كتب أنطوان مراد في “نداء الوطن”:
جمعت لقاءات عدة هيئات سياسية وأهلية ومنتديات فكرية مع مراجع كنسية وروحية لبحث قضية التراجع الديموغرافي للمسيحيين في لبنان أسبابًا وتقييمًا وتبعات ومعالجات. ولم يفضِ أي لقاء منها إلى نتائج ملموسة وجدّية، على رغم النوايا الطيبة وتفهم الهواجس المتفاقمة، علمًا أن لا الكنيسة تعتبر أن في إمكانها حل هذه المعضلة وحدها، ولا الهيئات المعنية تريد تحميل الكنيسة حصرًا وزر هذه القضية الخطيرة والمصيرية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يعمد بعض رجال الدين إلى تجيير المسؤولية ورميها على عاتق الأحزاب والشخصيات المسيحية وعلى عاتق الدولة لا سيما من خلال المسؤولين المسيحيين فيها، بينما تعتبر الأحزاب والهيئات الزمنية أنه يمكن للكنيسة أن تكون صاحبة كلمة نافذة ورأس حربة في الحفاظ على الرعية والدفاع عن وجودها والعناية بمآلها في وطن كانت هذه الكنيسة وراء ولادته الحديثة وتركيبته الحالية. ولذلك لا يمكن للمرجعية الروحية للمسيحيين في مشرق يشهد نزفًا ديموغرافيًا هائلًا بلغ لبنان بشكل مقلق، أن تقف مكتوفة الأيدي، وإلّا فلن تبقى رعية لترعاها، بل سيتحوّل المسيحيون تدريجًا إلى جماعات يغلب عليها التقدم في العمر والتراجع في الفعل والإنتاجية، في ظل الهجرة الكبيرة للشباب بحثًا عن علم أو عن عمل.
على أن راعي أبرشية اغترابية بارزة يتقبل الملاحظات ويعتبر أن بعضها محق لأن الكنيسة لا تعير المسألة الاهتمام الكافي علمًا أنها أم الصبي، لكنه يعتبر في الوقت عينه أن على الجمهور المسيحي أن يتفهم بعض المخاوف والمحاذير نتيجة تجارب مرة سابقة وراهنة. ويقول إن الوجود المسيحي في لبنان بعامة والماروني بخاصة نما وازدهر على مر القرون حول الأديار والكنائس، وكان العديد من الأهالي شركاء في استثمار الأرض وفي جني غلالها، وذلك بسبب اقتناعهم بأن الكنيسة والرهبانيات تملك القدرة على اتخاذ القرارات وعلى توجيه المؤمنين وعلى فرض رأيها في مناسبات كثيرة أمام السلطات الزمنية.
ويلفت إلى أن الكنيسة كثيرًا ما تنازلت عن أملاك تعود لها لصالح الأهالي الذين لجأ بعضهم إلى بيعها أو التخلي عنها. ويعطي مثلًا من خلال ما حصل مع أسقف جهد لمساعدة أبناء أبرشيته المهجرين من شرق صيدا، فعمد إلى بناء مجمعات لإسكانهم وتشجيعهم على العودة، فعاد قسم لا بأس به، لكن بعضهم سرعان ما باع الشقق السكنية التي اشتراها بأسعار متهاودة إلى آخرين من غير المسيحيين، ما رتب إشكالات عدة ودفع الأسقف ومن خلفه إلى وضع شروط مرتبطة بشراء الشقق أبرزها ألّا تباع إلّا لأبناء الأبرشية حصرا.
ويلفت راعي الأبرشية الاغترابية إلى أمثلة أخرى يتحمل من خلالها المدنيون تبعات التخلي عن الأراضي في مناطق مسيحية أساسية ما يدفع المسيحيين من الأهالي فيها إلى الابتعاد أو البيع تجنبًا لحصول إشكالات فئوية ونزاعات بخلفية طائفية، وهذا ما حصل في منطقة حدت بيروت حيث اضطرت الكنيسة إلى التدخل وتشجيع بعض المتمولين المسيحيين لاستعادة أرض واسعة بثمن شبه مضاعف لقيمتها الأساسية، كما إن الكنيسة المارونية والرهبانية اللبنانية المارونية كان لهما الباع الطولى في استعادة أراض واسعة في كفرفالوس، علمًا أن أحد المطارنة في جبل لبنان لا يوفر فرصة لشراء الأراضي التي يعرضها أصحابها المسيحيون للبيع.
