IMLebanon

إنجاز طبي لبناني: عمليّة فصل نادرة لطفلَين!

كتبت أسرار شبارو في “الحرة”:

“هي لحظات لا يمكنني نسيانها، عشت بعدها ليال من الخوف والقلق والتفكير بمجرى حياتي الذي سيتخذ منعطفاً لم أتوقعه يوماً، إذ كيف لوالدة أن تتقبل أخبارها أن الجنينين اللذين ينموان في أحشائها ملتصقان، وأن مستقبلاً مجهولاً ينتظرهما”.. بهذه الكلمات بدأت مرايا ملص الحديث عن قصتها مع توأمها “السيامي”.

بعد شهرين من حملها قصدت ابنة المنية، شمالي لبنان، طبيبتها للاطمئنان على جنينها، لكن بدلاً من ذلك أطلعتها بشكوكها بشأن إمكانية أن تكون حاملاً بتوأم ملتصق. رفضت الشابة ذات الثلاثين عاماً تقبّل الأمر بداية، محاولة الهروب من الواقع، إلا أن ذلك لم يطل، إذ في الشهر الخامس من حملها قصدت طبيباً مختصاً بطب الجنين بناء على مشورة طبيبتها، فأجرى لها صورة تفصيلية، وهنا كانت الحقيقة الصاعقة، فما كانت تخشاه أصبح مثبتاً.

مشاعر وأفكار متناقضة تخبطت بها الوالدة طيلة فترة حملها، وبين الإنكار والتحضير لعملية الولادة وعلامات الاستفهام فيما إن كان سيكتب على مولودتيها البقاء ملتصقتين لعدم قدرة والدهما المادية على تغطية تكاليف عملية فصلهما الباهظة.

لم تفقد كما تقول الوالدة لموقع “الحرة”، الأمل بأن تكون التوقعات والصور خاطئة، وأن تنجب طفلتين طبيعيتين”، في وقت كان زوجها يعمل على تهدئتها مؤكداً أنه سيتقبّل صغيرتيه أيا تكن حالتهما كونها مشيئة الله.

وفي شهر أيلول الماضي أبصرت طفلتا عائلة عيد، ريهام ورهف النور، وبعد 4 أشهر خضعتا لأول عملية جراحية من نوعها في لبنان، إذ يجرى فصلهما على أيدي فريق طبي متكامل من مختلف الاختصاصات تابع للجامعة الأميركية في بيروت، ويوم السبت الماضي زار وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال فراس الأبيض منزل العائلة للاطمئنان على رهف التي بدت بصحة جيدة، وشقيقتها ريهام التي لا تزال تتلقى العلاج في المستشفى.

لم تتوقع مرايا أن تتبنى الجامعة الأميركية في بيروت حالة طفلتيها، وتقول “وقع اختيارنا بداية على إحدى مستشفيات الشمال لكن المبلغ الذي طلب منا طائل، وهو 35 ألف دولار، حاولت تأمينه من خلال طرق أبواب أقربائي والمغتربين من دون أن أتمكن من جمعه كاملاً، عندها قصدت نائب منطقتي أحمد الخير، الذي بدوره تواصل مع وزير الصحة، والأخير تواصل مع مستشفى الجامعة الأميركية، من دون أن أعلم حينها تفاصيل ما يدور”.

طال ردّ النائب الخير على عائلة عيد، عندها لم تجد مرايا أمامها سوى المستشفى في الشمال لوضع مولودتيها، وإن كان المبلغ المالي الذي لديها لا يكفي لتغطية التكاليف، لكن قبل ولادتها تلقت اتصالاً من الخير، طلب خلاله منها التوجه في اليوم التالي إلى مستشفى الجامعة الأميركية برفقة مديرة مكتبه، وتقول “علمت بعدها أن وزير الصحة أبدى اهتماما كبيرا بالموضوع وتواصل على الفور مع مستشفى الجامعة الأميركية لدراسة الملف ومعرفة فيما إن كان لدى طاقمها الطبي القدرة على استقبال حالتي والعناية بطفلتيّ”.

وكان أمام وزير الصحة اللبناني خياران بحسب مرايا “إما تأمين سفر طفلتيّ بعد ولادتهما إلى المملكة العربية السعودية لإجراء عملية فصلهما، أو أن يقبل أطباء الجامعة الأميركية التحدي وهو ما حصل”.

