IMLebanon

موازنة بعيون صندوق النقد: انضباط بلا تعافٍ

كتب الدكتور رياض اسعد هلال في “نداء الوطن”:

بعد مسرحية نقاش مشروع الموازنة، وخلال دفاعه عن الموازنة سأل وزير المالية ياسين جابر بغضب شديد على الملأ: ماذا أقول لصندوق النقد الدولي؟ يستشف من ذلك، ان الموازنة التي أقرّها المجلس النيابي ليس مجرّد وثيقة مالية، بل تحوّلت إلى رسالة تفاوضية موجّهة إلى صندوق النقد الدولي. غير أن قراءة متأنّية للأرقام، ولمضمون ما يطالب به الصندوق في تقاريره، تكشف فجوة عميقة بين ما يُنفَّذ وما يُفترض أن يُنجَز. فالصندوق، بحسب توصيفاته المتكرّرة لوضع لبنان، لا يرى في الانضباط المالي هدفًا بحدّ ذاته، بل شرطًا ضمن حزمة أوسع عنوانها الاستدامة والتعافي. ومع ذلك، اختزلت السلطة هذا المسار بتجميد الإنفاق وشفط السيولة.

وفق موازنة 2026، الفائض التقديري يعادل 353.8 مليون دولار. وبين عامي 2023 و2025 حققت الموازنة العامّة فوائض مالية متراكمة بقيمة 2.087 مليار دولار، نصفها تقريباً تحقق في عام 2025. هذه الفوائض لم تُترجم تصحيحًا للأجور التي فقدت أكثر من 80% من قيمتها الحقيقية منذ 2019، ولا استثمارًا في الخدمات الأساسية، بل تراكم في حسابات الدولة وقطاعها العام لدى مصرف لبنان، حيث قاربت هذه الحسابات تسعة مليارات دولار، معظمها بالليرة. عمليًا، تحوّلت الموازنة إلى أداة امتصاص نقدي لا أداة سياسة اقتصادية.

تقارير صندوق النقد عن لبنان، منذ ما قبل الانهيار، كانت واضحة في التحذير من هذا النموذج. الصندوق اعتبر أن أي فائض يُبنى على كبح الإنفاق في اقتصاد منهار سيؤدي إلى تعميق الركود، وتآكل القاعدة الضريبية، وارتفاع المخاطر الاجتماعية. وفي مراجعاته الأخيرة، شدّد على أن حماية الإنفاق الاجتماعي وإعادة تحريك الطلب الداخلي عنصران لا ينفصلان عن الاستقرار المالي، لأن الانكماش الطويل يقوّض أي إصلاح مالي اسمي.

لكن ما يجري هو العكس تمامًا. الخوف من زيادة الكتلة النقدية بالليرة، ومن احتمال توجّهها إلى سوق الدولار، جعل سعر الصرف المعيار الوحيد للقرار. هكذا، لم تعد الموازنة تقود السياسة النقدية، بل باتت السياسة النقدية تُملِي على الموازنة ما يجوز وما يُحرَّم. هذا النهج يتناقض مع ما يشير إليه الصندوق مرارًا: أن تثبيت الاستقرار النقدي عبر تجفيف السيولة، من دون إصلاحات بنيوية ونمو، يُنتج استقرارًا هشًا وقابلًا للانفجار.

الصندوق، في توصيفه للفجوة المالية اللبنانية، قدّر الخسائر المتراكمة في الدولة ومصرف لبنان والقطاع المصرفي بما يتراوح بين 65 و75 مليار دولار، واعتبر أن أي برنامج تعافٍ جدي يفترض توزيعًا واضحًا وعادلًا لهذه الخسائر، وإعادة هيكلة شاملة للمصارف، لا الاكتفاء بفوائض أولية شكلية. ومع ذلك، تُدار الموازنة وكأن هذه الفجوة مؤجّلة أو قابلة للتجاوز عبر ضبط إنفاق سنوي محدود.

الأرقام الكلية تعزّز هذا التناقض. الإيرادات العامة لا تزال عند حدود 6 إلى 7% من الناتج المحلي، مقارنة بمتوسط عالمي يفوق 25%. الإنفاق الاستثماري لا يتجاوز 2% من الناتج، فيما تشير تجارب الدول الخارجة من أزمات عميقة، والتي يستشهد بها الصندوق نفسه، إلى ضرورة إنفاق استثماري عام يتراوح بين 5 و7% من الناتج لإعادة إطلاق النمو. رغم ذلك، يُقدَّم فائض أولي محدود كإنجاز تفاوضي، فيما يبقى الاقتصاد في حالة ركود، والطلب الداخلي مكبوحًا، والقطاع العام مشلولًا.

في أدبيات صندوق النقد، لا يُنظر إلى الموازنة كدفتر حسابات فقط، بل كأداة لإعادة توجيه الاقتصاد. أما في لبنان، فقد جرى استخدام الموازنة لإظهار “حسن سلوك” رقمي أمام الخارج، فيما تُرك الداخل يدفع ثمن هذا السلوك. الدولة تجبي ولا تنفق، تحصّل ولا تعيد، وتُبرّر ذلك باسم شروط تفاوضية لا تُطبَّق إلا انتقائيًا.

الخلاصة أن المشكلة ليست في صندوق النقد ولا في مطالبه المعلنة، بل في الطريقة التي تُستخدم بها هذه المطالب لتبرير سياسة انكماشية بلا أفق. الصندوق يريد برنامجًا متكاملًا يعالج الفجوة المالية، ويعيد هيكلة المصارف، ويؤمّن حدًّا أدنى من الحماية الاجتماعية. ما يُقدَّم له اليوم هو موازنة انتظار، وفائض مُجمَّد، واستقرار هش يُشترى على حساب الدولة والمجتمع. وفي بلد خبر كلفة تأجيل الأزمات، يعرف الجميع أن هذا المسار لا يُقنع صندوق النقد، ولا يُنقذ لبنان، بل يؤجّل الانفجار التالي