IMLebanon

“إستثناءات” الحرب المضبوطة وأفكار خفض التصعيد

كتب وليد شقير في “نداء الوطن”:

قد يكون سوء الرؤية الذي تسبّب به الطقس العاصف خلال الأيام الثلاثة الماضية ساهم في إبقاء الردود على الردود في المعارك الدائرة على الجبهة الجنوبية اللبنانية مضبوطة.

وقد يكون «سوء الرؤية» هذا ناجم في الوقت نفسه عن «وضوح» ضمني في الرؤية بلجم أي انفلات للمعارك، نتيجة التزام إسرائيل، حتى إشعار آخر، قرار الولايات المتحدة الأميركية بعدم توسيع الحرب من جهة، وضرورة التزام «حزب الله» قرار إيران بالتروّي في تصعيد وتيرة المعارك منعاً لتوسّعها في الجنوب من جهة أخرى، استناداً إلى ما قاله وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان بأن «الحرب ليست هي الحل»، أثناء زيارته بيروت في 9 و10 شباط.

ما تشهده الجبهة من خروج عمّا هو متعارف عليه، حتى اللحظة، ينظر إليه العارفون ببواطن الأمور وبتبادل الرسائل بين أميركا وإيران على أنّه استثناءات، مثل قصف المقاومة ثكنة عسكرية إسرائيلية في منطقة صفد أي بعمق 20 كيلومتراً داخل فلسطين المحتلة، لم يصدر عن «حزب الله» بيان بتبنّيها، ثم قصف إسرائيل للمرة الثانية مدينة النبطية وتسبّبها بتدمير منزل واستشهاد 7 مدنيين إضافة إلى 3 عناصر من «الحزب». ولضمان عدم تسبّب هاتين العمليتين بانزلاق الردود على الردود نحو حرب شاملة، سعى المعنيون بالإبقاء على الجبهة مضبوطة إلى تصنيف هاتين العمليتين تحت خانة «الاستثناءات»، في إطار التفاهمات الأميركية الإيرانية.

سبق أن خرقت إسرائيل حدود مسرح الاشتباكات مع «الحزب» عبر توغّل طائراتها نحو الضاحية الجنوبية مثلاً لاغتيال الشيخ صالح العاروري، أو في قضاء الزهراني… لكن الردود بقيت مضبوطة بالقدر المعقول. وسبق لـ»الحزب» أن أرسل صواريخه وقذائفه نحو عمق إسرائيل ومع ذلك استمرّت الأخيرة في حصر ردودها في نطاق يبقى تحت سقف عدم انفلات الجبهة.

السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحال هو طالما أنّ فريقي الجبهة المفتوحة على انضباطهما، لماذا لا يذهب أيّ منهما نحو وقف المجابهة التي تستنزف كلاً منهما من دون أن يتمكّن أحدهما من تحقيق نتائج عسكرية يتمّ توظيفها سياسياً؟ لا جواب عن هذا السؤال سوى تلك المعادلة التي أرساها «حزب الله»، أي لا وقف للمعارك (المحسوبة) إلا بعد وقف الحرب على غزة. لكن لا يبدو أنّ هناك أيّ مؤشر حاسم بوقف الحرب على غزّة، حتى من أجل هدنة موقّتة تقود حكماً إلى الهدوء على جبهة لبنان، يسمح للجنوبيين خصوصاً وللبنانيين عموماً أن يأخذوا نفساً، وأن تعفيهم هذه الهدنة من مزيد من الخسائر بالممتلكات والأرواح.

يستمرّ الجنوبيون و»حزب الله» في تحمّل الكلفة العالية للجبهة وسط سجال داخلي حول جدوى مواصلة الكرّ والفرّ الصاروخي، في شكل يضطرّ الأمين العام السيد حسن نصرالله أن يتوسّع في خطابيه الأخيرين، في ابتداع الحجج لإقناع جزء من جمهوره، وللردّ على خصومه، تبريراً منه لاستمرار فتح هذه الجبهة. فهو تارة أعطى طابعاً أخلاقياً ودينياً لهذه الحجج باسم التضامن مع غزّة، وأخرى سياقاً سياسيّاً يتعلّق باستباق حرب إسرائيلية استباقية على لبنان… ليجدّد التمسّك بمعادلة الجيش والشعب والمقاومة. هذا في وقت لا الجيش يشارك في ما يجري على الصعيد العسكري، بل يكتفي بالمراقبة والمساعدة في بعض أعمال الإغاثة، ولا الشعب قادر على الصمود وتحمّل الثمن الباهظ الذي يضطرّ لدفعه. ولهذا اضطرّ السيد نصرالله لإطلاق وعد بإعادة إعمار ما سببته الحرب من دمار في ممتلكاته، التي لم يتكشّف بعد حجم الأضرار الكبيرة التي لحقت بها، لا سيما عند الواجهة الحدودية حيث سويت منازل وأبنية بالأرض وأُحرقت مساحات بالقنابل الفوسفورية يستحيل إعادة زرعها لسنوات مقبلة…

في الانتظار يبقى اللبنانيون تحت وطأة مصير مجهول، طالما أن لا وضوح لدى القوى الكبرى حول سبل وقف الاندفاع العسكري الإسرائيلي المجنون ضد غزة. حتى الأفكار المطروحة تحت عنوان تطبيق القرار الدولي الرقم 1701 تبدو بلا أفق لأن بعضها مخالف للقرار نفسه، اضطر بعض الدول لاقتراحها تحت عنوان «خفض التصعيد»، وليس وقف الحرب.