IMLebanon

قمة واشنطن: إعادة رسم خريطة السيادة اللبنانية

كتب زياد سامي عيتاني في اللواء:

اكتسبت زيارة الرئيس جوزاف عون إلى العاصمة الأميركية واشنطن ومحادثاته في البيت الأبيض أبعاداً جيوسياسية واستراتيجية استثنائية. فالزيارة جاءت تتويجاً لمسار معقّد بدأ بالإعلان عن «اتفاق الإطار» في السادس والعشرين من حزيران، في محاولة لإرساء محددات سيادية جديدة تتواكب مع التحوّلات المتسارعة؛ إذ شكّلت الدعوة الأميركية في أعقاب مواجهات إقليمية واسعة إشارة إلى رغبة واشنطن في فصل الملف اللبناني عن مسار الصراعات الإقليمية الأوسع.

الأبعاد الإقليمية والغطاء العربي

قبيل قمة البيت الأبيض بيوم واحد، أجرى عون اتصالاً بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أكد خلاله الأخير دعم الرياض لاستقلال لبنان واقتصاده. لم يكن توقيت الاتصال عفوياً؛ إذ سعى عون للدخول إلى لقاء ترامب حاملاً مقترحاً مكتوباً حول سلاح حزب الله والانسحاب الإسرائيلي، مدعوماً بموقف عربي وازن يستغل علاقة الرياض المباشرة بواشنطن لترجيح التفهّم الأميركي للملف اللبناني.

يحقق هذا الغطاء السعودي مكاسب للرئاسة اللبنانية على مستويين متكاملين:

خارجياً: يُعزز الموقع التفاوضي أمام الإدارة الأميركية كطرف مدعوم عربياً ووازناً.

داخلياً: يُظهر الانفتاح على واشنطن كجزء من توافق عربي أوسع، مما يقطع الطريق على الخصوم المحليين الذين عادة ما يصفون التقارب مع واشنطن بالارتهان.

كما يفتح الدعم الاقتصادي السعودي مساراً لتنويع مصادر الدعم المالي والسياسي، متقاطعاً مع رغبة الرياض في استعادة دورها المركزي في بيروت. ورغم أن الدعوة للبيت الأبيض كانت أميركية مباشرة، إلّا أن الدور السعودي كان مسانِداً وخلفياً في تهيئة المناخ السياسي وتسهيل التفهّم الأميركي لأولويات لبنان.

الدبلوماسية العسكرية الميدانية

بالتوازي مع التحضير للزيارة، وصل وفد عسكري أميركي إلى بيروت للتنسيق مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل حول الآليات التقنية لتنفيذ «المناطق التجريبية» جنوباً، وضمان تزامن الانسحاب الإسرائيلي مع انتشار الجيش لمنع الفراغ الأمني.

جاءت هذه الخطوة لتأمين تقدم ميداني يسبق القمة وهو ما تجسّد ببدء الانتشار في زوطر الغربية وزوطر الشرقية ولسد الفجوة بين استعجال ترامب للانسحاب وتحفظات إسرائيل الميدانية؛ إذ سعى عون لاستثمار زيارته لتحويل هذه الترتيبات التقنية إلى قرار سياسي مُلزم لتل أبيب.

كواليس المكتب البيضاوي والتطبيقات الميدانية

أبرزت التحليلات الصحفية طريقة تعاطي إدارة ترامب مع الملف اللبناني والشرق أوسطي من خلال ثلاث زوايا رئيسية:

1. الدبلوماسية المباشرة: ركّزت التغطيات على العبارات العفوية لترامب وإشادته بشخص الرئيس عون، مما عكس اعتماد الإدارة الأميركية على العلاقات الشخصية المباشرة مع القادة لإحراز الاختراقات الدبلوماسية.

2. البراغماتية غير التقليدية: أبدى ترامب مرونة سياسية بإعلانه قبول الحوار المباشر مع قيادة حزب الله في حال طلبت الدولة اللبنانية ذلك حلحلة للعقبات التنفيذية.

3. تسليم الخطة المكتوبة: سلّم عون وثيقة عمل تتضمن جدولاً زمنياً لتفكيك البنية العسكرية لحزب الله وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، مقابل التزام أميركي بالضغط على إسرائيل لإكمال انسحابها.

تزامنت هذه المحادثات مع اتفاقات على تمكين الجيش اللبناني عبر موافقة واشنطن المبدئية على تزويده بمنظومات تقنية ورادارات حدودية، بالتوازي مع تفعيل فرق رقابة دولية للتثبت الميداني من خلو المناطق المستلمة من أي مظاهر أمنية غير شرعية.

الملف السوري

إلى جانب الملفين الإسرائيلي وسلاح حزب الله، برز خلال المحادثات ملف ثالث تمثل في طلب ترامب من عون تعزيز العلاقة مع دمشق ورفع مستوى التنسيق معها، في سياق التحوّلات الكبرى التي شهدتها سوريا وتوجه واشنطن لإعادة تفعيل دورها الإقليمي بعد سقوط النظام السابق. هذا الطلب يضع لبنان أمام استحقاق إضافي يفرض على بيروت مرونة سياسية في التعامل مع الإدارة السورية الجديدة كمنظومة إقليمية مترابطة.

التفاعلات الداخلية

على الصعيد الداخلي، تسببت الزيارة بانقسام حادّ؛ إذ دافع عنها عون باعتبار أن استعادة السيادة تتطلب حصر القرار الأمني بالدولة وتجنّب الصراعات الإقليمية، بينما هاجمها «حزب الله» بشدّة معتبراً إياها «فاشلة وإذعاناً للوصاية الخارجية»، ومشدّداً على تمسّكه بسلاحه، رغم ملاحظة مراقبين غياب أي اعتراض عملي منه ورغبة إيران بتحريك الجبهة لإفراغ الزيارة من مضمونها. بالمقابل، حرص عون على نفي لقائه بنتنياهو لضبط سقف التطبيع محلياً. وفي مقابل هذا التصعيد، برزت مرونة وإيجابية لافتة من جانب رئيس مجلس النواب نبيه بري؛ إذ سجلت الساعات التي تلت القمة اتصالات إيجابية تم الاتفاق خلالها على متابعة الملفات مع احتمال زيارته لبعبدا قريباً، بالتوازي مع رسالة وجهها وليد جنبلاط لعون. وتُقرأ هذه التحركات كمحاولة لاستثمار الزخم السياسي الأخير لإعادة فتح قنوات التواصل وتلطيف الأجواء بين مكونات الحكم.

القراءة التحليلية والآفاق المستقبلية تتجه المرحلة المقبلة نحو مسارين محتملين:

المسار الأول (التفعيل التدريجي البطيء): استمرار توسيع المناطق النموذجية في الجنوب بالتوازي مع انتشار الجيش والضغط للتفاوض على السلاح، وهو المسار الأقرب للواقع حالياً.

المسار الثاني (الجمود المرهون بالتطورات الإقليمية): احتمال تعثّر الاتفاق في حال عودة التصعيد الإقليمي الأوسع، مما يجعل تطبيق اتفاق الإطار رهيناً ومحكوماً بمدى التزام كافة الأطراف.

خلاصة القول، نجحت قمة واشنطن في إعادة إدراج لبنان ضمن أولويات السياسة الخارجية الأميركية وتوفير غطاء سياسي وعربي لمؤسساته الرسمية، إلّا أن المحك الفعلي لنجاح هذه الزيارة يظل مرهوناً بتحويل الترتيبات الأمنية والوعود السياسية إلى انسحاب إسرائيلي كامل وبسط فعلي لسيادة الدولة على كامل أراضيها.