IMLebanon

السعد: الدولة لا تقبل حتى بالاعتراف بدينها وتأخذ الضرائب من جيوب الناس!

تطرق عضو لجنة المال والموازنة النائب راجي السعد في كلمته بجلسة مجلس النواب الخاصة بمناقشة مشروع قانون الموازنة العامة الى الثغرات والشوائب التي تسيطر على مشروع القانون.

وانتقد السعد الحكومة على إعطائها من خلال هذه الموازنة براءة ذمة لكل الحكومات والسياسات السابقة التي خربت البلد وأوصلتنا للانهيار. وقال: “الإصلاح يعني تقديم “قطع حساب” مع تدقيق، لأن الدولة القائمة بلا حسابات من سنة الـ1993 هي سلطة فاقدة للمصداقية. الدكنجي بيعرف وين قرشو ضاع، فكيف الدولة غير قادرة على إعطائنا جوابا عن الـ27 مليار دولار المفقودين ولا تقبل بأن تعترف بأكثر من 50 مليار دولار دينا عليها موجودة بدفاتر مصرف لبنان، كما أكّد حاكم المركزي.”

وأضاف: “عندما تقدم الحكومة موازنة تعتمد بنسبة 82% على الضرائب التي تؤخذ من جيوب الناس، وتضع نحو 11% استثمار، فهي لا تتصرف كدولة، بل تتصرف كصاحبة مصلحة صغيرة، تجيد الجباية وفاشلة بالتنظيم والتخطيط والإدارة. الحكومة هنا لا تسأل كيف سيعيش المواطن، بل تسأل كيف ستؤمن “غلّة” اليوم لتغطية مصاريفها الجارية وهدرها المستمر.”

بإمكانكم الاطلاع على كلمة النائب السعد أدناه:

دولة الرئيس،

الزملاء النواب،

ستنتهي ولايتي الأولى كنائب. وطيلة السنوات الأربع كنت أنتظر أن أعمل مع زملائي في لجنة المال والموازنة، أو أن أناقش أمامكم في الهيئة العامة موازنة “دولة” حقيقية. ولكن للأسف، يبدو أن قدرنا مع هذه الحكومة، مثل كل الحكومات التي تعاقبت، أن نناقش موازنات “أبو فؤاد الدكنجي” عوضا عن أن نناقش موازنة دولة. وللأسف ارتضت هذه الحكومة لنفسها أن تعطي براءة ذمة لكل الحكومات والسياسات السابقة التي خربت البلد وأوصلتنا للانهيار!

دولة الرئيس،

عند دخولي للمجلس كنت أحلم بمناقشة موازنة وزارة للتكنولوجيا والأبحاث، ورصد مبالغ لتطوير العمل بالذكاء الاصطناعي والأبحاث العلمية، وتشجيع براءات الاختراع.

عند دخولي المجلس، كنت أفكّر بمناقشة الموازنات الخاصة بالتربية والتعليم العالي، وكيف علينا العمل على تطوير المستوى التعليمي لتخريج أجيال تواكب العصر الحديث.

عند دخولي المجلس، كنت أطمح بمناقشة موازنات وزارات الصناعة والزراعة والاقتصاد والسياحة، لرؤية كيفية تطوير الإنتاج اللبناني وصادراتنا للخارج، وإدخال العملة الصعبة الى الخزينة.

عند دخولي المجلس وعدت مجتمعي بأنني سأناقش موازنات وزارة الشباب والرياضة، وكيفية دعم الشباب والاتحادات التي ترفع اسم لبنان عاليا.

لكن الصدمة كانت أنني اكتشفت مثل اليوم يا دولة الرئيس، اننا نناقش موازنة دكانة ليس أكثر.

ما الفرق يا دولة الرئيس بين موازنة الدكانة وبين موازنة الدولة؟

الفرق بسيط وعميق في الوقت نفسه. “أبو فؤاد الدكنجي” كل همّه صباحا ومساء أن يعرف مداخيله ومصاريفه. “أبو فؤاد” لم يكن لديه رؤية لعشر سنوات قادمة، ولم يطلب منه أحد أن يكبّر اقتصاد البلد أو أن يزيد الناتج القومي.

