IMLebanon

من أراد إشعال فتنة بين “القوات” و”الحزب”؟

كتبت نوال نصر في “نداء الوطن”:

عُثِر على الشهيد باسكال رشوان سليمان في محافظة حمص. إنها ثالث أكبر مدن سوريا من حيث عدد السكان بعد دمشق وحلب. لكن أين وجد تحديداً في حمص؟ في القصير؟ في ريف القصير؟ في البداية قيل وجد في بلدة القصر (في قضاء الهرمل على الحدود اللبنانية – السورية) ثم في حمص (في القصير) وبين بين، بين القصر والقصير، أكثر من علامة فارقة تتجاوز حرف الياء. المسافة بين البلدتين لا تتجاوز خمسة عشر كيلومتراً. وتبعد القصر عن العاصمة بيروت 150 كيلومتراً وعن جبيل مسافة 135,2 كيلومتراً. ويحتاج من ينتقل من جبيل إلى القصر أن يعبر مسافة ساعتين و45 دقيقة. هو وقتٌ كافٍ لاعتقال مجرم أو مجرمين عُرف ما اقترفوه منذ اللحظة الأولى؟ فماذا في القصر وفي القصير؟ سؤالٌ يلاحقنا منذ ما قبل اقتراف جريمة نيسان الفظيعة ويستمر بعدها؟ هل فعلتها عصابات، مجرد عصابات، أم أطراف تقصدوا سرقة مركبة في جبيل ورمي جثة في القصير لينالوا من طرفي القوات وحزب الله ويعبثوا ويعيثوا فتنة؟ بعد عشرة أيام على تلك الجريمة الفظيعة تستمر الأسئلة كثيرة في بلدٍ بلغ الدرك الأسفل والغموض الكلي.
فلنقصد بلدة القصر. كان أهلها – على ما يقال – من طيبي المعشر. هم عشائر. لكن شاء من شاء تحويلها الى منطقة تحوم حولها عشرات علامات الإستفهام. نقلب بين أيام القصر الأخيرة فنلتقط عشرات الأسماء التي قيل أنها انتهت تحت التراب: من آل علوه وآل فخر الدين وآل جعفر وآل قطايا وآل الهق… هؤلاء قتلوا ولم يموتوا «ميتة ربهم». ماتوا في سوريا. قتلوا في المقلب الثاني من بلدة القصر. البلدة «عسكرية» مفتوحة على سوريا بأمر «حزب الله» وكل هذا تحت عنوان: سننتصر وكلنا جنود للمهدي. الأعلام الصفر في كل مكان. موقع القصر معروف للقاصي والداني. فهل مرّ بسكال- أو جثة بسكال- من بلدة القصر؟ من يجرؤ على فعل ذلك مستسهلاً العبور في بلدة محسوبة مئة في المئة على «المقاومة الإسلامية» والمتابعة في مسار يقود نحو بلدة القصير في قلب سوريا وهي محسوبة أيضا مئة في المئة على من تسمى «المقاومة الإسلامية»؟

القصر والتهريب

هناك مخفر درك شكلي في القصر وحده يرفع العلم اللبناني. وما عداه كل شيء أصفر. هي بلدة العشائر التي كانت تنشد وجود الدولة اللبنانية لكنها تأخرت كثيراً. إنهم عشائر وَجدوا أراضيهم – بعد أن أصبح لبنان، لبنان الكبير بحدوده الجغرافية الحالية- داخل الحدود السورية. يرونها من بعد. رزقهم من الباب السوري ويقصدون سوريا مزارعين وما يزرعونه من قمح في القصر كانت تتسلمه منهم سوريا. لم يكن أحدنا يسمع بالقصر – للأسف – قبل أن تُصبح كما الخاتم في أصبع «حزب الله»، يعبر منها السلاح والعناصر والمواد المهربة على أنواعها صوب القصير. ومَن من اللبنانيين لم يسمع بالقصير؟ بلدة القصر أصبحت إسماً يتلازم في كل مرة يحكى فيها عن تهريب عبر الحدود. الدراجات النارية كثيرة تنقل «تهريباً» بعض المواد الأساسية البسيطة أما أرتال المواد المهربة فتُنقل عبر فانات وسيارات رباعية الدفع وبيك آبات. ليس هذا طبعاً بيت القصيد بل الأهم الآن، في هذه اللحظة: كيف عبر المجرمون تلك الحدود البرية، نحو قلب سوريا، الى حمص، بدون «إحم» ولا دستور؟ مات باسكال في عملية سرقة. طيّب. لكن كيف عبر السارقون المجرمون؟

