IMLebanon

جرعة دعم دولية لديوان المحاسبة

كتبت لوسي بارسخيان في “نداء الوطن”:

فوّض مجلس الوزراء في جلسته التي انعقدت يوم أول من أمس، رئيس ديوان المحاسبة القاضي محمد بدران التوقيع على اتفاقية تعاون مع ديوان المحاسبة الفرنسي، أرسيت في إطار مبادرة للمنظمة الدولية لأجهزة الرقابة المالية INTOSIA IDI، تمهيداً لإطلاق ورشة إصلاحية، تتضمّن تحديد مكامن الضعف الناتجة عن الظروف المالية التي خلّفت تداعياتها على عمل الديوان، كي يصار لتقييم العلاجات، وإعداد الدراسات، واقتراح الحلول، وإلحاقها بتدريبات.

الهدف العريض للمشروع وفقاً لما يشرحه مصدر في اللجنة التي شكّلها «الديوان» وأشرفت على متابعة تفاصيله، هو نقل المعرفة التي تسمح باستغلال الموارد البشرية المتوفّرة حالياً، لتأمين إنتاجية أكبر وبهامش زمني أقل، وخصوصاً في ظلّ حالة الشلل على المستوى الرسمي، والتي تصعّب تعديل ملاك الديوان أو النصوص التنظيمية لعمله، بما يتطلّبه حجم المسؤوليات المضاعفة الملقاة على عاتقه منذ بدء الأزمة.

هذا التعاون يبدو عزيزاً بالنسبة لديوان المحاسبة خصوصاً أنّ فكرته كانت قد طرحت منذ بدايات القرن الحالي، إلا أنها لم تبلغ حينها النتائج المرجوّة. وقد تبلور مؤخراً نتيجة لجهود متجدّدة بذلت من خلال رئاسة الديوان.

في الخلاصة التي انتهى إليها فريق من قضاة ديوان المحاسبة الفرنسي الذين قاموا بزيارة تقييمية لعمل زملائهم اللبنانيين قبل تحديد عناصر اتفاقية التعاون النهائية، وثّقوا ما يلي: ديوان المحاسبة في لبنان يعمل بظروف صعبة جداً، وهي ظروف استثنائية على الأصعدة السياسية والاجتماعية والمالية، لا رئيس للجمهورية في البلاد، الحكومة مستقيلة والبرلمان معطّل. الشواغر في ملاك الديوان كبيرة، وموازنته المحدودة يقضمها انهيار قيمة العملة الوطنية، وبالتالي إمكانياته اللوجستية تكاد تكون معدومة، وأوضاع موظفيه متردّية جداً». ولكنهم مع ذلك لمسوا أنّ هذه المؤسسة الرقابية «ما زالت تقاوم، تعمل، تصدر تقاريرها، وتفرض رقابتها على الحسابات، وتصدر الآراء الإستشارية، وبالتالي تكاد تضطلع بكامل مسؤولياتها».

وعليه وقع اختيار INTOSIA على ديوان المحاسبة في لبنان لإطلاق مبادرته الجديدة للتنمية IDI كواحد من أكثر الأجهزة المالية التي تمرّ في وضع دقيق وتحتاج لدعم، علماً أنها المبادرة الثانية للـ IDI الشريكة أيضاً في اتفاقية تعاون باشرت بتحديد أطر تطوير تجهيزات الديوان الإلكترونية وبرامجه المعلوماتية، بتمويل من الاتحاد الأوروبي وبالشراكة مع Expertise France.

يتألف مشروع التعاون الذي سيوقّع في 26 نيسان المقبل مع ديوان المحاسبة الفرنسي وINTOSAI، من ستة عناصر:

أول هذه العناصر تبدو مهمة تشريعية محلية، لولا أنّ التعطيل التشريعي السائد يعيق تعديل القوانين بما يتيح مواكبة القانون الذي ينظّم عمل الديوان للمتغيّرات الحاصلة على الصعيد المالي. يتناول هذا العنصر مهمة الرقابة المسبقة. وهي مهمة أصبحت تستنزف طاقة «الديوان» نتيجة عدم تعديل السقوف المالية للمعاملات التي تخضع لها. وهذا ما فرض مرور أصغر المعاملات على رقابة «الديوان»، وبالتالي أغرِقت غرفه بكمية كبيرة من الملفات التي لم تكن تحتاج لرقابة مسبقة قبل انهيار قيمة الليرة.

يتضمّن المشروع في المقابل وضع القواعد لاستعادة روحية التشريع السابقة في ما يتعلّق بالسقوف المالية المحدّدة، علماً أنّ الدعم الذي سيقدّم تقني، يسمح بإجراء مسوحات لكمية الملفات ونوعيتها، بحيث يتم استبعاد بعضها من الرقابة، وفقاً لآلية متحرّكة تأخذ في الاعتبار إمكانية حصول متغيّرات جديدة في سعر صرف الدولار.

العنصر الثاني في المشروع يتعلق بالرقابة على الحسابات، والتي سيساهم ديوان المحاسبة الفرنسي بوضع نظام جديد لها، يؤمّن ليونة في العمل، بحيث تنجز المعاملات بوقت أقل وبواسطة عدد مدقّقين أقل. مع السعي لإنجاز دليل تدقيق لتسريع العمل.

العنصر الثالث يتعلق بإدارة العمل، وسينطلق بدراسة تحدّد عدد الأشخاص الذي يحتاجه إنجاز كل مهمة، تمهيداً لوضع استراتيجية تؤمن إنتاجية أفضل في المستقبل.

العنصر الرابع يتعلق بتعزيز الشفافية عبر تعميم نشر قرارات الديوان وتقاريره الدورية والسنوية، بما يسهل الإطلاع عليها.

العنصر الخامس يفترض نتيجة لما سبق وضع توصيات حول التعديلات المطلوبة في قانون تنظيم الديوان بما يحقّق الأهداف السابقة، وهي توصيات ستبنى على تجربة عملية يخوضها الخبراء في ديوان المحاسبة من الطرفين اللبناني والفرنسي.

فيما يحدّد العنصر السادس كيفية إدارة المشروع والتنسيق بين كافة مكوّناته للوصول الى أهدافه الموضوعة.

أبعد من الثمار المادية لهذا المشروع، والتي تبدو محدودة قياساً لحجم الدعم المعرفي الذي سيوفّره، يعتبر مصدر رفيع في الديوان أنّ أهميّته هي في ما يعكسه من تقدير دولي، وبالتالي الإصرار على عدم خسارة لبنان دَفعة الحيوية التي أظهرها هذا الجهاز الرقابي في متابعته الملفات المالية المرتبطة بمعظم الالتزامات، علماً أنّ أي دعم يقدّم لأجهزة الرقابة يبدو ضرورياً في المرحلة الحالية، حماية لحصانتها التي لا تزال تحافظ ولو على بعض من ثقة المجتمع الدولي بقدرة لبنان على المضيّ بالخطوات الإصلاحية.