IMLebanon

السلاح المتفلت وهشاشة الاستقرار الأمني في طرابلس

كتب مايز عبيد في “نداء الوطن”:

رصاصتان لم يفصل بينهما سوى ساعات، لكن حصيلتهما كانت ثلاث ضحايا. من الميناء إلى الملولة، عاد السلاح المتفلّت ليكتب مشهدًا دمويًا جديدًا في طرابلس، بعدما قُتلت شابة سورية إثر إطلاق نار نفّذه شابان على متن دراجة نارية باتجاه مطعم “أبو سعيد”.

ولم تمضِ ساعات على تلك الحادثة حتى شهدت محلة الملولة عملية إطلاق نار جديدة، أسفرت عن مقتل الشابين (أ. ب.) و(ص. غ.)، لتُضاف الجريمة الثانية إلى سلسلة من الحوادث التي تعيد إلى الواجهة واقع الانفلات الأمني وخطورة انتشار السلاح خارج إطار القانون.

وبات مشهد السلاح المتفلّت في الشمال، ولا سيما في مدينة طرابلس، ملفًا صارخًا في وجه الدولة، بعدما تحوّل سقوط الضحايا إلى مشهد متكرر يطرح أسئلة متجددة حول جدية المعالجات الأمنية وقدرة الجهات المعنية على فرض القانون.

ولا بد من الإشارة إلى أن هذا الواقع الأمني المتفلّت لم يقتصر أثره على الجانب الأمني فحسب، بل انعكس مباشرة على الوضع الاقتصادي في المدينة، التي لم تشهد هذا العام الزخم المعتاد في موسم الأعياد ولا الحركة التجارية التي كان يعوّل عليها التجار وأصحاب المؤسسات، فضلًا عن انعكاسه السلبي على صورة طرابلس التي تحاول منذ سنوات استعادة موقعها الاقتصادي والسياحي.

وسط هذا المشهد، يستمر أهالي طرابلس في رفع الصوت والمطالبة بأن تقوم الدولة وأجهزتها الأمنية بواجبها في فرض الأمن وإعادة الروح إلى المدينة، معتبرين أن أي معالجة جدية لا يمكن أن تكتمل من دون وضع حدّ لظاهرة السلاح المتفلّت وجمع السلاح غير الشرعي المنتشر بين أيدي المدنيين. ويشير متابعون إلى تنامي ظاهرة تداول أسلحة فردية منخفضة الكلفة، من بينها ما يُعرف شعبيًا بالسلاح التركي، والذي بات حضوره ملحوظًا في بعض الأحياء وبين فئات من الشبان، ما يزيد من المخاوف من تفاقم الحوادث الفردية وتحولها إلى مواجهات دامية.

يشرح عضو المجلس البلدي ورئيس لجنة البيئة السابق في بلدية طرابلس، الدكتور جلال حلواني، في حديث لـ”نداء الوطن”، أن السلاح المتفلّت يشكّل أحد أخطر عوامل زعزعة الاستقرار في لبنان، كونه يعكس واقع عدم احتكار الدولة للقوة المسلحة، الأمر الذي ينعكس تراجعًا في ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية، ولا سيما الأمنية منها.

ويضيف حلواني أن أي توتر اجتماعي أو سياسي في ظل هذا الواقع يمكن أن يتحوّل سريعًا إلى احتمال مفتوح على التصعيد والانفجار الأمني، مشيرًا إلى أن هذه الظاهرة ليست محصورة بلبنان، بل موثّقة في تجارب دولية مماثلة في المنطقة وأميركا الجنوبية، حيث يؤدي انتشار السلاح خارج سلطة الدولة إلى هشاشة أمنية مزمنة.

ويشدّد على أن استمرار هذا الواقع يجعل الاستقرار العام عرضة للاهتزاز عند أي احتكاك اجتماعي أو سياسي، كما يؤدي إلى تقويض الاقتصاد. ويدعو حلواني الدولة اللبنانية إلى اتخاذ موقف حاسم من هذا الخطر، عبر تعزيز قدرات القوى الأمنية وتفعيل تطبيق القوانين، ووضع خطط واضحة لحصر السلاح بيد المؤسسات الأمنية الرسمية، وعدم منح تراخيص السلاح إلا ضمن أضيق الحدود ووفق ضوابط صارمة.

كما يلفت إلى ضرورة إشراك الوزارات المعنية، ولا سيما وزارة الشؤون الاجتماعية، في معالجة الأسباب الاجتماعية التي تدفع بعض الأفراد إلى حمل السلاح، كالفقر وغياب الدولة عن بعض الأحياء والشعور بانعدام الأمان والخوف من الآخر.

ويختم بالتأكيد على ضرورة التوافق السياسي والوطني على مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة من دون استثناء، بالتوازي مع إطلاق حملات توعية وتشديد الإجراءات القانونية للحد من ظاهرة إطلاق النار العشوائي في المناسبات المختلفة، لما لذلك من تداعيات خطيرة على الأمن المجتمعي والاستقرار العام.