كتب غاصب المختار في اللواء:
لم يعد مجال للشك أن مسار المفاوضات بين لبنان وكيان الاحتلال الإسرائيلي برعاية أميركية، بحاجة الى دفع دولي وعربي لا أميركياً فقط، وهو ما عبّر عنه رئيس مجلس النواب نبيه بري دوماً بأن لبنان بحاجة الى ضمانات سعودية وإيرانية الى جانب الأميركية لتنفيذ «إتفاق الإطار»، الذي لم يحقق حتى الآن سوى انتشار الجيش اللبناني في زوطر الغربية غير المحتلة ووضع احتلال له ضوابط وخطوطاً حمراً بالنار يمنع تجاوزها، ما يعرقل ويؤخّر استكمال الانسحاب والانتشار، وهو ما أكده أمس بيان لقيادة الجيش اللبناني، عدد الخروقات الإسرائيلية وقال: استمرار هذه الاعتداءات يعيق استكمال انتشار الجيش وفق التفاهمات القائمة، ويحول دون عودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم وإرساء الاستقرار في الجنوب.
وعلى الرغم من فصل مسار مفاوضات لبنان – إسرائيل عن مسار مفاوضات إيران وأميركا لا سيما بعد تعثر تنفيذ مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، فإن تطورات الإقليم تركت أيضاً تأثيرها السلبي على المسار اللبناني لجهة استمرار كيان الاحتلال في التصلب والمماطلة والمراوغة بتنفيذ المطلوب منه، بحجة تجدّد الحرب الأميركية – الإيرانية وضرورة حماية الأمن الإسرائيلي، الممتد بنظر الكيان من الخليج العربي – الإيراني الى لبنان وسوريا مروراً بفلسطين المحتلة، وثمة أسباب اقتصادية أيضاً وراء التوترات المتنقلة عبر هذه البلدان تريد الإدارة الأميركية والكيان الإسرائيلي استغلالها لمصلحتيهما.
وعلى هذا ظهر أن التعثر الأميركي – الإيراني في التوصل الى وقف الحرب والى تفاهمات ولو بالحد الأدنى، يؤثر على وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان وعلى تنفيذ اتفاق الإطار بشكل كامل بما يؤدي الى انسحاب الاحتلال نهائياً، رغم ما حكي عن نتائج إيجابية على مستويات مختلفة من زيارة الرئيس جوزيف عون إلى واشنطن ولقائه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، ذلك أن الترابط الموضوعي قائم بين المسارين ولو أنكره البعض في لبنان وغير لبنان، وبخاصة مع وجود شريحة لبنانية ترفض بالشكل والمضمون التفاوض المباشر مع الاحتلال ونتائجه التي ظهر حتى الآن ان مكاسب الاحتلال منه أكبر بكثير من مكاسب لبنان، وسط إنتظار ممل وغير مجدٍ لما يمكن أن يقوم به الراعي الأميركي لإتفاق الإطار.
ولهذا يقوم لبنان بتوسيع مروحة تحركاته واتصالاته بكثير من الدول العربية والغربية في تلبية غير مباشرة لنظرية الرئيس بري بضرورة توفير غطاء وضمانات للبنان من العرب خصوصا السعودية وإيران والولايات المتحدة الأميركية. وثمة كلام كثير عن دور سعودي وقطري في تسهيل زيارة واشنطن والضغط على ترامب لتخفيف الاندفاعة الإسرائيلية العدوانية في لبنان، عدا الدور الذي تقوم به مصر وبعض الدول الأوروبية خصوصا فرنسا، لترييح أجواء لبنان أكثر بما يُتيح الانصراف الى معالجة الحرب الأكبر الدائرة في الخليج ووقف تداعياتها الكارثية على دول المنطقة وإيران وحتى على الاقتصاد والجيش الأميركي وأيضا على دول العالم.
ولعلّ ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الغذائية في لبنان ودول كثيرة حتى في أميركا نتيجة الحرب في الخليج، يؤكد الترابط بين مسارات التفاوض والحلول، وهو سبب رئيسي لحركة الدفع القائمة لإنهاء هذه الحرب، وقد أدرك ترامب أن نتائجها الكارثية ستزداد على أميركا وجميع الدول، فأوقف ضرباته الكبيرة المقررة على إيران وأعاد فتح المجال للمسار الدبلوماسي مجدّداً على أمل التوصل الى اتفاق ما مع إيران. وكل هذا يرتبط بمسار الوضع اللبناني سلباً أو إيجاباً. فما يُنجز هناك يُنجز هنا وما يتعثر هناك يتعثر هنا.
ولذلك لا يراهن الكثيرون ومنهم الرئيس برّي على توصل مفاوضات روما المرتقبة بعد أيام الى نتائج حاسمة وسريعة تخدم لبنان، طالما ان التوجهات الأميركية والإسرائيلية لا زالت كما هي في التعاطي مع لبنان، وما لم يتحقق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من أراضي الجنوب وينتشر الجيش اللبناني في جنوبي نهر الليطاني بسرعة كافية، لن يتحقق الطلب اللبناني بفصل المسارات عملياً، وستبقى مشكلة الاحتلال قائمة فترات طويلة بلا حلول بل تزيد كيان الاحتلال تشدّداً وعدوانيةً وتمسّكاً بالبقاء في الجنوب ضمن ما يسميه المنطقة الأمنية، مع فارق احتمال تقليص مساحة هذه المنطقة بشكل ضئيل نتيجة ممارسة الضغط الأميركي لتقديم شيء ما للبنان ولو رمزياً!