IMLebanon

لبنان: الأمن والخواء السياسي والشغور والمهرجانات

لا يوجد في بيروت اليوم خبر سياسي واحد. وفي مقابل الهواجس الأمنية يصبح الفراغ السياسي حدثاً في حد ذاته، فيما تكثر الملفات التي تغيب المعالجات الجدية عنها، وأولها أسلوب إدارة المسيحيين لحل مشكلة الشغور الرئاسي

لا تشبه بيروت أياً من المدن العربية المبنية على رمل. هذه العاصمة المعجونة بتاريخها العريق، والحرب ودم الشهداء والاغتيالات والعمليات الانتحارية، والمتآخية مع الاعتصامات والتظاهرات، تعيش على وقع الهواجس رغم حالة السلم المفروضة من فوق. في بيروت اليوم لا يوجد خبر سياسي، يتعدى سفر وزير الخارجية لحضور المونديال وخلاف وزير الداخلية مع زملائه في المستقبل، وممالقة وزير التربية للكتائب في ملف الجامعة اللبنانية لأسباب انتخابية متنية.

لا ينتج لبنان خبراً سياسياً بعدما اقتصرت الحركة على قلة من السياسيين لا يتعدون العشرة، وما خلا ذلك مآدب طبقة من السياسيين الجدد استبدلت أو انضمت إلى تلك التي يستحدثها زعماء الطوائف في المواسم النيابية والوزارية. فراغ وغياب أفكار جدية للنقاش بما يتعدى حوار الرئيس سعد الحريري والعماد ميشال عون وخلاف الأخير مع الدكتور سمير جعجع.

لكن في بيروت مشاكل لا تحصى. لا يكاد يخرج لبناني من العاصمة في اتجاه الأشرفية أو الدورة ويختنق في أزمة السير، إلا ويعتقد أن العاصمة تعيش اليوم أجمل سنوات حياتها. لكن حقيقة بيروت هي التي تعيشها بعد السابعة مساءً، حين تملأ السكينة شوارعها وتطفو الهواجس الأمنية لتحل محل أبواق السيارات وعجقة العائدين من أعمالهم وحركة المئات من العمال السوريين يتحركون جماعات جماعات.

لا أفكار جدية

للنقاش والمسيحيون «يحتفلون» بخلوّ الرئاسة!

ليس هدوء رمضان هو الذي يتيح للمدينة أن تعود إلى سكينتها قبل الإفطار وبعده. في الليل صمت مريب، حواجز أمنية كثيفة، وسيارات تفتش عن مكان لتنفجر فيه، وفيها أيضاً ساحات تنتظر من يملأها لتحتفل بالمونديال أو بالمهرجانات الغنائية. هناك من لا يعرف أن البلد مسكون، ليس بهواجس ولا بإشاعات كما في أيام الحرب، بل بمعلومات عن وجود عناصر إرهابية تتنقل بحثاً عن أفضل مكان لتركن فيه سيارة مفخخة، فيما يصف زعيم مسيحي هذا الكلام بأنه «همروجة إعلامية ليس أكثر ولخدمة الملف الرئاسي».

ثمة من يتجاهل أن سجن رومية على كف عفريت بسبب إهمال متعمد أحياناً من المسؤولين عنه مباشرة، وأن ما ينقل عن الصالونات الاجتماعية في السجن والسلاح المتسرب إلى موقوفين معروفين بالاسم مع أجهزة الاتصالات يكاد يصبح خبراً أقل من عادي، فيما تنشط حركة المسجونين في إدارة عمليات إرهابية.

في بيروت، من يعتبر أن قضية اللاجئين السوريين لا تستحق التوقف عندها، بعدما عارض وزراء ونواب مسيحيون إقامة مخيمات للاجئين منذ بداية الحرب السورية، فقط لأنهم كانوا يعتقدون حينها أن الرئيس السوري بشار الأسد سينتصر خلال أيام. رغم أن لبنان نُصح بأن يحذو حذو تركيا أو الأردن لحصر النازحين في مخيمات محددة ومقفلة، ولو فعل لما ارتفع عدد اللاجئين وانتشروا في كافة القرى والمدن.

في لبنان فراغ سياسي، لكن أيضاً هناك حلقات نقاش ثقافية وسياسية يسارية ويمينية، تفتش عن خصوصية البلد ومستقبله، لا علاقة لها بالنقاشات المتلفزة.

الهاجس الأول والأخير سلاح حزب الله ووجوده في سوريا. ولكن من قال إنه لا هواجس أمنية باتت مع مرور الوقت وتطور أوضاع سوريا وانفجار حالة داعش العراقية، لا تقل خطورة عن سلاح حزب الله، ولو أن الحماية الدولية تغطي سماء لبنان وأرضه وبحره، والأجهزة الأمنية مستنفرة.

