كتب نخلة عضيمي في “نداء الوطن”:
لم يعد الحديث عن توغل بريّ إسرائيلي في جنوب لبنان مجرّد تحليل عسكري عابر أو تسريب إعلاميّ. فالمعطيات الميدانية وحجم الحشد العسكري وخطاب التصعيد المتبادل، كلّها مؤشرات تنذر بأن المنطقة تقف على عتبة مرحلة مختلفة، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك وربّما خرائط النفوذ. وعلى هذا الأساس، صادقت حكومة بنيامين نتنياهو على خطة الجيش الإسرائيلي للتقدّم والسيطرة على مواقع إضافية في جنوب لبنان. كما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن وجود موافقة للسيطرة على مناطق إضافية في الداخل اللبناني بهدف حماية تجمّعات سكنيّة حدوديّة.
يعني كلّ ذلك أننا قد نكون في المرحلة المقبلة أمام توغل بريّ قدّمته ميليشيا «حزب اللّه» للإسرائيليين على طبق من فضة ويذكّرنا باجتياح عام 1982.
يقوم التصوّر المتداول إسرائيليًّا على إنشاء شريط أمنيّ بعمق يصل إلى حوالى عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، ما يذكّر بهاجس تجربة اجتياح عام 1982 خلال عملية «سلامة الجليل»، حين دخل الجيش الإسرائيلي إلى لبنان وصولًا إلى بيروت. يومها، بدأ التدخل تحت عنوان أمنيّ محدود، وانتهى بحرب طويلة ومعادلات إقليمية جديدة لم تطو آثارها بالكامل لفترة طويلة.
ليست المقارنة مع 1982 تفصيلًا تاريخيًا. آنذاك، استمرّ التوغل الأوّل نحو ثلاثة أشهر، وتوزع على محاور عدّة من الساحل إلى البقاع، قبل أن يتحوّل الوجود العسكري إلى احتلال طويل الأمد انتهى عام 2000. أمّا في حرب تموز 2006، فكان التوغل البريّ محدودًا نسبيًا، بعمق كيلومترات معدودة ولمدّة 27 يومًا، من دون أن ينجح في فرض واقع أمنيّ دائم.
اليوم، تختلف المعطيات من حيث طبيعة الصراع وأدواته، لكنها تتشابه من حيث هشاشة الداخل اللبناني. ويعيش الجنوب منذ أشهر تحت وطأة نزوح متدرّج، وإنذارات إخلاء، وضغط نفسي واقتصادي متصاعد. ويأتي الحديث عن «خطَّي القرى الأول والثاني» ليعكس انتقال المواجهة من اشتباك حدودي موضعي إلى احتمال إعادة صياغة المجال الجغرافي كمنطقة عازلة. من هنا، جاء الإنذار الإسرائيلي لأكثر من 50 بلدة في الجنوب بضرورة الإخلاء الفوري، ما ينذر بمحاولات إسرائيلية لتهيئة الأرضية اللازمة أمام أيّ خطة توغل في الأيام المقبلة. كلّ ذلك يترافق مع استنفار 100 ألف عسكري إسرائيلي وتحديدًا من عناصر الفرقة 91 الذين يتمركزون على الحدود مع غطاء ناري جوي وبحري قبالة السواحل الجنوبية للبنان.
سيناريوات التوغل المتوقعة
جغرافيًا ومن حيث التضاريس، يتسم القطاع الغربي بقربه من الساحل وانفتاحه النسبي، ويمنح القرب من الساحل انفتاحًا عملانيًا. فيما يشهد القطاع الأوسط كثافة سكانية وتداخلًا عمرانيًا بين القرى. أمّا القطاع الشرقي ففيه مناطق جبلية مرتفعة تمنح إشرافًا بصريًا واسعًا على مساحات ممتدّة باتجاه الداخل اللبناني والحدود السورية.
يرتكز التصوّر المتداول في الإعلام الإسرائيلي على ضرورة أن يشكّل الشريط الأمني داخل الأراضي اللبنانية منطقة عازلة تهدف إلى تقليص الاحتكاك المباشر وتأمين خط دفاعيّ متقدّم يحجب الرؤية المباشرة ويحدّ من إمكانات الاستهداف.
ويفترض، بحسب التصوّر نفسه، أن يكون الانتشار الإسرائيلي ضمن نطاق القرى والمرتفعات المشرفة في القطاعين الغربي والأوسط، بما يسمح بالاستفادة من الطبيعة الجغرافية للمنطقة لتشكيل حزام دفاعي يستمرّ العمل به إلى حين انتهاء المواجهة العسكرية.
أمّا في القطاع الشرقي، فيركز التصوّر الإسرائيلي وفق ما هو متوقع على الامتداد الجبليّ من سفوح جبل الشيخ باتجاه راشيا وعين عطا وصولًا إلى منطقة المصنع، نظرًا لأهمية هذه المرتفعات الاستراتيجية في التحكّم بالممرّات الجبلية وخطوط الحركة بين الجنوب والبقاع والحدود اللبنانية – السورية.
ليست هذه الجغرافيا مجرّد تضاريس؛ إنما هي عناصر حاسمة في أيّ حساب عسكري.
من هنا، السؤال الجوهري لا يتعلّق فقط بمدى التوغل أو مدّته، بل بقدرة الدولة اللبنانية على احتواء تداعياته. فلبنان المنهك اقتصاديًا ومؤسّساتيًا لا يحتمل حرب استنزاف جديدة، ولا يملك ترف إدارة صراع مفتوح بلا أفق سياسي واضح. كذلك، فإن فرض أي شريط أمنيّ جديد لن يكون مجرّد إجراء عسكري، بل هو تحوّل سياسي يكرّس واقعًا ميدانيًا يصعب تفكيكه لاحقًا.
بين شبح 1982 وحدود 2006، يقف لبنان أمام احتمالين: إمّا مواجهة لأسابيع تنتهي باتفاق طويل الأمد بين لبنان وإسرائيل برعاية دولية قوامه حلّ ميليشيا «حزب اللّه» وتسلّم الجيش سلاحها، أو انزلاق تدريجي نحو معادلة مفتوحة تتجاوز الجنوب إلى عمق التوازنات الإقليمية. في الحالتين، يبقى الثابت أن الحروب في لبنان تبدأ عادة بذرائع أمنيّة، لكنها تنتهي بتغييرات سياسية أكبر من ساحات القتال نفسها.
والسؤال: أي سيناريو ينتظره لبنان؟ وهل ستتمكّن الدولة من تجنب سمّ توغل جديد استجلبه «حزب اللّه» الإيراني نعرف كيف يبدأ ولا نعرف متى وكيف سينتهي؟
في الحالتين، يبقى الثابت أن الحروب في لبنان تبدأ عادة بذرائع أمنية، لكنها تنتهي بتغييرات سياسية أكبر من ساحات القتال نفسها. فهل سيكون حدود التوغل اتفاق سلام؟