اعتبرت مجلة “ماريان” الفرنسية أن السيطرة على قلعة “الشقيف” التاريخية تشكل محطة فارقة ومؤشراً جديداً على التحولات المتسارعة في المشهد اللبناني، مشيرة إلى أن بلاد الأرز، العالقة اليوم بين تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية وتداعيات انخراط حزب الله في مواجهات تقول المجلة إنها مدفوعة بأجندة إقليمية، تجد نفسها أمام تحديات بالغة في ضبط مسار أحداثها الداخلية وتحديد معالم مستقبلها.
وفي قراءة تحليلية للمشهد الراهن، أكدت المجلة أن حزب الله يواجه صعوبات ميدانية جدية في هذه المواجهة وأن استمرارها ينطوي على مخاطر على الاستقرار اللبناني. فبالرغم من أن الحزب لطالما سوّق لنفسه كقوة إقليمية قادرة على ردع إسرائيل أو كسر هيبتها العسكرية، إلا أن الواقع الميداني للمواجهات الأخيرة أثار تساؤلات حول هذه السردية، حيث يرى المنتقدون أنه عجز عن تحقيق انتصار عسكري حاسم أو تغيير موازين القوى برغم إطلاقه آلاف الصواريخ واستعراض ترسانته الضخمة، في حين دفع لبنان أثماناً بشرية واقتصادية هائلة.
وترى “ماريان” أن حجم الدمار المادي والبشري يمثل مؤشراً على التحديات التي تواجه استراتيجية الحزب، إذ تسببت هذه الحرب في كارثة إنسانية واجتماعية تمثلت في مقتل وإصابة الآلاف من اللبنانيين، ونزوح مئات الآلاف من قراهم، وتحول بلدات كاملة في الجنوب إلى ركام، يرافقها نزيف اقتصادي حاد نتيجة تدمير البنية التحتية والمزارع والمؤسسات التجارية، مما كبّد البلاد خسائر بمليارات الدولارات أضيفت فوق كاهل اقتصاد يعيش بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات المالية في التاريخ الحديث.
وقد أشارت المجلة إلى ما وصفته بتفوق إسرائيلي في مجالات سلاح الجو والجهد الاستخباراتي والتقدم التكنولوجي واللوجستي، ورغم إقرارها بقدرة حزب الله على إحداث حالة من الإرباك، إلا أنها رأت أنه لم يتمكن من شلّ القدرات العسكرية الإسرائيلية أو تحقيق سيطرة مستدامة على الأرض، وهو ما يجعل من هذا المسار، وفق تقدير المجلة، طريقاً مكلفاً دون أفق واضح.
وينتقل تقرير المجلة الفرنسية إلى العمق السياسي اللبناني، موضحةً أن احتفاظ حزب الله بسلاح مستقل وجيش موازٍ خارج إطار الدولة يُثير إشكاليات جوهرية تتعلق بسيادة لبنان، فانفراد الحزب بقرار السلم والحرب بعيداً عن المؤسسات الدستورية والشرعية المنتخبة، يضع ملايين اللبنانيين الرافضين لهذه المسار أمام عواقب فُرضت عليهم، ويُدخل البلاد في صراعات إقليمية تتخطى مصالحها الوطنية المباشرة.
وتؤكد المجلة في ختام تحليلها أن الارتباط الوثيق بين حزب الله وطهران يُحوّل لبنان إلى ساحة للتجاذبات الإقليمية، وقد أدى هذا الانخراط في المحور الإقليمي إلى التأثير سلباً على ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين وحرمان البلاد من فرص النمو والتعافي الاقتصادي. وتخلص المجلة إلى أن الكلفة الإجمالية لاستمرار هذا الصراع باتت عبئاً ثقيلاً على الدولة اللبنانية، مما يطرح، في رأيها، ضرورة التفكير الجدي في صيغة تعيد حصر قرار السلم والحرب بيد سلطة وطنية موحدة.