IMLebanon

هل يجرؤ “تيار المستقبل” على العودة إلى العمل السياسي؟

كتب أحمد الأيوبي في “نداء الوطن”: 

خلال الأسابيع الماضية، قام أحد السياسيين الطرابلسيين المستقلّين بزيارةٍ إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في محاولة للقاء الرئيس سعد الحريري، لكنه لم يتمكن من ذلك لأن الإجراءات المتخذة تمنع اللقاءات السياسية عن الحريري الذي يلتزم رسمياً عدم القيام بأي نشاط ذي طابع سياسي من الأراضي الإماراتية.

لكنّ بعض مراكز القوى في «تيار المستقبل» دأبت على التسريب بأن الحريري عائد وأنّه أعطى توجيهاته باستعداد «التيار» لخوض استحقاق الانتخابات البلدية طالباً من كوادر «التيار» العمل تحت عناوين تجمعات مناطقية جديدة وطالباً من عدد من رجال الأعمال المساعدة في تحقيق هذا التوجه وأن ذلك سيكون بمثابة خطوة أولى لعودته إلى لبنان.

من حق «تيار المستقبل»، بل من واجبه، ان يعمل في السياسة لكنّ تلطيه بتعليق العمل السياسي والاستمرار في النشاط غير الرسمي يجعل هذه الممارسة شكلاً من أشكال الالتفاف على الرأي العام. فإما أن يبقى خارج الملعب فلا يكون مسؤولاً عن شيء وإما أنه داخل الملعب وعليه أن يتحمل مسؤولية وجوده في الساحة السياسية، أمّا أن يتهرّب من المسؤولية ويستمرّ في محاولة حصد المكاسب فهذا ليس تعليقاً للعمل السياسي، بل هو تعليق للمسؤولية وتهرّب من المحاسبة.

لم يلتزم «التيار الأزرق» بتعليق العمل السياسي في الانتخابات النقابية المتعاقبة وخاصة عندما تمكن من إيصال مرشحه إلى مركز نقيب محامي الشمال بعد سقطة الحسابات الخاطئة من القوات اللبنانية وإساءة التقدير وعدم الوقوف عند تحالفها مع النائب أشرف ريفي، الأمر الذي أوصل المحامي سامي الحسن إلى منصب النقيب باعتباره محسوباً على «تيار المستقبل».

كيف يمكن فهم تعليق العمل السياسي إذا كان «تيار المستقبل» يخوض الاستحقاق النيابي بأشكال متخفّية ويخوض انتخابات المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، رغم فشله في سحق معارضيه على مستوى لبنان، ويخوض الصراع السياسي العنيف ضد وزير الداخلية بسام مولوي لكسره كمشروعٍ مُحتمل لرئاسة الحكومة، من خلال تسعير الخلاف بينه وبين مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان وتصوير الخلاف على أنه بين «تيار المستقبل» والوزير مولوي، ولماذا كلّ هذه الحرب على النائب فؤاد مخزومي الذي كلّما تحرّك انطلقت ضدّه منصات ومنابر وأشخاصٌ يدورون في فلك «تيار المستقبل؟».

لم يسبق لحزبٍ أو تيارٍ سياسي أن اعتمد صيغة تعليق عمله في الشأن السياسي، بل هي صيغة تفرّد بها «تيار المستقبل» الذي تخلّى عملياً عن محاضنه الشعبية وعن مسؤولياته التي كان يُفترض أن يتحمّلها في ظلّ الانهيار المالي والاجتماعي، وبدل إبداء الصمود والتماسك، إختار الرئيس الحريري الخروج من البلد، وهو حاله عندما يخرج من السلطة، وترك السنّة لمصيرهم، مع تسليط بعض الوجوه على كلّ من يحاول تخفيف وطأة الأزمات على الناس، وكأنّ المطلوب أن يبقى السنّة في ثلاجة الانتظار إلى حين عودة الحريري ولو دامت غيبته عقوداً، وهذه معادلة قاتلة سقيمة لأنّها مبنية على أنانيةٍ مفرِطة ومنافية للخير العام الذي يُفترض أن يكون غاية العمل السياسي. قال «تيار المستقبل» إنّه علّق عمله السياسي لأنّ الوضع ميؤوس منه في لبنان في ظلّ هيمنة «حزب الله» وهذا يعني أنّه سينتظر زوال هذا العائق ليعود إلى الساحة السياسية، وهذا يستدرج سؤالاً بسيطاً: ما الحاجة لهذه العودة إذا انتهت الأزمة وهل يُعقل أن يكون العمل السياسي مقتصِراً على الرخاء ومُعَلَّقاً في الشِّدة؟

سبق أن أشرنا إلى أنّ «تيار المستقبل» تحوّل إلى «حزبٍ سريّ» وقد أثار هذا العنوان غضب قيادة التيار وأعضائه وجمهوره، ولكنّ واقع الحال هو أنّ «التيار» يتصرّف في الظاهر وكأنّه حزبٌ سرّي يتجنّب الشأن العام ويخوض كلّ الاستحقاقات تحت هذا الشعار، ويريد أن يُقنع اللبنانيين أنّه خارج دائرة المسؤولية وبالتالي خارج نطاق المحاسبة، فيكسب بدون خسائر، مع العلم أنّه مسؤول بشكل تام عن الهاوية التي وصل إليها الواقع السني، خاصة بعد الصفقة الرئاسية مع الرئيس ميشال عون والنائب جبران باسيل، وما أنتجته من كوارث على المستوى الوطني العام، وما تركته من خسائر على الوجود السني في الدولة وفي الحقوق التنموية.

ويبدو أنّ من يدير شؤون «تيار المستقبل» اليوم إستمرأ هذا الواقع ويريد الاستمرار فيه، خاصة مع بدء الحديث عن التحضير للانتخابات البلدية وطبعاً مع وضوح التاريخ المقرّر للانتخابات النيابية وهذا يجعل الإشكالية في هذا النوع من الممارسة السياسية مطروحة بقوّة، ولسان حال الرأي العام السني يقول: فليجرؤ «التيار» على العودة إلى العمل السياسي وليقدّم رؤيته لإدارة الأزمة الوطنية وكيفية تأمين مستلزمات الصمود للمناطق السنية المنكوبة بسبب تركها لمصيرها من قبل تيارٍ أعلن رئيسه أبوّته لها ورفض أن ينافسه أحدٌ في هذه الأبوّة، فأسلوب التنكّر السياسي مرّ في لحظة فرض الفراغ المقصود وإعلان الانسحاب قبيل الانتخابات النيابية الأخيرة، لكنّه اليوم ليس سوى تسلّل يفرض رفع البطاقة الحمراء من قبل الرأي العام قبل الدخول في الاستحقاقات المنتظرة.