وطبعا لم يكن لديه مسؤولية اجتماعية تجاه الناس، ولم يكن مطلوبا منه تأمين دواء السرطان، ولا اصلاح طرقات الموت، ولا حماية كرامة العسكريين والموظفين.

“الدكنجي إذا ربح بيعمّر بيتو، وإذا خسر بكل بساطة بيسكّر دكانتو وبيفلّ…بس الدولة مش هيك يا دولة الرئيس!”

جميع اللبنانيين مصيرهم مرتبط بالدولة. الدولة هي العقد الذي يربط المواطن بأرضه. الدولة هي الهيبة والقانون والمؤسسات التي تحمي الجميع، وتؤمن العدالة والازدهار للجميع. هي التي ترعى النمو، وهي التي تحقق الإنماء المتوازن.

دولة الرئيس،

عندما تقدم الحكومة موازنة تعتمد بنسبة 82% على الضرائب التي تؤخذ من جيوب الناس، وتضع نحو 11% استثمار، فهي لا تتصرف كدولة، بل تتصرف كصاحبة مصلحة صغيرة، تجيد الجباية وفاشلة بالتنظيم والتخطيط والإدارة.

الحكومة هنا لا تسأل كيف يعيش المواطن، بل تسأل كيف ستؤمن “غلّة” اليوم لتغطية مصاريفها الجارية وهدرها المستمر. ونحن هنا يا دولة الرئيس، نرفع الصوت اليوم عن نيّة طيبة، ومن باب الحرص، لتصويب المسار ونساعد الحكومة على العودة الى دورها الحقيقي ببناء الدولة، وليس بإدارة الدكانة.

دولة الرئيس نواف سلام،

حضرتك في كل خطاب تكرر كلمة “إصلاح”، ومن الممكن ان تكون قد ذكرتها آلاف المرات! ولكن دعني أقول لك بكل إيجابية أن الإصلاح ليس شعارا نرفعه لارضاء الخارج. الإصلاح هو قرار داخلي شجاع يبدأ من هنا. والأهم يا دولة الرئيس: الإصلاح كان عليه أن ينطلق من القطاع العام أولاً، لا عبر الهجوم على القطاع الخاص!

الحقيقة المُرّة يا دولة الرئيس، أن القطاع العام المترهل هو المسؤول الأول عن انهيار القطاع الخاص، وعن ضياع أموال الناس، لا العكس! سوء الإدارة، التوظيف العشوائي، والسياسات المالية الفاشلة بالدولة، هي التي أغرقت البلد وضربت القطاع المصرفي وهجّرت الاستثمارات. واليوم، بدلا من أن تركز الحكومة على أساس المشكلة، وتعالج الخلل بالقطاع العام، تتهرب من معالجة النتائج من خلال مطاردة القطاع الخاص المنتج “بالسراج والفتيلة”، لتحميله تكلفة فواتير فشلها. كلامنا اليوم هو دعوة صادقة للحكومة لأخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار وتنفيذها، لأن النجاح من مصلحة الجميع.

دولة الرئيس،

لنتكلم بصراحة ومع بعض الأمثلة، عن “الإصلاح الحقيقي” الذي كنا ننتظره من حكومتكم.

الإصلاح يعني تطبيق قانون الـ2017 لإعادة هيكلة القطاع العام لإنصاف الموظف الكفوء، لا أن نترك “مزرعة” الـ32 ألف وظيفة غير قانونية دخلت بالسياسة وتركتها الحكومة الحالية بلا معالجة! وفي الوقت نفسه، يُذبح الموظف الآدمي والعسكر بجيشنا اللبناني برواتب محسوبة على سعر 15 ألف ليرة.

الإصلاح يعني تقديم “قطع حساب” مع تدقيق، لأن الدولة القائمة بلا حسابات من سنة الـ1993 هي سلطة فاقدة للمصداقية. الدكنجي “بيعرف وين قرشو ضاع”، فكيف الدولة غير قادرة على إعطائنا جوابا عن الـ27 مليار دولار المفقودين ولا تقبل بأن تعترف بأكثر من 50 مليار دولار دينا عليها موجودة بدفاتر مصرف لبنان، كما أكّد حاكم المصرف المركزي.

