كتب رامي نعيم في “نداء الوطن”:
لم يهضم «حزب الله» وحلفاؤه المحليون والإقليميون اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل. فـ»الحزب» كان قد تنفّس الصعداء مع توقيع اتفاق سويسرا بين أميركا وإيران، وبدأ يشعر بأن بقاءه على قيد الحياة ممكن مع الدعم الإيراني والضغط الأميركي وضعف الموقف اللبناني في مواجهة اتفاق بين أقوى دولة في العالم وإحدى أقوى الدول في المنطقة. لكنّ رئيس الجمهورية جوزاف عون كان له رأي آخر.
عون، الواثق بقدرة لبنان على تحييد مساره عن إيران، كان، ومنذ اللحظة الأولى لتوقيع اتفاق سويسرا، واضحًا بأن مسار لبنان منفصل، ولا أحد يفاوض باسم لبنان. وأعلن منذ اللحظة الأولى أن جلسة المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل يجري التحضير لها بجدية، وهذا ما أظهرته نتائج تلك المفاوضات بانتزاع قرار تاريخي وقّعت فيه إسرائيل على انسحاب كامل من لبنان بقوة الدبلوماسية لا قوة السلاح. وعليه، جُنّ جنون «الحزب» الرافض أصلا لانسحاب إسرائيل إلا تحت شعارات انتصار القضية الإيرانية.
«الحزب» أثبت قبل الاتفاق وبعده أن لبنان تفصيل في مشروعه. فهو من جنى على القرى الجنوبية وتسبّب بدمارها، وهو من غرّر بالبيئة الشيعية وأغراها وهدّدها، وهو من ظنّ أنه أقوى من الدولة وأنه قوة عسكرية شرق أوسطية. «حزب الله»، المنتقد الاتفاق بين لبنان وإسرائيل، كان قد وقّع على اتفاق هدنة سمح فيه للإسرائيلي باحتلال النقاط الخمس وبحرية الحركة وبنزع سلاحه جنوب الليطاني.
حزب التقيّة هذا كان، وبصوت أمينه العام الأسبق حسن نصرالله، يهدّد اللبنانيين ويعقد صفقات سياسية في ظاهرها، لكنها طُبخت بعد اغتيالات وتعيينات وتركيب ملفات. وهو يدفع اليوم ثمن 40 عامًا من إجرامه في الداخل اللبناني، وإجرامه بحق الجغرافيا التي وظّفها في خدمة المشروع الديني الإيراني.
كيف يمكن لـ«حزب الله» أن يهدّد بالسلم الأهلي؟ ولماذا لم تتحرّك الجهات كافة، من أمنية وقضائية وسياسية، لوضع حد لهذا التهديد، وتوقيف أعضاء الحرس الثوري الإيراني مغتصبي اللوحات الزرقاء في مجلس النواب والمحصّنين بها؟ وإذا كان رئيس مجلس النواب نبيه بري لا يزال قادرًا على وضع فيتو ما على محاسبة «حزب الله»، إلا أنه بات هو في موضع المساءلة، خصوصًا أنه بات بعيدًا عن اتخاذ القرارات، وهو لم يعد يتابع التفاصيل. ومن يُمسك بزمام الأمور في حركة «أمل»، وفي التواصل باسم برّي مع الرؤساء في لبنان والموفدين الدوليين، هو النائب علي حسن خليل. وخليل ينسّق مع «حزب الله» في كل شيء، ويمنّي النفس بأن يخلف برّي في المجلس والحركة، ويرى أن إرضاء «الحزب» كليًا هو الطريق الوحيد لبلوغ الهدف.
لكن خليل لا يعلم أن الزمن الأول تحوّل، وأن مستقبل الشيعة في لبنان لن يكون محصورًا بحزب سياسي واحد ولا بثنائية كاذبة. ولأن خليل لا يزال يُقنع برّي بأنه لا خلاص إلا من خلال إيران، فقد أتى موقف بري بعد اتصال رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف باهتًا ومنفصلا عن واقع لبنان الحالي.
وإذا كان بري لا يريد أن يصدّق أنه لم يعد اللاعب الأوحد اليوم في السياسة اللبنانية، وأن جوزاف عون ليس رئيس ظلّ، فهذه مشكلة إضافية تُضاف إلى مشكلاته الداخلية على مستوى البيئة الشيعية ومستوى «أمل». فبري القديم، وليس برّي اليوم، كان ليعلم أن ورقة «حزب الله» انتهت، وأن ما يفعله يعمّق جراح البيئة، وأن لا خوف من حرب أهلية في لبنان بين لبنانيين من جميع الطوائف في مواجهة عشرات الآلاف من طائفة واحدة، وأن الجيش اللبناني والقوى الأمنية في المرصاد، وأن كل من يحاول ضرب السلم الأهلي سيُحاسَب، حتى لو كان رئيس حزب.
أما برّي اليوم، فهو مكسور سياسيًا ومحاط بفريق يتنافس على وراثته، ويقابله في السياسة رئيس حكومة مدعوم عربيًا ودوليًا ومحصّن بثقة اللبنانيين، ورئيس جمهورية يدعمه المسيحيون السياسيون بكل قدراتهم، ويحظى برضى دولي وبصداقة رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب. كل هذا، ويأتي من يصوّب على اتفاق أنهى خطرين محدقين بالوجود اللبناني: أولهما سلاح «حزب الله» ومشروعه، وثانيهما الاحتلال الإسرائيلي. وسيأتي اليوم الذي نحتفل فيه مع شيعة لبنان الحقيقيين، وفي ضاحية بيروت الجنوبية، بنهاية مشروع «حزب الله» وعودة الحياة إلى لبنان.