كتب منير الربيع في “المدن”:
بعيد التوقيع على الاتفاق اللبناني الإسرائيلي، صعدت إسرائيل من اعتداءاتها على في جنوب سوريا، وتحديداً في محافظة درعا ولا سيما في حوض اليرموك. عمليات توغل، وتوسيع للاحتلال. يشير ذلك بوضوح إلى أن مشروع إسرائيل في جنوب لبنان هو نفسه في جنوب سوريا وفي قطاع غزة، وذلك يتثبت من خلال تصريحات المسؤولين الإسرائيليين. الخطر الإسرائيلي مشترك على البلدين، وهو ما يعرفه جيداً مختلف المسؤولين فيهما. فدمشق، لم تصدر موقفاً مرحباً بالاتفاق، وهي التي كانت تأمل التنسيق مع لبنان في مسار التفاوض، لديها خشية من استغلال إسرائيل للثغرات لأجل توسيع نفوذها لبنانياً، وتطويق سوريا أكثر. كما أن هناك خطراً مشتركاً يتصل بالجنوبين اللبناني والسوري ومحاولة إسرائيل ربط أراض لبنانية بأخرى سورية.
أزمة مسارات
في ظل تكاثر المواقف الاعتراضية على الاتفاق اللبناني الإسرائيلي، الذي لن يكون تمريره أو تطبيقه سهلاً، يجد لبنان الذي يسعى إلى فصل مساره عن أي مسار آخر، نفسه مطوقاً بمسارات عديدة، في ظل إصرار حزب الله على ربط المسار اللبناني بالمسار الإيراني، وتأييد رئيس مجلس النواب نبيه بري لذلك. في المقابل، هناك مسار آخر يرتبط بالرباعية التي جرى التفاهم على تشكيلها وتضم لبنان، قطر، باكستان والولايات المتحدة الأميركية، إضافة إلى إيران لمواكبة تطبيق مذكرة إسلام آباد التي تشمل الملف اللبناني أيضاً، ويفترض تشكيل لجنة تشبه لجنة “الميكانيزم” لمواكبة الآليات التطبيقية لبنود تلك المذكرة. كما أنه لا يمكن للبنان أن يفصل مساره عن مسار عربي لا يزال غير متبلور تماماً، أو فيه كثير من التنافس بين عدد من الدول.
رؤية إقليمية
المؤكد أنه لم يعد بالإمكان النظر إلى خطر المشروع الإسرائيلي من منظور ضيق، بل ضمن سياق إقليمي، خصوصاً أن إسرائيل تعمل على الاستفراد بكل دولة على حدة، ومنع حصول أي تكتل أو تحالف في وجهها. كما أن السعي الإسرائيلي لتغيير وجه المنطقة، يهدد دولاً عديدة لا لبنان وسوريا فقط. في توسيع لأفق النظرة، لابد من النظر إلى المنهجية المعتمدة سورياً في مقاربة التطورات، انطلاقاً من تحسين العلاقات مع غالبية الدول العربية كما مع تركيا والولايات المتحدة الأميركية، وتوفير مظلة حمائية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية والطموحات التوسعية لدى بنيامين نتنياهو. كل هذه العناوين إضافة إلى تطوير وتحسين العلاقات ستكون حاضرة في زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت يوم الخميس المقبل حيث سيلتقي الرؤساء الثلاثة ورؤساء الطوائف ووليد جنبلاط وسمير جعجع ونائب رئيس الحكومة طارق متري ووزير الخارجية يوسف رجي.
العراق أيضاً
تبدو الزيارة السورية للبنان، كأنها تحمل مبادرة هدفها تحصين الوضع الداخلي، تطوير مسار العلاقات اللبنانية السورية، وطرح فكرة مشروع تكامل عربي أو إقليمي، لمنع إسرائيل من الاستفراد به، ولمنع استخدام أي تقدم تحققه فيه للنيل من الدول الأخرى. مثل هذه المبادرة ستكون مرتبطة بمسار تطوير العلاقات بين البلدين، والبحث في تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري انطلاقاً من الرؤية التي تطرحها سوريا للعب دور على مستوى المنطقة. والأهم أن دمشق استبقت زيارة وفدها إلى بيروت باستقبال وزير خارجية العراق، والبحث في كيفية تعزيز العلاقات بين البلدين ولا سيما في مجالات الاقتصاد والنفط وإعادة ربط خطوط الأنابيب. مسار تطوير العلاقات السورية العراقية يحمل الكثير من المؤشرات، بعد سنوات وعقود من العلاقات المتذبذبة التي شهدت في غالبيتها صراعات وصدامات، والأمر نفسه ينطبق أيضاً على لبنان في مؤشر واضح إلى الانتقال بمسار العلاقات إلى مرحلة جديدة من الندية والإيجابية والبحث عن المشاريع المشتركة.