وتعتبر المملكة العربية السعودية رائدة في العالم العربي في عمليات الفصل الناجحة للتوائم الملتصقة، وقد سبق أن أشار وزير الصحة رئيس الفريق الطبي والجراحي لعمليات فصل التوائم السيامية الدكتور عبد الله بن عبد العزيز الربيعة، إلى أن أول حالة سجلت للتوائم الملتصقة كانت في عام 1945 لتوأم أرميني، وأن أشهر توأمين عرفا باسم (التوأم السيامي) هما إنك وجانق بنكر، وعاشا في الفترة ما بين عامي 1811 و1874م.

وأضاف، خلال محاضرة ألقاها في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، حملت عنوان “خبرة فريق ونجاح وطن” أن “سيام، هو اسم تايلاند القديم، وبعد أن كبر إنك وجانق بنكر قليلاً توجها إلى أميركا واستقرا فيها بعد عملهما في السيرك وأصبحا يسميان – آنذاك –التوأم السيامي، نسبة إلى تايلاند قديماً، وكان اتصالهما بسيطًا ويمكن فصلهما بعملية لا تتجاوز الساعة، لكن الخبرة في القرن التاسع عشر كانت قليلة، وعاشا حتى أصبح عمرهما 63 سنة، وكلاهما تزوج وأنجب من زوجتين، حيث أخذا شقيقتين وتوفي أحدهما، وبعد ساعتين توفي الآخر”.

نسبة حدوث مثل هذه الحالات نادرة جداً بحسب ما قاله الربيعة، وهي تصل إلى “حالة كل 200 ألف ولادة وتزداد في شرق وجنوب آسيا وأفريقيا، حيث تصل إلى حالة لكل 25 ألف ولادة، والسبب في ذلك أن في جنوب وشرق آسيا وأفريقيا تزداد نسبة حمل التوائم المتطابقة، وكلما ازدادت نسبة حمل المتطابق زادت فرص التوائم السيامية”.

كما ذكر أن نحو60% من حالات التوائم السيامية تولد ميتة، وذلك لوجود عيوب خلقية كثيرة تعوق الحياة، ومن يعيش منهم يموت 40% منهم خلال أسابيع من الولادة، و70% من الحالات من الإناث، وأعلى نسبة من الالتصاق هي منطقة الصدر، ثم الفخذ ثم الحوض ثم الرأس وأقلها التصاقاً البطن، لافتاً إلى أن أسباب ولادة التوائم السيامية غير معروفة إلى الآن غير أنه أشار إلى أن الأبحاث تؤكد أنه بسبب عدم اكتمال البويضة الملقحة وربما لنقص المواد التي تساعد على الانفصال.

في ولادة قيصرية وضعت مرايا طفلتيها، من دون أن تراهما داخل غرفة العمليات نتيجة ارتفاع ضغط دمها، وبعد يومين سألتها الممرضة فيما إن كانت تريد أن تلقي نظرة عليهما للمرة الأولى، وتقول “حين اقتربت منهما تأثرت جداً، حاولت تهدئة نفسي بالنظر إلى وجهيهما الجميلين، كذلك حاولت الممرضة التخفيف من توتري بالقول لي أن ما تحتاجانه عملية بسيطة وستكون الأمور بعدها على ما يرام”.

بقيت الصغيرتان تتلقيان العناية المركزة في المستشفى، في حين غادرت الأم وقلبها يكاد يتمزق حزناً على حالهما، وتذكر “لم تجف دموعي طوال رحلة عودتي من بيروت إلى الشمال، ومن بعدها واظبت على زيارتهما مرة كل أسبوعين نتيجة ارتفاع بدلات النقل وأسعار المحروقات، في تلك الفترة كنت أعد الأيام بالساعات والدقائق إلى حين حدد الأطباء تاريخ إجراء عملية فصلهما”.

خضعت ريهام ورهف لعملية فصل دقيقة استغرقت عشر ساعات، بحسب ما جاء في مؤتمر صحفي شارك فيه وزير الصحة ورئيس الجامعة الأميركية الدكتور فضلو خوري والفريق الجراحي والطبي والتمريضي الذي أعد للعملية وأجراها ولا يزال يواكب الحالة الصحية للطفلتين.

