IMLebanon

المنطقة أمام اختبار قوة… ماذا بعد؟

كتب نزار عبد القادر في “اللواء”:

فشل الهجوم الايراني في تحقيق اهدافه بسبب التدخل الاميركي لحماية اسرائيل، ولا بد الآن على خلفية المواقف المتعارضة من طرح السؤال: ماذا بعد؟ ويدرك الجميع انه سيكون من الصعب الاجابة على هذا السؤال، في ظل التعقيدات الراهنة للوضعين الاقليمي والدولي وما يفرضه ذلك من الزامات على الطرفين، والذي عكسته مناقشات مجلس الحرب الاسرائيلي.

في خضم مسلسل الازمات التي يشهدها الشرق الاوسط وبعد مشهد المناورة النارية الكبرى التي شهدتها اجواء عدد من الدول العربية التي تفصل ما بين ايران واسرائيل، يظهر بوضوح مدى حاجة المنطقة للتواجد الاميركي الكثيف والفاعل سواء على المستوى العسكري او على المستوى الدبلوماسي.

لقد تأكدت ادارة بايدن منذ هجوم حماس في 7 تشرين اول الماضي، على غلاف غزة، بأن عودتها الى المنطقة باتت ضرورية، من اجل وضع حد للهجمة الدبلوماسية والعسكرية التي تشنها ايران، والتي تسعى الى تعميم حالة الفوضى وتسعير النزاعات من اجل افشال المسعى الاميركي لحصول تقارب سياسي بين المملكة العربية السعودية واسرائيل، وذلك استكمالاً للاتفاقيات الابراهيمية، والتي ادت الى تطبيع العلاقات بين اسرائيل وعدد من الدول العربية، بما فيها دولة الامارات العربية ومملكة البحرين، بالاضافة الى المملكة المغربية والسودان.
كانت الرياض حريصة على الحفاظ على حق الفلسطينيين في اقامة دولتهم المستقلة، وذلك انطلاقاً من تمسكها بما نصت عليه مبادرة السلام العربية، والتي سعى إليها الملك عبد الله بن عبد العزيز في قمة بيروت العربية عام 2002.

من اجل تعطيل ونسف الجهود الدبلوماسية المكثفة التي بذلتها ادارة بايدن في رعايتها لمشروع التطبيع بين الرياض وتل ابيب، والتي كان يعوّل الرئيس بايدن على نجاحها خلال سنة الانتخابات الرئاسية، من اجل تأمين نجاحه ضد منافسه الرئيس السابق دونالد ترامب في الانتخابات التي ستجري في تشرين ثاني المقبل، كان لا بد من حصول انفجار كبير في المنطقة، يعيد خلط جميع الاوراق، وبما يؤدي الى نسف المبادرة الاميركية لتحقيق عملية التطبيع بين المملكة واسرائيل.

فاجأت حماس الجميع بشنها هجوماً واسعاً على غلاف غزة، والذي ادى وفق المعلومات الاسرائيلية الى مقتل 1200 اسرائيلي وخطف 253 اسرائيلياً واعتبارهم اسرى حرب. وبالفعل فقد قلبت نتائج هجوم حماس المفاجئ على اسرائيل جميع المعادلات الامنية والسياسية التي كانت سائدة في الاقليم، وتسببت بالتالي باهتزازات استراتيجية كبرى في موازين القوى، التي اعطت لإيران الفرصة لاستغلال قدرات اذرعتها العسكرية المنتشرة في المنطقة من حزب الله في لبنان، وميليشياتها ووحدات الحرس الثوري المنتشرة في سوريا، الى ميليشيا الحشد الشعبي التابعة لها في العراق، ووصولاً الى الحوثيين في اليمن.

بالرغم من انكار المسؤولين الايرانيين لعلمهم بعملية «غلاف غزة» فقد تحركت كل الاذرعة الايرانية من اجل نصرة حماس ومساعدتها في مواجهة الحرب التي شنتها اسرائيل على قطاع غزة، بهدف استئصال حماس عسكرياً وسياسياً من جهة، واستعادة «الرهائن» الاسرائيليين الموجودين لديها. وكان اول البادئين بمهاجمة اسرائيل حزب الله، والذي اعلن صراحة بأنه ينتصر لحماس في مواجهتها للهجوم الاسرائيلي، وبأن وقف النار على حدود اسرائيل الشمالية مربوط بوقف النار في غزة. كما تحركت كل الاذرعة المسلحة الاخرى لشن هجمات على اسرائيل وعلى مناطق التواجد الاميركي في سوريا والعراق، كما قام الحوثيون بتوجيه هجمات بالطائرات المسيّرة وبالصواريخ الباليستية (التي زودتهم بها ايران) باتجاه اسرائيل، والتي تطورت لاحقاً لتعطيل خطوط الملاحة البحرية في باب المندب وخليج عمان والبحر الاحمر وبحر العرب، تحت شعار نصرة غزة من خلال تهديد المصالح التجارية الاسرائيلية والغربية.