الزيارة في 10 نقاط
ويمكن لتطور مسار العلاقات العراقية السورية أن يعطي مؤشراً إيجابياً ومريحاً للبنان، وللطائفة الشيعية فيه خصوصاً، وهو ما لا ينفصل عن الرسالة الواضحة والمباشرة التي وجهها الرئيس السوري أحمد الشرع لكل اللبنانيين ولأبناء الطائفة الشيعية. وهو ما سيتوج خلال الزيارة التي سيجريها الشيباني إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، وهو اللقاء الأول من نوعه بين السلطة السورية الجديدة، وبري. وهنا تحمل زيارة الشيباني نقاط كثيرة أبرزها:
أولاً، طمأنة المسؤولين اللبنانيين بأنه لا وجود لأي نية سورية للتدخل عسكرياً في لبنان.
ثانياً، تأكيد دمشق حرصها على تطوير العلاقات من دولة إلى دولة، وتقوية وتعزيز المؤسسات.
ثالثاً، البحث في المشاريع المشتركة التي يمكن للبلدين الاستفادة منها، لا سيما أن سوريا تقدم على تطور كبير في مجالات اقتصادية واستثمارية وفي مجالات النفط والغاز أو ممرات التجارة ولا بد للبنان الاستفادة من ذلك.
رابعاً، رسالة مباشرة ينقلها الشيباني عن الرئيس الشرع بأنه منذ الأيام الأولى مد اليد للبنان وأبدى الاستعداد للتعاون واحترام البلدين لسيادة بعضهما البعض وأنه يجب عدم خسارة فرصة الانتقال إلى مرحلة جديدة ومتطورة من العلاقات بينهما.
خامساً، البحث في تعزيز الإجراءات الأمنية والعسكرية على الحدود ومنع التهريب وضبطها بشكل كامل، بما لا يؤثر سلباً على أمن البلدين، وإزالة أي عنصر يشكل تهديداً لأمن البلدين.
سادساً، تأكيد أن سوريا غير معنية بأي صراع مذهبي أو طائفي وغير معنية بالانتقام ولا بفتح جروح الماضي.
سابعاً، تشديد دمشق على ضرورة تقوية الدولة اللبنانية ومؤسساتها وبناء علاقة قائمة على الاحترام، وبعيداً عن الحسابات الضيقة داخلياً أو خارجياً، وأن تكون العلاقات قائمة على مبدأ المصلحة المشتركة بين البلدين، من دون أي تدخلات خارجية.
ثامناً، البحث في الضمانات المشتركة بين البلدين؛ أي طمأنة دمشق بأن لا نوايا عسكرية لها في لبنان، ولن تشكل أي تهديد على سيادته وكيانه، مقابل الحصول على ضمانات بأن لا يتم التدخل بالشأن السوري الداخلي لا في عمليات التهريب ولا عبر الفلول أو غيرهم. إضافة إلى البحث في ملف الفلول الذين يقيمون على الأراضي اللبنانية.
تاسعاً، تأكيد سوريا حرصها على تطبيق اتفاق الطائف كاملاً في لبنان، واحترام مؤسسات الدولة اللبنانية، وحرصها على العلاقة مع كل المكونات. وأنه على الرغم من وجود مشكلة مع حزب الله، أو إشكاليات أو مخاوف، فهذه يجب حلّها عبر الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وليس من خلال الدخول في صراع.
عاشراً، طرح رؤية دمشق لخروج لبنان من أزماته التي تقوم على انضواء كل القوى السياسية داخل الدولة، وهذا بالتحديد ما يتعلق بحزب الله، على قاعدة النصح والاستفادة من الوقائع والفرص المتاحة، وهنا يمكن لتطور العلاقات العراقية السورية أن يشكل عنصراً مريحاً لهذا المسار، على قاعدة الاتجاه نحو تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية بما يعود بالفائدة على الدول الثلاث وعلى كل المكونات فيها. فالمنطق الذي تعمل وفقه دمشق هو تعزيز العلاقات بين الدول التي يفترض بها أن تشكل الحاضنة والجامعة لكل المكونات، وهو ما يجري في مسار العلاقات السورية العراقية، وتريد له أن يتحقق في مسار العلاقة السورية اللبنانية، لأن تعزيز العلاقات من دولة إلى دولة، وحماية المكونات داخل كل دولة سيكون كفيلاً بإضعاف التدخلات الخارجية سواء كانت من إيران أو من إسرائيل.