الإصلاح أيضا يعني تعزيز إمكانات الهيئات الرقابية التي بلغ الشغور فيها 80%. تعطيل الرقابة هو قرار بترك البلد للفساد، وهذا الأمر لا يحصل بدولة تحترم نفسها. نحن اضطررنا بلجنة المال أن ننقل اعتمادات لمساعدة الهيئات الرقابية على الاستمرار بهدف مراقبة أداء القطاع العام الذي اوقعنا بالانهيار.

الإصلاح ليس بتعيين المحاسيب، مثل ما حصل بتعيين مجلس إدارة الريجي وغيره. رجل الدولة يبني مؤسسات ولا يدوّر على من ينفذ أوامره بـ “دكانة السلطة”.

الإصلاح يعني كشف مصير المليار و200 مليون دولار من حقوق السحب الخاصة (SDR) التي تبخرت مع الحكومة السابقة. حكومتكم مسؤولة عن كشف هذه الفضيحة لا تغطيتها بزيادة الضرائب وصياغة “شطور” ضريبية تخنق الناس!

الإصلاح يعني إنفاق استثماري لإنشاء بنى تحتية تسمح بتكبير حجم الاقتصاد وتؤمن النمو، لا إعادة احياء مراسيم “عفّنت” من الستينيات لمصالح استملاكات ضيقة بمجلس الإنماء والإعمار، بدلا من أن نستثمر بإصلاح شامل لطريق الشام التي تفتح الباب الواسع للترانزيت، وتقفل باب المقابر المفتوح بسبب حوادث السير والشاحنات عليها!

الإصلاح يعني إيقاف سلفات الخزينة كإنفاق خارج الموازنة، لضمان الشفافية.

الإصلاح يعني توسيع القاعدة الضريبية التصاعدية والانتقال من الضرائب غير المباشرة التي ترهق المواطنين إلى نظام ضريبي أكثر عدالة.

الإصلاح يعني تحصيل الإيرادات المهدورة من الأملاك العامة البحرية والبرية والكسّارات، والتي تُقدَّر بمليارات الدولارات، بدل تحميل العبء المالي للمواطنين.

يا دولة الرئيس، المواطن غير مسؤول إذا الطريق أمام منزله محفورة، لكن الدولة مسؤولة! رصدتم لوزارة الأشغال 248 مليون دولار فقط بينما هي تحتاج لـ848 مليون لترميم “طرقات الموت” وغيرها من المشاريع الحيوية، وبالرغم من هذا الأمر هي تعمل بكامل طاقتها مشكورة، بمنطقة عاليه وبكل المناطق وباللحم الحي!

وهنا لدي سؤالا جديا ان كنتم جديين يا دولة الرئيس: ما الذي يمنع الاستثمار بالحد الأدنى على الأقل بطريق الشام، لكي يعود كل أهل عاليه والجبل الى قراهم ويصمدوا ولو كانت أشغالهم في بيروت؟ قضاء المتن ليس أقرب من قضاء عاليه الى بيروت، وأهل المتن يسكنون بقراهم لأن طريق بيروت سالكة وآمنة، بوقت أهل عاليه غير قادرين على العودة لأن طريق الشام غير سالكة وغير آمنة. هل بإمكاننا التفكير بالموضوع جدياً يا دولة الرئيس؟

دولة الرئيس،

نحن عندما ننتقد ننطلق من حرصنا الأكيد على هيبة الدولة في هذا العهد، وبظل قيادة فخامة الرئيس جوزاف عون. نحن نريد دولة قوية بجيشها، وبمؤسساتها، وبثقة مواطنيها. وهذا النقد هو نقد بنّاء، الغاية منه أن تعالج الحكومة أصل المشكلة لا تضييع وقتها بالنتائج. ولكن كيف يمكننا أن نبني الثقة، والمواطن يرى بأن الموازنة تتعامل معه كزبون لا كشريك بدولة ووطن؟

نحن بلجنة المال اضطررنا أن نقوم بدور الحكومة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، نقلنا 8000 مليار للاستشفاء و1000 مليار للرعاية الأولية، لأن الموازنة الأصلية تجاهلت حق المواطن بالصحة. ونحن سألنا عن موظفي وزارة الشؤون الاجتماعية الذين حجبت عنهم رواتبهم من 7 أشهر… الدكنجي الصغير يدفع لعمّاله، فكيف الدولة لا تدفع لموظفيها الذين يخدمون كل اللبنانيين.

