IMLebanon

الثوابت السعودية في مواجهة مراهنات المحاور المأزومة

كتب زياد عيتاني في “اللواء”:

في اللحظات المفصلية والتحوّلات الكبرى التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وغالباً عندما تتهاوى مشاريع المحاور الإقليمية وتضيق الخيارات السياسية والميدانية أمام من راهنوا على عسكرة الداخل وعزله عن فضاءاته الطبيعية، تبرز إلى الواجهة حتماً محاولات إعلامية وسياسية بائسة لكيّ الوعي اللبناني. تعمد بعض الأقلام المأزومة، المسكونة بهواجس التبعية والارتهان المتنقل، إلى نسج سيناريوهات خيالية وإسقاط أزماتها البنيوية على علاقات لبنان العربية. وفي مقدمة هذه المحاولات، يبرز الاستهداف الممنهج للدور التاريخي للمملكة العربية السعودية، عبر قراءات مجتزأة وتقارير موجهة تحاول تشويه الحقائق وتبرير إخفاقات مشاريع فئوية ضيقة كبّدت لبنان واللبنانيين أثماناً باهظة.

إن القراءة المتأنية والموضوعية لمسار السياسة السعودية تجاه القضية اللبنانية تُسقط تلقائياً تلك السرديات الخشبية السطحية، وتُظهر بوضوح أن بوصلة الرياض لم تَحِد يوماً عن ثوابت أساسية جوهرها مصلحة لبنان العليا كدولة وشعب، وكركيزة أساسية للأمن القومي العربي. فالرياض لا تتعاطى مع لبنان بلغة الإملاءات أو كساحة لتصفية الحسابات، بل كشريك تاريخي يستحق الدعم لاستعادة عافيته وهويته وسلطته المركزية.

وإزاء حملات التضليل الممنهجة، تبرز أبعاد الدور السعودي الإيجابي والبنّاء من خلال المحاور الاستراتيجية التالية:

١. الحراك الدبلوماسي الصامت لكبح العدوان وحماية الكيان
على نقيض الشعارات الرنانة والمزايدات والمهرجانات الخطابية التي يتقنها البعض والتي لم تجلب للبلاد سوى الدمار، تميّز الأداء الدبلوماسي السعودي تاريخياً، وفي الأزمات الأخيرة على وجه الخصوص، بالعمل الدؤوب والفعّال بعيداً عن صخب المنابر والعدسات.

لقد خاضت القيادة السعودية حراكاً سياسياً رفيع المستوى خلف الكواليس، ووظّفت فيه ثقلها الاقتصادي والاستراتيجي وموقعها الريادي في المنظومة الدولية للضغط المباشر واليومي على الإدارة الأميركية وعواصم القرار الغربي. وكان الهدف الأساسي من هذا الضغط الصامت هو لجم آلة الحرب الإسرائيلية، ووقف العدوان على الأراضي اللبنانية، وحماية المدنيين والبنى التحتية من التدمير الممنهج.

إن هذا الجهد لم ينطلق من حسابات فئوية، بل من رؤية سعودية حاسمة تعتبر أن استباحة دماء اللبنانيين أمر مرفوض، وأن حماية السيادة اللبنانية تمرّ حتماً عبر التطبيق الصارم للقرارات الدولية وفي مقدمتها القرار 1701 تحت مظلة الدولة والجيش اللبناني. وهو ما يثبت بالدليل القاطع أن المملكة تدافع عن وحدة لبنان بلغة القانون الدولي والقدرة الفعلية على التأثير في مراكز القرار العالمي، وليس ببيانات الاستنكار العابرة أو المغامرات غير محسوبة العواقب.

٢. دعم سيادة الدولة المركزية وحصريّة السلاح
على النقيض من الاتهامات الساذجة التي تروّج لـ «وصايات متجددة» أو محاولات فرض أسماء ومعادلات قسرية في الاستحقاقات الدستورية، لطالما كانت المملكة العربية السعودية الصوت الأبرز والمستقر المطالب باستعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي الحر.

تتعامل الرياض مع لبنان من باب الشراكة الندية ومن خلال القنوات الرسمية حصراً؛ فهي لا تدعم ميليشيات، ولا تموّل تنظيمات خارجة عن القانون، ولا تتعاطى مع وكلاء محليين على حساب مؤسسات الدولة. إن الدعم السعودي يصبّ دائماً في خانة تعزيز قدرات الجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية، باعتبارها الركيزة الأساسية والوحيدة القادرة على حماية السلم الأهلي وفرض سلطة القانون على كامل التراب الوطني. وفي الرؤية السعودية، فإن إضعاف السلطة المركزية ومؤسساتها هو الذي يفتح الباب على مصراعيه أمام التدخلات الخارجية والفوضى الهدامة، وهي قناعة راسخة تهدف إلى تمكين اللبنانيين من حكم أنفسهم بأنفسهم دون إملاءات من أي طرف.

