كتب عبد الفتاح خطاب في اللواء:
لم يعد الصمت الذي يلف أروقة لجنة «الميكانيزم» الخماسية مجرد عطل فني في ماكينة الدبلوماسية، بل هو في جوهره إعلان غير رسمي عن دخول هذه الآلية مرحلة «الموت السريري». فبينما يشتعل الجنوب اللبناني بنيران المواجهة المفتوحة، تبدو اللجنة التي أُسست لتكون ضابطاً للإيقاع وكابحاً للخروقات، مجرد هيكل جامد يتآكل وجوده تدريجياً، بعدما فَقدَ القدرة على ترجمة التفاهمات الورقية إلى إجراءات ميدانية تحمي ما تبقّى من هيبة القرار الدولي.
إن حالة الشلل العميق التي تضرب اللجنة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج تقاطع مصالح وأجندات تريد تجاوز هذه الصيغة، فالتشدّد الأميركي المتصاعد حيال جدوى الآلية الحالية، يقابله تشكيك إسرائيلي «ممنهج» يرفض الخضوع لمنصة تنفيذية قد تقيّد طموحاته العسكرية. وفي هذا السياق، تبدو المحاولات اللبنانية الرسمية، وعلى رأسها تمسّك رئيس الحكومة نواف سلام باللجنة باعتبارها القناة الوحيدة المتاحة لضبط الإيقاع، أشبه بمحاولة لإحياء عظام وهي رميم، أو تمسّكاً بـ «قشة» دبلوماسية في خضم عاصفة ميدانية كاسحة.
الواقع المُرّ يشير إلى أن موجة التصعيد الأخيرة أطاحت بجدوى الوساطات الهشّة، حيث تسعى إسرائيل من خلال سياسة الأرض المحروقة والإنذارات المتلاحقة إلى فرض وقائع أمنية جديدة شمال الخط الأزرق، بعيداً عن أي رقابة دولية. ومع غياب آلية فعّالة للمحاسبة أو المراقبة، بات الميدان خاضعاً بالكامل لميزان القوى الصرف، ما يرفع منسوب الهشاشة ويجعل الانزلاق نحو المجهول مسألة وقت لا أكثر.
وعلى ضوء اكتمال خطة الجيش اللبناني لحصر السلاح جنوب الليطاني، يرى مراقبون أن المهمة التقنية لـ «الميكانيزم» قد استُنفدت أو فُقدت مبرراتها، لصالح مقاربات دولية جديدة تميل نحو المسارات التفاوضية المباشرة التي تفرضها القوى الكبرى. في الخلاصة، لم تعد لجنة «الميكانيزم» اليوم سوى إطار مجمّد ينتظر رصاصة الرحمة، فبين غياب الإعلان الرسمي عن وفاتها وتآكل حضورها على الأرض، يبقى مصيرها معلّقاً بفوهات المدافع لا بمداد البيانات الدبلوماسية.