كتب ألان سركيس في “تداء الوطن”:
لم يعد لبنان يعيش مرحلة إدارة الأزمات، بل مرحلة منع الانفجار. المشهد تبدّل خلال الأسابيع الأخيرة. القرار الداخلي يتشدد، والغطاء العربي والدولي يتوسع، فيما يقف “حزب الله” أمام معادلة مختلفة فرضتها التطورات العسكرية والإقليمية، خصوصًا بعد اتفاق الإطار الذي وقعته الدولة اللبنانية في واشنطن.
بينما تتقدم الاتصالات السياسية، تتحرك الأجهزة الأمنية على قاعدة واحدة وهي حماية الاستقرار ومنع أي محاولة لتغيير الوقائع بالقوة.
وفي السياق تشير مصادر أمنية لـ”نداء الوطن” إلى أن الأجهزة رفعت مستوى التنسيق واتخذت إجراءات استباقية لمواكبة المرحلة المقبلة. الهدف ليس فتح مواجهة مع أحد، بل إقفال كل المنافذ أمام أي تحرك يمكن أن يهدد الأمن الداخلي قد يقوده “حزب الله”. وتؤكد هذه المصادر أن اعتماد الهدوء في الأداء لا يعكس ترددًا، بل قرارًا بضبط الساحة ومنع أي مشهد يعيد إلى الأذهان أحداث السابع من أيار أو أي محاولة لفرض توازنات جديدة خارج إطار الدولة.
وتستند المقاربة الأمنية إلى مظلة سياسية آخذة في الاتساع، عنوانها حماية المؤسسات ودعم رئيس الجمهورية جوزاف عون في إدارة هذه المرحلة الدقيقة. ولم يكن حجم الالتفاف السياسي حول الرئاسة متوافرًا في محطات سابقة، نتيجة اقتناع داخلي بأن أي اهتزاز أمني سيقضي على فرصة إعادة تثبيت الدولة واستعادة دورها.
وفي موازاة ذلك، تتحدث مصادر دبلوماسية عن رسائل متزامنة وصلت إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري من أكثر من عاصمة فاعلة، في مقدمها واشنطن والرياض والدوحة والقاهرة. وتقول المصادر إن مضمون هذه الرسائل كان مباشرًا، اي الحفاظ على الحكومة، منع أي اهتزاز في الوضع السياسي، وعدم إدخال لبنان في مواجهة داخلية تعطل المسار الذي بدأ يتشكل برعاية إقليمية ودولية. وهامش المناورة بات أضيق من أي وقت مضى، والأولوية أصبحت لتثبيت الاستقرار لا لتبديل المعادلات.
واللافت أن ميزان القوى الداخلي تبدل بصورة واضحة. فسيناريو الذهاب إلى مواجهة شبيهة بـ7 أيار كان احتمالا مطروحًا الآن أكثر من المرحلة السابقة، إلا أن التطورات العسكرية الأخيرة وما رافقها من استنزاف، حدّت من قدرة “حزب الله” على استخدام فائض القوة كما في السابق، ودفعت قيادته إلى اعتماد مقاربة أكثر حذرًا في التعامل مع الملفات الداخلية.
وفي البعد الإقليمي، تشير المصادر الدبلوماسية إلى أن طهران تفضل حاليًّا إبقاء الساحة اللبنانية تحت السيطرة، وأن الأولوية هي تجنب أي تصعيد واسع بانتظار ما ستفضي إليه المفاوضات مع واشنطن. ووفق هذه القراءة، فإن المطلوب من “الحزب” احتواء ردود الفعل السياسية وعدم الذهاب إلى خطوات قد تربك الحسابات الإيرانية في هذه المرحلة الحساسة مهما كان اتفاق واشنطن ثقيلا عليه.
لكن الهدوء لا يعني انتهاء مرحلة الخطر. فالمصادر نفسها تشدد على أن “حزب الله”، رغم ما تعرض له من خسائر ميدانية في الفترة الأخيرة، لا يزال يمتلك القدرة على رفع مستوى التوتر إذا تبدلت الظروف الإقليمية أو صدرت توجيهات مختلفة من طهران. لذلك، يبقى الاستقرار الحالي مرتبطًا بتوازن دقيق يتجاوز الحدود اللبنانية، ويتأثر مباشرة بمسار التفاوض الأميركي – الإيراني.
المرحلة إذًا ليست مرحلة تسوية، بل مرحلة انتظار. الدولة تشدد قبضتها الأمنية، والعواصم العربية والغربية ترسم خطوطًا حمراء أمام أي مغامرة داخلية، فيما يراقب الجميع اتجاه الرياح الآتية من الإقليم. وحتى تتضح صورة التفاهمات الكبرى، سيبقى لبنان أمام معادلة واحدة، مفادها أن الاستقرار قرار داخلي، لكن استمراره سيظل رهنًا بما تقرره العواصم التي تمسك بمفاتيح الصراع والتسوية في آن واحد.