ويشير على خط آخر إلى أن هذه المبادرات لا تكفي البتة، بل ينبغي للكنيسة أن تؤسس ما يشبه حلقة ضيقة نسبيًا من الأساقفة وممثلي الرهبانيات ورجال أعمال وأهل رأي وقانون من المسيحيين في الوطن والاغتراب للانكباب على قراءة التراجع الديموغرافي المسيحي وبخاصة أسبابه وعرض ما يمكن من حلول قابلة للتنفيذ. وهو ما يؤمل أن يتحقق في وقت غير بعيد وبدفع فاتيكاني واضح، لا سيما وأن الكرسي الرسولي يستشعر أكثر فأكثر مخاطر النزف المسيحي، ويسعى إلى بلورة أكثر واقعية لنتائج السينودوس الخاص من أجل لبنان.
ولعل أبرز طرح للحفاظ على الوجود المسيحي في لبنان، هو ما عرضه رئيس حزب سيادي كبير على وفد إحدى الروابط المرتبطة بالكنيسة، وخلاصته ضرورة التخلي عن المقاربات التقليدية والفولكلوية أحيانًا والانكباب على تشكيل وكالة مسيحية تربط ما بين لبنان والاغتراب وتضم شخصيات بارزة من اختصاصات متنوعة مع ممثلين عن هيئات أهلية، وتعمل بإشراف الكنيسة وتحت رعايتها لبلورة رؤية شاملة لمعالجة ظاهرة التراجع الديموغرافي والهجرة الكثيفة للشباب، وترتكز الحلول على استثمار الأملاك الشاسعة التي تعود للكنيسة والتي يقدرها أحد الأساقفة بنحو 30 % من مساحة لبنان، عبر الاستحصال على قروض ميسرة بما يكفل إطلاق مشاريع استثمارية تجارية وصناعية وزراعية توفر عشرات آلاف فرص العمل، في موازاة مشاريع إسكانية وإنمائية لقاء أسعار تشجيعية متهاودة، ما يؤمن في الوقت عينه إيرادات للكنيسة يمكّنها تدريجًا من تسديد قيمة القروض مع الحفاظ على الأملاك كاملة، ومساعدة المسيحيين على الصمود والبقاء بتأمين سوق العمل وفرص الإقامة المريحة.
ولكن، وحتى الآن لم يلق هذا الطرح كما سواه من طروحات جدية الاهتمام الفعلي، في وقت تلتقي شخصيات فكرية واقتصادية وسياسية على التأكيد أن المظلة الأساسية لاستعادة النمو الديموغرافي الطبيعي لدى المسيحيين هو عودة لبنان وطنًا آمنًا وقابلًا للحياة والتطور، ولا يتعرض للخضات الدورية، وذلك من خلال اعتماد لامركزية موسعة تشمل محليًا الجوانب المالية والاقتصادية والأمنية وليس العسكرية تحت سقف الدولة المركزية، لأن ما دفع المسيحيين إلى الهجرة أو إلى الِإقلاع عن خيار العائلات الكبيرة هو ما لحق بهم من تهجير ومجازر وتهميش، وما تعرضوا له من ضغوط اقتصادية ومعيشية نتيجة الفساد والتمييز، لدرجة تبرز صرخة شبه إجماعية لديهم خلاصتها: لن نقبل بعد اليوم دولة يلتزم جانب من أبنائها واجباتهم تمامًا مقابل فئات أخرى لا تلتزم واجباتها فحسب، بل تمتص موارد الدولة أو تمنع عنها مداخيل مهمة معينة، فكم بالحري عندما يُطلب من المواطن الصالح أن يسدد مرارًا وتكرارًا ثمن عبث فئة سياسية معينة تستجلب الموت والخراب والكوارث، وتريد من الدولة وسائر اللبنانيين التعويض عليها من دون أي محاسبة أو مساءلة.