IMLebanon

هل تُرسم خريطة جديدة للشرق الأوسط تحت النار؟

كتبت ناديا غصوب في “نداء الوطن”:

لا تبدو التحركات العسكرية الأميركية الأخيرة في الشرق الأوسط مجرد إجراءات احترازية، بل تعكس استعدادًا لمرحلة قد تكون مختلفة عن المواجهات السابقة مع إيران. فالتعزيزات العسكرية، ونشر المزيد من الطائرات والقوات، والتصريحات الصادرة عن مسؤولين أميركيين، توحي بأن واشنطن تريد إبقاء خيار القوة حاضرًا، فيما يبقى توقيت استخدامه مرتبطًا بالقرار السياسي للرئيس دونالد ترامب.

وتشير المعطيات إلى أن أي قرار باستئناف العمليات العسكرية لن يكون مجرد امتداد للضربات السابقة، بل قد يأخذ شكل حملة أوسع تهدف إلى تعزيز الردع الأميركي ومنع إيران من استثمار فترة الهدوء لإعادة بناء قدراتها العسكرية أو تطوير برنامجها النووي. وفي المقابل، تبقى هذه الاستعدادات جزءًا من سياسة ضغط تهدف إلى دفع طهران نحو تقديم تنازلات عبر المسار الدبلوماسي.

لكن أي مواجهة جديدة لن تقتصر على الساحة الإيرانية. فمشاركة إسرائيل في أي عمل عسكري واسع قد تدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، خصوصًا إذا اختارت طهران الرد عبر حلفائها، ما يفتح الباب أمام تصعيد متعدد الجبهات يمتد من الخليج إلى شرق المتوسط.

وفي هذا المشهد، يبرز لبنان كإحدى الساحات الأكثر حساسية. فالهدوء النسبي على الجبهة الجنوبية لا يلغي ارتباطها المباشر بمسار الصراع الإيراني – الإسرائيلي، وأي تبدل في قواعد الاشتباك قد ينعكس سريعًا على الداخل اللبناني، سواء أمنيًا أو سياسيًا.

وتكتسب زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن ولقاؤه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أهمية خاصة في هذا التوقيت، لأنها عكست حضور لبنان ضمن الحسابات الأميركية الخاصة بإعادة ترتيب المشهد الإقليمي. فاللقاء أكد استمرار دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها، ولا سيما الجيش، وشدد على أهمية تثبيت الاستقرار في الجنوب واستكمال تنفيذ الالتزامات الأمنية، بالتوازي مع تعزيز سلطة الدولة على كامل أراضيها.

وفي هذا السياق، يحمل طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب احتمال اضطلاع سوريا بدور في ملف سلاح “حزب الله” دلالات سياسية تتجاوز البعد الأمني المباشر. إذ توحي المقاربة الأميركية بأن معالجة هذا الملف تندرج ضمن إطار إقليمي أوسع، يمكن أن تؤدي فيه دمشق دورًا يرتبط بضبط الحدود والحد من أي مسارات محتملة للدعم اللوجستي لـ”حزب الله”، بما ينسجم مع هدف حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.

غير أن حساسية العلاقة التاريخية بين لبنان وسوريا تجعل أي دور سوري مباشر داخل الأراضي اللبنانية احتمالا بالغ التعقيد، ما يرجح أن يقتصر أي انخراط، إن حصل، على مستويات التنسيق الأمني والسياسي غير المباشر، ضمن ترتيبات إقليمية أوسع، من دون أن يعني ذلك عودة أي نفوذ عسكري سوري داخل لبنان.

وفي المقابل، فإن امتناع الولايات المتحدة خلال الأسابيع الأخيرة عن توجيه ضربات جديدة لإيران لا يعني تراجعها عن الخيار العسكري، بل يعكس مرحلة انتظار تمنح المسار السياسي فرصة، مع بقاء الجهوزية العسكرية قائمة لأي تحول محتمل إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود.

ويبقى السؤال الأساسي: هل يمثل هذا الحشد العسكري مقدمة لحرب، أم أنه جزء من استراتيجية ضغط قصوى؟ التجارب السابقة تشير إلى أن واشنطن تستخدم القوة العسكرية غالبًا كأداة للردع والتفاوض في آن واحد، إلا أن خصوصية الشرق الأوسط تجعل أي خطأ في الحسابات قادرًا على تحويل سياسة الضغط إلى مواجهة يصعب احتواؤها.

وبالنسبة إلى لبنان، فإن المرحلة المقبلة ستكون دقيقة. فإذا نجحت الدبلوماسية في احتواء التصعيد، قد تتقدم مسارات تثبيت وقف إطلاق النار وتعزيز دور الدولة. أما إذا اتجهت المنطقة إلى مواجهة أميركية – إيرانية جديدة، فقد يجد لبنان نفسه مرة أخرى في قلب التداعيات، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك ملفاته مع الصراع الإقليمي.

وفي المحصلة، لا تتعلق التحركات الأميركية بإيران وحدها، بل تعكس محاولة لإعادة رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط. وبين الاستعداد العسكري والقرار السياسي، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح سياسة الردع في تجنب الحرب، أم أن المنطقة تقف على أعتاب جولة تصعيد جديدة؟