من دون تفتيش

بلدة القصر واقعة جغرافياً تحت جلباب الثنائي الشيعي وفي الوقائع: هي منطقة يرفع بعض من فيها السلاح حين يحلو لهم، ويقتلون كما يحلو لهم، ويسرقون ويهربون ويبقون في الغالب خارج العقاب. وفي الإنتماء والأصل والنسب، هي منطقة تطغى فيها العشائرية. وفي التشابه، مثلها مثل بعلبك – الهرمل حيث الإصبع على زناد البندقية و»الآر بي جي» متوافرة غبّ الطلب في مواجهات آل زعيتر وآل مشيك وآل طليس وآل مقداد وآل حجولا في صراعهم المستديم. فهل هذا أمرٌ طبيعي في دولة لبنانية مفلسة؟ وماذا عن دور قوى الأمر الواقع في مناطق يرفع كثيرون من أهلها صورة «السيّد» و»الأستاذ» قبل الراية اللبنانية؟

من جهتها، تبعد بلدة القصير عن الحدود، وعن بلدة القصر بالتحديد، نحو خمسة عشر كيلومتراً. والوصول الى هناك من قضاء جبيل يستلزم المرور في دير عمار. هناك حاجز عسكري فكيف مرّ المجرمون؟ في منطق البعض لا يهم ويكفيهم القول: هي سرقة. لكن، يحق لنا ان نسأل ما طرحه المحامي نبيل الحلبي: من هم الذين لا يخضعون لأي تفتيش أو تدقيق أمني عند الحواجز الأمنية؟ ثمة سيارات «مفيمة» تعبر عادة وهناك أشخاص «فوق القانون» يعبرون. لدى حزب الله في بلدة القصر مركز أمني. ألم يَهَبْ المجرمون وجود هذا المركز الذي يضم مفرزة تحقيق وسجناً كان الحزب يستخدمه لاعتقال لاجئين سوريين من أقارب مقاتلي عناصر الجيش السوري الحرّ؟ لا نتفاجأ. لكن، هل مرور سارقي السيارات سهل الى هذا الحد؟ هذه إن صحّت مصيبة. وكل واحد منا عليه ان يخاف اليوم- أكثر فأكثر- على نفسه.

القصير- وريف القصير بالتحديد – تحت سيطرة «حزبُ الله». خبر عاجل وصل الاسبوع الماضي، بعد ثلاثين ساعة على إختطاف باسكال سليمان يقول: عثر على جثة مجهولة الهوية لشخص في العقد الخامس من العمر ملقاة في الأراضي الزراعية لقرية أبو حوري في منطقة القصير في حمص الحدودية التي يسيطر عليها حزب الله. كان عليها آثار ضرب على الرأس والصدر بآلة صلبة وقدر الطبيب الشرعي زمن الوفاة منذ 24 ساعة. نقلت الجثة الى مستشفى الباسل في حمص. إنتهى الخبر. وكل الإشارات توحي بأن مواصفات ما يكون قد حصل- وما رأيناه في الفيديو المسرّب للشهيد باسكال – تعود اليه . أهي حادثة سرقة؟ فلنسلّم جدلاً. لكن من يجرؤ على فعل كل ذلك في جغرافيا محسوبة بالكامل على حزب الله؟ هذا هو السؤال اليوم.

سرقة الجثة

هي حادثة سرقة. قد يكون الأمر صحيحاً. لكن، فلنفتح باب الحدود المشرعة. الدولة قامت بواجبها؟ مشكورة على ما قامت به وهو واجبها لكن: كيف مرّت الجثة؟ ولماذا نُقلت الى ريف القصير؟ في القاع، آخر البلدات الحدودية، أسئلة تحوم في البال: هل إستسهال الجريمة وصل الى حدّ الفتنة؟ يقال أن سارقي الجثة مروا في القاع وحاولوا العبور في معابرها. منعوا. فانتقلوا الى وادي خالد ومن هناك عبروا. فلماذا هذا الإصرار على سرقة جثة؟ هناك، في القاع، معبر أصبح شرعياً للأفراد – معبر مطربا – وهو المعبر السادس الحدودي الشرعي بين لبنان وسوريا، لكن هناك، في الموازاة، عشرات المعابر غير الشرعية. وهذا ليس سراً. التهريب يا «دولتنا» مستمر. والسؤال هناك: أين الدولة؟ ما لزومها ما دامت لا تقوم بواجباتها الحدودية؟ ألا تعرف أنه إذا وصل الى مرفأ بيروت كونتينر (مستوعب) يحمل ألواح طاقة شمسية وانتقلت محتوياته الى الهرمل والقاع أين قد ينتهي؟ ألا يفترض أن تتعقب الدولة البضائع أين تنتهي؟ ثمة أقمشة وقطع غيار السيارات وفستق ومكسرات وكاجو وكل ما ليس في سوريا ينتهي من لبنان في سوريا منذ قانون قيصر. والأكثر خطورة هو تهريب الأشخاص الأحياء. ماذا يضمن أنهم ليسوا داعشيين أو نصرة؟ لكن، لماذا تهريب جثة من معابر الهرمل أو من معابر وادي خالد غير الشرعية؟

مصلحة «الحزب»

