IMLebanon

القطاع الخاص عنوان المقاومة الحقيقية

كتبت باتريسيا جلّاد في “نداء الوطن”:

من مؤسساتٍ صغيرة تكافح للاستمرار، إلى شركاتٍ كبرى تعيد تموضعها داخلياً وخارجياً، وتوسّع أعمالها نحو الدول الخليجية، برز القطاع الخاص اللبناني كقصة صمودٍ عنوانها الإرادة والتكيّف والابتكار في مواجهة الانهيار والشلل المؤسساتي. في قلب هذا المشهد، ومع موجات التضخم تارةً المستوردة وطوراً الداخلية، والأعباء الضريبية، تظهر بارقة أمل عنوانها عودة الصادرات اللبنانية إلى السعودية ورفع الحظر الإماراتي عن قدوم الإماراتيين إلى لبنان. ماذا ينتظر القطاع، وما هي التحديات التي يواجهها؟

لا يختلف اثنان على أن الاستقرار الأمني هو مفتاح دوران عجلة الاقتصاد في لبنان. من دونه لا اقتصاد ولا استثمار ولا إنتاج ولا تصدير… اليوم، وبعد “اتفاق المتابعة” بهدف التوصل إلى استقرار أمني مع إسرائيل، أطلت السوق السعودية لتتيح للصادرات اللبنانية العودة إليها. فالسوق السعودية، يقول رئيس الهيئات الاقتصادية الوزير السابق محمد شقير لـ”نداء الوطن”، “هي الأكبر للصادرات اللبنانية، وطوال فترة الحظر السعودي على الاستيراد من لبنان، والتي امتدت لخمس سنوات (أي منذ العام 2021)، كبرت تلك السوق، وفي الوقت نفسه تحسّنت الصناعة اللبنانية بشكل كبير”. أما اليوم، وبعد إطلاق أول شحنة صادرات إلى المملكة منذ أسبوع، يمكن القول إن عملية التصدير بدأت.

توازياً، تسعى غرفة التجارة في بيروت وجبل لبنان، التي يرأسها شقير، إلى وضع خطة قوامها المشاركة في كل المعارض الدولية التي تقام في السعودية. وكشف أن “مجرد المشاركة في جناح ورفع العلم اللبناني كافٍ لتعريف السعوديين على المنتجات اللبنانية والأصناف الجديدة المستحدثة”. وهذه الخطوة، برأي شقير، “في غاية الأهمية لأنها الأجدى لإعادة إدخال تلك المنتجات إلى الأسواق السعودية”، متوقعاً أن يصل التبادل التجاري بين لبنان والمملكة العربية السعودية، لناحية الاستيراد والتصدير، إلى 1.5 مليار دولار.

وكانت المصانع اللبنانية، بعد قرار الحظر السعودي، قد عمد عدد كبير منها إلى التوسّع نحو الخارج للتمكّن من تزويد السوق السعودية بالمنتجات اللبنانية. وفي هذا المجال، قال شقير إن “المصانع التي كانت تعتمد على السعودية في التصدير فتحت، بعد قرار وقف الاستيراد، مصانع لها في الدول المجاورة للسعودية مثل الأردن وعُمان، حتى إن عدداً كبيراً منها لجأ إلى التصنيع داخل السعودية”. أما عن عدد تلك المصانع، فهي تتجاوز الـ100 مصنع. مؤكداً أن “قيمة الصادرات اللبنانية إلى السعودية كانت تتراوح بين 450 و500 مليون دولار، وليس فقط 250 مليون دولار، علماً أن هذا الرقم لا يتضمن صادرات الأزياء الراقية (haute couture) والألماس والذهب”.

إلى ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن إعادة فتح السعودية أبوابها أمام المنتجات اللبنانية، بعد تركيب آلات السكانر الجديدة وتشديد إجراءات التفتيش، لا يقتصر أثره على زيادة حجم التصدير، بل يمتد معنوياً ليعيد ثقة سائر الدول بالاستيراد من لبنان. علماً أن التفاوت كبير بين الاستيراد والتصدير، إذ يتراوح الاستيراد بين 19 و20 مليار دولار، فيما يبلغ التصدير نحو 3.4 مليارات دولار، وهو ما يعكس عجزاً كبيراً.

