IMLebanon

“الحزب” وخرائط النفوذ الإقليمي تحت النار

كتب طارق أبو زينب في “نداء الوطن”:

بين تهدئة هشة قابلة للانهيار في أي لحظة وتصعيد صامت يتقدّم بخطوات محسوبة، تتشكّل معادلات جديدة لا تقتصر على إعادة توزيع النفوذ، بل تمتد فعليًا إلى إعادة صياغة النظام الإقليمي في ظل صراع مفتوح على هوية الشرق الأوسط وتوازناته المقبلة.

في قلب هذا المشهد، تتصدر الساحات المرتبطة بإيران باعتبارها منظومة نفوذ مترابطة لا تعمل بمنطق الملفات المنفصلة، بل بمنطق الجبهة الواحدة. فمن لبنان إلى العراق وصولا إلى اليمن، تشكّلت عبر سنوات طويلة بنية سياسية ـ أمنية عابرة للحدود، نشأت في بيئات صراع متراكمة، ثم تحوّلت تدريجيًا إلى شبكة نفوذ تفرض إيقاعها على توازنات الإقليم. ولم يعد أي اهتزاز في إحدى هذه الساحات حدثًا محليًا معزولا، بل بات جزءًا من سلسلة ارتدادات إقليمية متصلة تتجاوز الحدود وتنعكس على مجمل المشهد السياسي والأمني.

وبحسب مصادر عراقية تحدثت إلى “نداء الوطن”، فإن طهران تتعامل مع هذه الساحات بوصفها منظومة استراتيجية واحدة، ما يجعل أي تغيير في إحداها مرشحًا للانعكاس على الساحات الأخرى بصورة تلقائية وسريعة. وتضيف المصادر أن أي نجاح محتمل للمفاوضات بين طهران وواشنطن لن يؤدي إلى تفكيك هذه البنية، بل إلى إعادة هندسة وظائفها وتوزيع أدوارها بما يحفظ مستوى النفوذ ويعيد ضبط أدوات التأثير بكفاءة أكبر ومرونة أعلى. وفي هذا السياق، يُقرأ إعلان جماعة الحوثيين تشكيل “قوات التعبئة العامة” باعتباره جزءًا من إعادة تنظيم الجاهزية داخل هذه المنظومة، لا خروجًا عنها.

لبنان في قلب الاشتباك المفتوح

ضمن هذه المعادلة، لم يعد لبنان مجرّد ساحة داخلية تتأثر بالتطورات الإقليمية، بل تحوّل إلى نقطة اشتباك مباشرة في قلب الصراع. فملف “حزب الله” وسلاحه تجاوز الإطار اللبناني الداخلي، ليصبح جزءًا من معادلة إقليمية تتصل بمسارات التفاوض وحدود إعادة رسم قواعد الاشتباك ومستقبل توازنات القوة في المنطقة.

وفي الوقت الذي يتمسك فيه “الحزب”، في مواقفه المعلنة، بخياراته الدفاعية ويعتبر سلاحه جزءًا من معادلة الردع القائمة، ترى أوساط سياسية أن المرحلة المقبلة مرشحة لضغوط متصاعدة تستهدف إعادة ضبط التوازنات الداخلية، ولا سيما إذا تبدّلت إيقاعات التفاهمات الإقليمية أو تغيّرت حسابات القوى الدولية المؤثرة. وهذا ما يضع لبنان على خط تماس مكشوف، تتقلّص فيه هوامش المناورة وتغيب الضمانات الواضحة بشكل متزايد.

وفي موازاة ذلك، تتحدث أوساط سياسية عن مؤشرات إعادة تموضع لدى بعض القوى الحليفة لإيران في أكثر من ساحة، وفي مقدمها لبنان، بالتوازي مع خطاب سياسي يرفع سقف المواجهة ويعيد تثبيت مفاهيم الردع والمقاومة ضمن بيئة إقليمية لم تستقر بعد، ولا تزال تخضع لتحولات متسارعة ومفتوحة.

اليمن والعراق… ساحات اختبار

في اليمن، يتحوّل البحر الأحمر ومضيق باب المندب إلى عقدة أمن دولي مباشرة، مع ما يحمله أي تصعيد من ارتدادات على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، بما ينقل الساحة من بعدها المحلي إلى قلب الحسابات الاستراتيجية الدولية بشكل واضح ومتسارع.

أما في العراق، فيبقى ملف الفصائل المسلحة مفتوحًا على توازن دقيق بين متطلبات الدولة في تعزيز السيادة الأمنية، وبين واقع سياسي وأمني تشكّل عبر سنوات من التداخل الإقليمي، ما يجعل المشهد قابلا لإعادة التشكيل تبعًا لاتجاهات التهدئة أو التصعيد أو إعادة التموضع.