الأبيض أوضح خلال المؤتمر ان السؤال كان بشأن إمكانية القيام بعملية الفصل في لبنان في ظل الأوضاع الصعبة التي تمر بها المؤسسات الاستشفائية لناحية النقص بالمستلزمات، والأدوية، والكادر الطبي والتمريضي، مشيراً الى انه “تواصل مع مستشفى الجامعة الأميركية الذي وافق على إجراء العملية ونجح في إثبات قدرته وقدرة النظام الطبي في لبنان على القيام بخدمة طبية متقدمة”.

من جانبه شرح رئيس قسم الجراحة في مستشفى الجامعة الأميركية، جمال حب الله خوري، أن فصل الطفلتين جرى من ناحية أسفل الظهر دون تأثير على الأعضاء الحيوية، إذ تم فصل الحوض وهو منطقة الالتصاق وكذلك فصل أسفل العمود الفقري مع الحوض كما جرى فصل النخاع الشوكي ومن ثم تثبيته بدقة”.

أما الدكتور خوري فأكد أن “الجامعة الأميركية تفخر بأنها تمكنت وبواسطة فريق طبي ممتاز من تقديم المساعدة في هذا الوقت الصعب”، قائلاً “تعلمت كطبيب وإداري أن الأمل والصحة هما الأمران الأكثر أهمية في الحياة، وبالفعل فإن الجامعة الأميركية تبذل ما في وسعها لتقديم الأمل والصحة للبنان واللبنانيين جميعا من دون أي تمييز”. وأمل أن “ينعكس الإنجاز الذي تحقق بزيادة أمل اللبنانيين بمستقبلهم في وطنهم ما يجسد رسالة الجامعة لتكن لهم حياة أفضل”.

بعد إنجاز عملية فصلهما، شكرت عائلة الطفلتين النائب الخير وقدّمت له درعاً تكريمياً عربون شكرٍ وامتنان، وفي حديث مع موقع “الحرة” قال الخير ” نقلت ملف الطفلتين حين كانتا جنينين إلى وزير الصحة نتيجة خطورة وضعهما، واجتمعت به عدة مرات وبإدارة الجامعة الأميركية، فكان اهتمام الطرفين استثنائياً، وقد أسفر في نهاية المطاف عن تكلل العملية الأولى من نوعها في لبنان بالنجاح”.

وتكفلت مستشفى الجامعة الأميركية، كما يقول الخير بتكاليف العملية، لافتاً إلى أنه كنائب عن المنطقة يعتبر ريهام ورهف طفلتيه، وبعد أن عبّر عن فرحته بمغادرة رهف المستشفى، أمل أن يتحسّن وضع شقيقتها الصحيّ لتنضم إلى عائلتها.

قبل عشرة أيام خرجت رهف من المستشفى، حيث استقبلها أقاربها باحتفال كبير، لكن الفرحة كانت منقوصة كما تشدد مرايا، كون ريهام لا تزال تتلقى العلاج نتيجة مشاكل صحية تعاني منها منذ ولادتها، منها ضمور كبير في الدماغ، وافتقادها لإحدى الكليتين، إضافة إلى عدم قدرتها على التنفس بشكل جيد، أما رهف فتحتاج إلى جلسات علاج حسية حركية وإدراكية إضافة إلى جلسات علاج فيزيائية لكن بسبب أوضاعنا المادية اقتصر الأمر حالياً على العلاج الفيزيائي ثلاث مرات أسبوعياً بدلاً من سبعة”.

تكرّس الوالدة وقتها لرهف وشقيقتها الكبرى سندس، البالغة من العمر ثلاث سنوات، وتقول “لا أصدق حتى الآن أني أضمها بين ذراعيّ، أراقبها في الليل والنهار، يرقص قلبي فرحاً كلما رأيتها تضحك أو تقوم بأبسط حركة، فما مرّت به جعلني أتعلّق بها كثيراً”،

هي تجربة صعبة بكل ما للكلمة من معنى، لكنها تحمل عبراً عدة، منها بحسب مرايا “ضرورة الرضا بقضاء الله وقدره، اذ عندها سيسخر لنا الخير، وعلى سبيل المثال لم أتوقع لوهلة أن أضع مولودتيّ في مستشفى الجامعة الأميركية، فذلك ليس ضمن قدرة زوجي المادية مطلقاً، فهو حداد سيارات وعاطل عن العمل منذ أشهر، ورغم ذلك سخّر الله لنا المغتربين الذين دعمونا مادياً، كذلك النائب الخير، ووزير الصحة، وإدارة المستشفى لحل مشكلتنا المعقّدة”.