٣. اتفاق الطائف: المظلة الدستورية الحامية للعيش المشترك
لم تكن المملكة العربية السعودية يوماً طرفاً في النزاعات الأهلية اللبنانية، ولم تغذِّ الصراعات الفئوية، بل كانت دائماً المظلة العربية والإنقاذية التي أوقفت نزيف الدم اللبناني في لحظة تاريخية حرجة عبر رعايتها لـ «اتفاق الطائف» عام 1989.

هذا الاتفاق الدستوري، الذي كرّس معادلة المناصفة التامة والعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، لا يزال يمثل شبكة الأمان الوحيدة التي تحمي الكيان اللبناني من التفتيت والزوال. إن حرص المملكة الدائم والمستمر على التمسك بـ «الطائف» وتطبيقه كاملاً ليس تدخلاً في الشؤون الداخلية، بل هو حرص على بقاء لبنان المتنوع والتعددي، في مواجهة مشاريع الهيمنة الأحادية والتهديدات بإنتاج أعراف دستورية جديدة بقوة السلاح أو عبر فرض سياسة الأمر الواقع التي تهدّد أسس الميثاق الوطني.

٤. الشراكة الاقتصادية
والدعم غير المشروط للشعب
تحاول بعض الأصوات، بسطحية متعمدة وغايات سياسية مكشوفة، تسخيف وتشويه القرارات السعودية الأخيرة الداعمة للاقتصاد اللبناني، وتحديداً الخطوة المرتبطة بإعادة فتح الأسواق الخليجية أمام المنتجات الزراعية والصناعية اللبنانية. يحاول هؤلاء تصوير المسألة وكأنها أداة للابتزاز السياسي أو منّة عابرة، متناسين حجم المعاناة الخانقة التي يعيشها المواطن والمزارع اللبناني.

إن عودة الصادرات اللبنانية إلى الأسواق السعودية والخليجية تمثل في الواقع شريان حياة لآلاف العائلات والقطاعات الإنتاجية اللبنانية التي عانت الأمرين جراء سياسات العزل والمقاطعة والتهريب الممنهج التي جُرّ إليها لبنان بفعل مغامرات الداخل المرتهن للخارج. إن السياسة الاقتصادية والإنسانية للمملكة لم تميّز يوماً بين منطقة لبنانية وأخرى، ولم توظّف المساعدات الإغاثية أو الإنمائية يوماً لخدمة مأرب سياسي، بل كانت دائماً تعبيراً عن التزام أخوي صادق تجاه شعب شقيق يرفض السقوط والانهيار التام.

٥. الدبلوماسية الهادئة
في مواجهة عقيدة الترهيب
يسعى البعض، نتيجة فقر الحجة وانفصالهم عن الواقع، إلى إسقاط تجارب الوصايات المخابراتية السابقة التي حكمت لبنان بالحديد والنار والترهيب على الأداء الدبلوماسي السعودي الحالي. غير أن المقارنة هنا تبدو مستحيلة وساقطة حكماً؛ فالدبلوماسية السعودية تعمل بوضوح وتحت الشمس، وتطرح رؤيتها لإنقاذ لبنان من الباب الواسع للشرعية الدولية والعربية.

المملكة لا تفرض أسماء لرئاسة الجمهورية أو الحكومة، بل تحدد بدقة المواصفات التي يحتاجها لبنان للخروج من نفق الأزمة: مسؤولون وطنيون يضعون مصلحة بلدهم أولاً، قادرون على محاربة الفساد، ومستعدون لإعادة بناء مؤسسات الدولة والالتزام بالتعهدات الدولية والعربية. هذا الموقف المسؤول يترك للبنانيين كامل الحرية والسيادة في اختيار قادتهم، مع تحميلهم مسؤولية خياراتهم أمام شعبهم والمجتمع الدولي.

إن من إعتاد العيش في ظلال المحاور المأزومة واستمرأت استيراد الأزمات والحروب العبثية إلى الداخل اللبناني، سستعصي عليها دائماً القدرة على استيعاب مفهوم «العلاقات الأخوية والندية» بين الدول الشقيقة. المملكة العربية السعودية لا تبحث عن نفوذ فئوي أو ميليشياوي في لبنان، ولا تريد تحويله إلى صندوق بريد، بل تنتظر بشوق عودة لبنان إلى طبيعته الحقيقية: دولة عربية سيدة، مستقلة، مزدهرة، وحاضنة لجميع أبنائها دون إقصاء أو تهميش. ومهما بلغت حملات التشويه والافتراء، سيبقى الفارق شاسعاً وجلياً بين من يبني المؤسسات ويفتح أسواقه لدعم الاقتصاد ويوظّف ثقله الدولي لوقف الحروب وحماية الكيان، وبين من لا يرى في هذا الوطن سوى مسرح مفتوح للمغامرات الفاشلة والرهانات الإقليمية الخاسرة.