حاولت ايران الاستفادة من حالة الحرب على غزة للاقتصاص من اسرائيل على عملياتها الجوية التي تستهدف الوجود الايراني داخل سوريا كما تستهدف حزب الله، مع وجود هدف اساسي لوقف شحنات الاسلحة الايرانية المتواصلة ولصالح اذرعتها المسلحة، وخصوصاً حزب الله، كان مع تطوّر العمليات الجوية الاسرائيلية في الداخل السوري، وبعد بدء اسرائيل باستهداف القياديين الايرانيين التابعين لفيلق القدس، فقد قررت بعد عملية قصف القنصلية في دمشق الاعداد لعملية ثأر تنطلق مباشرة من الاراضي الايرانية. واللافت في الامر بأن اسرائيل قد استدرجت ايران الى الموقف الخاطئ، وسوء التقدير الاستراتيجي لنتائج شن هجوم مباشر على اسرائيل، ونسيت او هي تناست حقيقة الموقف الاميركي واستحضار حاملتي طائرات الى المنطقة بعد عملية حماس على غلاف غزة.

اذاً ارتكبت ايران عن خطأ غير مقصود، ولكن عن سوء تقدير للوضع الاستراتيجي الذي طرأ في ظل استمرار الحرب على غزة لفترة تزيد عن ستة اشهر، وتجاهلت كل التحذيرات، وقامت بشن هجوم جوي بواسطة ما يقارب 300 مسيّرة وصواريخ مجنحة «كروز» وباليستية على الداخل الاسرائيلي، دون ان يخطر في بالها بأن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين ومنهم البريطانيين والفرنسيين قد اعدوا كامل القدرات الدفاعية للتصدي للهجوم الايراني، ونجحوا في اسقاط معظم المسيرات والصواريخ على مسافة بعيدة عن الاراضي الاسرائيلية، والتي لم يصل اليها سوى بضعة صواريخ باليستية، ولكنها لم تتسبب بأية خسائر فعلية داخل اسرائيل، سواء بالارواح او في البنى التحتية، وهكذا اثبتت الولايات المتحدة وحلفاؤها بأنهم يملكون التفوق التكنولوجي القادر على افشال الهجوم الايراني بشكل شبه كامل، وبالتالي اثبات نظرية والتزام الغرب وخاصة واشنطن بالدفاع بفعالية كاملة عن اسرائيل. وبالفعل فقد اثبتوا وعلى عكس ما يجري في الحرب في اوكرانيا بأن المسيرات والصواريخ الايرانية ليست قادرة على اختراق شبكة الدفاع الجوية الغربية المتواجدة في الدول المجاورة لإسرائيل، او على الحاملات والسفن الاميركية في شرق المتوسط والبحر الاحمر وخليج عمان وبحر العرب. لقد اسقطت هذه الدفاعات المتطورة عنصر الردع الايراني بالكامل، كما اسقطت منطق التهديد الذي اعتمدته ايران ضد اسرائيل منذ حكم الرئيس محمود احمدي نجاد ووصولاً الى ولاية الرئيس ابراهيم رئيسي، ويمكن القول بأن قيادات الحرس الثوري في تقويمها لقدراتها الاستراتيجية «المتفائلة» و«المضخمة» قد نسيت تجربة صدام حسين في مواجهة اسرائيل والقوى الاميركية والغربية.

تدرك الآن طهران مخاطر الانزلاق الى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة او مع اسرائيل، وهذا ما دفعها منذ السنوات الاولى لقيام الجمهورية الاسلامية الى بذل الجهود اللازمة لتشكيل تنظيمات مسلحة تأتمر بأمرها، ويمكن من خلال اعدادها عسكرياً ان تخوض ما بات يعرف بـ«حرب الظل». ونجحت ايران في خوض عدة حروب وهذا ما سمح لها بتوسيع نفوذها وتأمين سيطرتها على عدة عواصم عربية، كما فتح لها الباب لتهديد الامن الاسرائيلي، وخصوصاً عبر حزب الله من لبنان، وحماس والجهاد الاسلامي من غزة. وايضاً الى تهديد المصالح الاميركية في المملكة العربية السعودية ودولة الامارات والعراق،وذلك من خلال دفع اذرعتها العسكرية المتمثلة بالحوثيين وببعض ميليشيات الحشد الشعبي العراقي. وكانت طهران تقطف في نهاية المطاف ثمار حالة الفوضى التي تنتج عن عمليات حلفائها. واعتقد بأنها ما زالت تعتمد هذه الاستراتيجية من خلال ادارتها غير المباشرة لكل الجبهات المفتوحة مع اسرائيل في الوقت الراهن. من هنا يبدو بأن الرئيس بايدن يدرك هذه الحقيقة، سواء من خلال محاولاته لاحتواء تدخلات محور الممانعة بأوامر ايرانية ولصالحها او من خلال ممارسته نفوذه مع اسرائيل ونصحها بعدم تنفيذ اية عملية ثأر ضد طهران، بعد هجومها الواسع والمباشر عليها.

في ظل تعقيدات الاوضاع الراهنة فإن اية عملية ثأر تشنها اسرائيل ستضع كامل المنطقة على «كف عفريت» وتفتح بالتالي الباب امام تصعيد واختبار قوة بين طهران وتل ابيب، والذي سيقود حتماً الى حرب اقليمية. لا بد ان تدرك اسرائيل بأن استعجالها للرد على العملية الايرانية سيؤدي حتماً الى تخريب التحالف الغربي والاقليمي الذي تشكَّل لمواجهة الهجوم الايراني.

في النهاية يبدو جلياً بأن اي قرار اسرائيلي بضرب ايران سيفتح الباب لمزيد من الفوضى في ظل تأكيد ايران بالرد عليه خلال «ثوان» وبما يدفع حتماً نحو حرب واسعة لا تريدها الولايات المتحدة، والتي تدرك بأن حالة الفوضى ستصب في مصلحة ايران حتماً.