتخبوا رئيساً، ووُجب أن نقرأ بين السطور، لينتخبوا رئيساً إن استطاعوا وإلا لانتخاب الرئيس الذي نريد.

كان يمكن للأمور أن تبقى في إطارها المبطن بالسياسة لو لم يحدث ما حدث في المجلس النيابي، من سباب ونعوت لا تليق برجال دولة ولا تتماشى مع احترام الشراكة الوطنية التي تقوم أولاً وأخيراً على احترام حرية الأفرقاء الآخرين، وعدم المسّ بشعائرهم الدينية وتاريخهم السياسي، ورجالاتهم التي تمثل رموزاً وطنية لها مكانتها ومحبتها في قلوب محبيهم.

ولكن وبما أن الأمور أفلتت من عقالها فأصبح من الصعب إيقافها، صحيح أن سياسة تبويس اللحى و«حطها بدقننا» وغيرها من العادات اللبنانية التي سيصار إلى اللجوء إليها لمحاولة رأب الصدع وإصلاح ذات البين، ولكن لا عملية إعادة العمل بالتوقيت العالمي ولا سياسة التبويس لن تنفع بعد الآن في إعادة وصل ما انكسر، وأنه بالتالي أصبح لزاماً علينا جميعاً الذهاب إلى أطر وآليات جديدة ليس لرأب الصدع والمعالجة بل للحؤول دون تكرار ذلك في المستقبل، فالبلد لا يحتمل خضات جديدة لا سيما أننا نعيش في ظل حكومة بتراء تمعن في إفقار اللبنانيين ولا تذهب إلى محاسبة المسؤول عن الانهيار، بل على العكس تماماً فهي تمعن بالفساد مستغلة أزمة عابرة لتمرير حلول ليس أقلّها وضع رسم جمركي متحرك يصب في مصلحة جهة معينة قامت باستيراد آلاف السيارات، ومن ثم تمرير صفقة تلزيم مبنى جديد في مطار بيروت بالتراضي ليتجاوز سعر تنفيذ المتر ضعفي كلفته في مطار أورلي في باريس، إلى ما هنالك من تلكؤ واضح في تنفيذ خطة الإصلاحات وإعادة هيكلة المصارف للذهاب بها إلى صندوق النقد الدولي.

وتبعاً لكل ذلك أصبح لزاماً علينا جميعاً الذهاب إلى انتخاب رئيس قوي يتمتع بحيثية مسيحية قوية وبكتلة نيابية تؤيده، بعيداً عن مرشح يُفرض فرضاً داخلياً إن من ثتائية أو ثلاثية أو حتى رباعية، أو خارجياً حتى لو اتفق عليه الجميع، عندها وعندها فقط لا يعود «المسيحي» ليس بالمعنى الطائفي بل كمجموعة سياسية واجتماعية مكسر عصا.

لقد أخطأ المسيحيون في الماضي القريب بعدم التفافهم حول الرئيس القوي، ألم يكن الأجدى على سبيل المثال لا الحصر أن يلجأ حزب الكتائب لاتباع ثوابت المؤسس الشيخ بيار الجميل الذي لم يحد يوماً عن دعم رئيس الجمهورية. يوماً بعد يوم يتضح ليس فقط للمسيحيين بل لكل اللبنانيين كم لبنان هو بحاجة لرئيس على صورة ومثال فخامة الرئيس العماد ميشال عون. فهلّموا جميعاً للاتفاق على رئيس قوي يتفق عليه المسيحيون الأقوياء تحت عباءة بكركي وذلك قبل الدخول في المحظور واللجوء إلى حلول أحلاها مُرّ.