كيف نتحدث عن الثقة والحكومة تقول أنها وصلت لفائض مليار دولار بموازنة 2025، ولا نرَ دولارا واحدا يُنفق على الاستثمار البنّاء؟ الدولة ليست مصلحة خاصة لجمع الأرباح، الدولة وظيفتها معالجة “سبب الانهيار” بالقطاع العام، وتأمين خدمات وتطوير الاقتصاد.

دولة رئيس الحكومة والسادة الوزراء،

الموازنة هي المرآة التي تعكس لنا رؤية الحكومة. إذا بقيت رؤيتكم محصورة بـ “عصر” جيبة المواطن والقطاع الخاص، والهروب من إصلاح القطاع العام الذي خرّب البلد، فأنتم تقتلون مفهوم الدولة لتعيش الدكانة.

صوت لجنة المال والموازنة برئيسها وأعضائها عالٍ منذ 2010. كشفت التوظيف العشوائي، وحذرت من الانهيار الذي سببه ترهل الدولة. واليوم نعيد تكرار الصرخة: لا قيامة للبنان بلا حسابات مدققة، ولا قيامة بلا إعادة هيكلة جذرية للإدارة، ولا قيامة بلا قضاء يحاسب مَن ضيّع المليارات.

بالخلاصة يا دولة الرئيس،

القطاع الخاص اللبناني هو الضحية لا الجلاد، هو مَن يحمل الدولة على كتافه رغم كل شيء، وصار الوقت أن ترتقي الدولة لمستوى تضحيات شعبها.

صوتنا اليوم هو صرخة ضمير بنيّة صادقة، لكي تعالج حكومتكم أصل المشكلة بالقطاع العام وتنفذ الإصلاحات المطلوبة.

دولة الرئيس،

الزملاء النواب،

نحن ان وجهنا نقدا، نحرص في الوقت نفسه على أن يكون نقدنا بنّاء لا هدّاما. نحن من الأطراف التي تؤمن بهذا العهد وتفتخر بأداء فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون. ونحن أعطينا الثقة مرتين لهذه الحكومة، ونراهن على التغيير بالأداء. إنما يا دولة الرئيس البلد يحتاج الى ثقة، وهذه الكلمة السحرية لإنقاذ البلد. وقبل أن نتحدث عن الثقة بالاقتصاد أو الثقة بالقطاع المصرفي، نحن بحاجة أن نعيد ثقة الناس بالدولة والمسؤولين. لذا، كما تعملون على الصعيد السيادي لحصر السلاح واستعادة هيبة الدولة والجيش والمؤسسات الأمنية لكي لا يبقى أي سلاح خارج الشرعية، نحن بحاجة أن نستعيد ثقة الناس بالدولة ومؤسساتها، هذه الثقة التي لم تعرف هذه الحكومة بعد كيفية استعادتها بظل غياب الإصلاحات الفعلية، وغياب الشفافية، والاعتماد على المحسوبيات والزبائنية!

استعادة الثقة يا دولة الرئيس تكون بالعمل لمصلحة الناس بالتوازي مع الابتعاد عن الشعبوية. لا يمكننا الاستمرار بنفس الأداء السابق على صعيد الإدارة والقطاع العام، وعلى صعيد تغييب المؤسسات الرقابية. لا يمكننا الاستمرار بتجاهل قطع الحساب. ولا يمكننا الاستمرار بإخفاء حقيقة الأرقام.

نحن نرفض بأن نكون شهود زور على موازنة “تفقير” لا “تطوير”. صلّحوا القطاع العام الذي خرب الاقتصاد، احترموا الدستور، وفعّلوا أجهزة الرقابة.. عندها فقط بإمكاننا الكلام عن “إصلاح” حقيقي وعن موازنة دولة.

يعطيكم ألف عافية، وعاش لبنان.

January 28, 2026 11:23 AM