آلية عودة الصادرات اللبنانية إلى السعودية لن تكون سريعة كما كانت سابقاً، بل ستتم تدريجياً. مع الاشارة الى أن تصدير المواد الغذائية والفواكه والخضار سيكون الأسرع، نظراً لعدم وجود بديل حقيقي لمن يرغب في استهلاك الإنتاج اللبناني.

أما عن قرار الإمارات برفع الحظر عن قدوم مواطنيها إلى لبنان مع اقتراب موسم الصيف، فقال شقير إنه “قرار جيد في توقيته، خصوصاً أن لبنان شهد العام الماضي قدوم عدد من السياح الإماراتيين توزعوا بين جبيل وبيروت، على أمل أن نراهم بأعداد أكبر هذا الصيف”.

جرعة ثقة للصناعة والزراعة

بدوره، اعتبر نائب رئيس أصحاب الصناعات الغذائية اللبنانية منير البساط، لـ “نداء الوطن”، أن إعادة فتح الأسواق السعودية “بمثابة جرعة ثقة ودعم معنوي للقطاعين الصناعي والزراعي، نظراً لحجم الصادرات الكبير سابقاً إلى هذه السوق، من دون إغفال نموها خلال فترة غياب المنتجات اللبنانية”. لكنه شدد على أن “استعادة الحصة السوقية لن تكون سهلة أو سريعة، بل تتطلب جهداً كبيراً من القطاع الخاص، مرفقاً بدعم وتسهيلات من الحكومة اللبنانية”.

مشاكل العبور البرّي

تكتسب إعادة فتح الاسواق السعودية أهمية إضافية لجهة التصدير البري إلى سائر دول الخليج، إذ سينشط مجدداً خط الشحن البري عبر السعودية. إلا أن هذا المسار يواجه تحديات، كما أوضح نائب رئيس جمعية الصناعيين زياد بكداش، لناحية شروط العبور، مثل ألا يتجاوز عمر الشاحنة عشرين عاماً، وأن يكون السائق لبنانياً أو سعودياً، إضافة إلى غياب آلية واضحة للحصول على التأشيرات.

يجري العمل، على حل هذه المشاكل من خلال السعي إلى استثناء لبنان مؤقتاً من بعض الشروط لمدة عامين، ريثما يتم تحديث الأسطول، خاصة أن نحو 90% من الشاحنات يتجاوز عمرها عشرين عاماً.

ويبقى الشحن البري الأقل كلفة مقارنة بالشحن البحري، لا سيما مع استمرار إقفال مضيق هرمز أمام معظم الشحنات. ويشير بكداش إلى أن “كلفة شحن الحاوية بحراً ارتفعت من 2500 دولار إلى 6500 دولار، ما دفع المصدرين إلى وقف التصدير إلى الكويت وقطر”.

تشكّل هذه التحديات جزءاً من أزمة أوسع يعاني منها القطاع الخاص منذ العام 2019، في ظل الأزمات المتلاحقة والتوترات الأمنية، وتراجع القدرة الشرائية، وعدم الاستقرار السياسي

الصمود… مفهومسبي

يؤكد البساط أن “الصمود مفهوم نسبي، يتراوح بين الحفاظ على الحد الأدنى من الإنتاج والعمالة مع تراجع كبير في الإيرادات، وصولاً إلى العمل بدوام جزئي وتقليص عدد الموظفين”. وقد طالت هذه الإجراءات معظم المؤسسات الصناعية، خصوصاً تلك التي تضررت بفعل الاعتداءات العسكرية.

كما أن الرسوم التي فرضتها الحكومة، مثل الرسوم الإضافية على البنزين والسلع المستوردة (بين 1 و3%)، شكّلت عبئاً إضافياً، وُصف بـ”الكارثي” من حيث التوقيت، نظراً لانعكاساته على تنافسية المنتجات. إلا أن تعليق القرار ساهم في الحد من تداعياته.

يبقى مستقبل صمود المؤسسات الخاصة، بحسب البساط، مرتبطاً بالاستقرار الأمني والسياسي، وبتوفر خطة حكومية واضحة لدعم القطاع، وتخفيف الأعباء الضريبية والتشغيلية، وإلا فإن المخاطر تتجه نحو مزيد من الانكماش وفقدان فرص العمل”. فالمقاومة الناجحة للبقاء رغم كل المعوّقات، تكون اقتصادية أيضاً بسواعد رجال الأعمال والصناعيين المؤمنين ببلدهم وبقدرة اقتصادهم على النهوض والإنطلاق من جديد.