بعد كل ما جرى لم يعد فوق رأس أحد في لبنان خيمة. الكل مهدد. هي سرقة ما حدث مع باسكال سليمان؟ هي أول حادثة من هذا النوع. السارقون كاوا يقومون بعمليات تشليح ويسرقون سيارات مركونة جانباً فلماذا قرروا سرقة سيارة غير مطلوبة في سوريا في داخلها رجل. هم حاولوا سرقة سيارة إمرأة وفشلوا؟ هل المرأة كانت أقوى من باسكال؟

في الأرقام صافي السيارات المسروقة من لبنان كانت تعادل قبل العام 2019 الخمسمئة أو أكثر بقليل أو أقل بقليل (551 سيارة في 2016 و552 سيارة في 2017 و544 سيارة في 2018 ومثلها في 2019) وها نحن في 2024. في أرقام الدولية للمعلومات 8290 سيارة سُرقت وسلبت في عشر سنوات (من 2014 الى 2023). وصل عدد تلك السيارات بين العامين 2014 و2019 الى نحو 604 سنوياً وارتفع بعدها الى 1166 سيارة سنويا أي بنسبة 93 في المئة. وفي جردة حساب السرقات لا حوادث قتل. وبالتالي شكلت حادثة سرقة سيارة باسكال – إذا سلمنا جدلاً أنها مجرد حادثة سرقة – سابقة من هذا النوع.

أين داتا الإتصالات؟ ألا تستطيع دولتنا المصونة وضع الإتصالات في المنطقة الحدودية تحت المراقبة؟ أين الأمن الإستباقي والوقائي في الموضوع؟ سؤال من حقنا طرحه. هل عصابة السرقة التي قامت بما قامت به أرادت الإستيلاء على سيارة من نوع أودي غير مرغوبة في سوريا أم هي فعلت ذلك في منطقة لها رمزيتها السياسية واختارت رمي الجثة في منطقة لها رمزيتها السياسية لخلق فتنة بين حزبين قويين حزب القوات وحزب الله؟ لم تتهم القوات حزب الله بما حصل لكن، من الطبيعي أن يربط من عرف بسرقة مركبة من قضاء جبيل ووجود جثة صاحب السيارة في ريف القصير أن في الأمر أكثر من مجرد تشليح سيارة. هذا طبيعي جداً. «حزب الله «قد لا يكون على علم مسبق بما حصل لكن، على الحزب أن يسأل قبل كل الآخرين: لماذا حصل ما حصل؟ واستكمال التحقيق ضروري لمصلحة «حزب الله» قبل كل الآخرين. فهل ما أرادته العصابة هو تشويه صورة الدولة اللبنانية أو ما تبقى من هيبة الدولة اللبنانية؟ ألم يشِ ما ارتكبته تلك العصابة أن رزق اللبنانيين وحياتهم لا حول لها ولا قوة؟ هل قبضت تلك العصابة «قرشين» لإشعال البلد بمن فيه؟ ألا يخشى «حزب الله» بعد ما حدث من أن تكون العصابات، التي «تنغل» في مناطق محسوبة عليه، تباع وتُشرى «بفرنكين» تتجسس عليه ما دام تفاجأ بما حدث كما القوات كما الجميع؟ هي أسئلة منطقية يفترض أن تجد أجوبة تشفي غليل من يؤمن بعد بالبقاء في البلد المشلع. أما دولتنا فهل لدى مخافرها محضر ضبط بسيارة الهيونداي التي سرقت قبل أربعة أيام من منطقة الرابية وتنقل بها المجرمون؟ هل أعلن خبر السرقة قبل حدوث ما حدث؟ هل هناك محاضر بمحاولة سرقة سيارات أخرى قبل تشليح وقتل باسكال سليمان؟ كيف عبرت السيارة المسروقة وفي داخلها جثة جرد البترون وطرابلس والقلمون والحدود؟

أخيراً، كثر الحديث «رسمياً» عن رؤوس مدبرة وعصابات تنسق جرائم بين لبنان وسوريا وعن سرقات من لبنان الى «شقيقته» عبر معابر القصر ووادي خالد. ومن يُمسك بتلك المعابر مسؤول. والصغير والكبير يعرفان كيف تنتقل السيارات والمواد المهربة وحتى السلاح والعناصر وتجار المخدرات من لبنان الى سوريا.

بلدة القصر التي سبق وعزز «حزب الله» وجوده فيها، هي أرض زراعية شاسعة واسعة وتمّ استثمار مساحات كبيرة منها في زراعة الحشيشة، وهي تضم معبراً حدودياً مع لبنان يديره أشخاص نافذون ومعابر غير شرعية واسعة شاسعة. أما القصير، التي نجح حزب الله منذ أكثر من عشرة أعوام في السيطرة الكاملة عليها، فلها رمزية عند «الحزب». فهل هناك من شاء إقحامه حقاً في ما ليس له يدّ به – هذه المرة – في قلب ريف القصير؟ نعرف أن مدينة حمص تحولت الى بقعة خصبة لكل أنواع العصابات والميليشيات يُستباح فيها كل شيء خارج عن القانون فهل يمكن القول اليوم إن الإستباحة أتت هذه المرة على حساب حزب الله نفسه؟ الحقيقة مهما تأخرت ستظهر.