هناك هواجس أمنية، لكن في المقابل لا يتعدى الاهتمام بالأمن لدى سياسيين تحسين ظروف سجين لأسباب طائفية. لم تسأل كثير من القيادات عن حقيقة السيارات المفخخة ووضع الشمال والبقاع الشمالي وعرسال وجرود تلك المنطقة المترامية، إلا حين تريد استخدام الحجة الأمنية لصالح تعبئة سياسية. يتحول الأمن عند اللحظات المفصلية مادة دسمة للابتزاز السياسي والانتخابي، كما يحصل أخيراً، حين يصبح النقاش داخل الاجتماعات الأمنية مختلفاً عمّا يعلن في البيانات الرسمية للأحزاب المتمثلة بقيادات أمنية. لا قيادات المستقبل في وارد التخلي عن دفاعها عن أهل السنة، ولو أخطأ بعضهم، ولا أهل السنة في وارد إخفاء انتعاشهم بما يحصل في العراق، على قاعدة أن حزب الله لن ينسحب من سوريا.

هناك سياسيون لا يسألون عن الأمن إلا حين يتعلق الأمر برخصة سلاح أو بتوقيف مرافق أو نقل دركي. لم يناقش النواب المسيحيون مثلاً ما يمكن أن تكون عليه تداعيات أي عملية في سجن رومية. ولم يعتقد أحد منهم أن تدابير الأمن العام والأمن الداخلي وقيادة الجيش تعنيهم، أو حتى أن وضع المخيمات الفلسطينية قد يحمل بذور تفجير، وأن إجراء الانتخابات النيابية مستحيل بفعل كل هذه الشواهد الأمنية.

ليس السؤال ماذا يفعل نواب المستقبل وحزب الله وحركة أمل والتقدمي الاشتراكي بالاستحقاق الرئاسي. لهؤلاء مرجعياتهم التي تدير وحدها دفة اللعبة. لكن أين المسيحيون من كل ما يجري، بعدما حلت المطاعم محل سيدة البير ونقاشات جامعة الكسليك وبيت المستقبل. لم يحفل خطاب مسيحي أخيراً إلا بالحديث عن الانتخابات الرئاسية، ولكن ماذا يفعل المسيحيون الخائفون من أن يطول الشغور سنة أو أكثر؟ أبعد من السؤال، هل ينسحب عون أم جعجع؟ يدرك المسيحيون أن مصير الرئاسة على المحك، ولكن لعلها من المرات النادرة التي تحتفل فيها مجموعة ما بشغور موقعها الرئاسي، بهذا الكم من المهرجانات الصيفية. لا توجد بلدة مارونية من إهدن حتى اهمج وجبيل والذوق وجونية إلا وتعيش الشغور على طريقتها: عشاء قروي واحتفالات ومهرجانات وألعاب نارية. أي طريقة أفضل من ذلك للتعبير عن الحزن على موسم الانتخابات البائد؟ وأي طريقة أفضل لإشغال القوى الأمنية المكلفة حماية المهرجانات في زمن السيارات المفخخة؟ فيما على مقربة كيلومترات قليلة، يمتنع حزب الله عن إقامة إفطارات علنية خوفاً من أي انفجار.

أين هو الضغط على القيادات المسيحية لانتخاب رئيس للجمهورية؟ وأين هي الحركة الديبلوماسية مع الدول الغربية والعربية لفرض الاستحقاق بأي ثمن؟

أفضل تعبير عن حال لبنان وتعامل المسيحيين مع الشغور والفوضى التي تعم مسيحيي الشرق والخوف من التمدد الأصولي في العراق، هو مشهد بطريرك أنطاكية الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي مرتدياً الجينز متنقلاً في الوادي المقدس في حضور آخر البطاركة الأتقياء مار نصرالله بطرس صفير. إنها بلا منازع أفضل صورة تعبر عن الهموم المسيحية الكبيرة في لحظات تنفجر فيها سوريا والعراق وفلسطين، وتكاد النيران الإقليمية تقترب منا. هناك قيادات سياسية مسيحية شنت معركة جوفاء على تواقيع الوزراء في جلسة مجلس الوزراء حفاظاً على توقيع رئيس الجمهورية، فإذا بوزرائها يوقعون المراسيم بالجملة. كيف يمكن المسيحيين أن يعقدوا مؤتمرات حول الأرض وهم يبيعونها بالجملة بسمسرات واضحة يغطيها سياسيون بعمولات كبيرة، وأن يتحدث مطارنة عن الأرض والهوية والفساد في زمن البابا فرنسيس، ويغطون مخالفات مالية جسيمة ولا يسألون من في بكركي من أين لك هذا؟

في لبنان مخاوف جدية تتعلق بمستقبل طلاب الجامعة اللبنانية والموسم الدراسي المقبل في وقت تدور فيه تسويات تحت الطاولة على حساب الهيئات النقابية، وتعقد صفقات بين قيادات مسيحية حزبية ترتسم عليها ألف علامة استفهام، حول تعيينات العمداء والمديرين وتثبيت عدد من الأساتذة ممن يتمتعون بالحد الأدنى من المقومات العلمية والأخلاقية. ولدى أكاديميين وحتى سياسيين شواهد مثبتة، بما يسيء إلى بقية الأساتذة المحقة مطالبهم.

الكلام عن بيروت يختصر صورة البلد، حيث تتقاطع مخاوف التفجيرات ومفرقعات المهرجانات الصيفية بالمسلسلات الرمضانية ومسلسل الرئاسيات الطويل، وسط الظلام الذي عاد يحل علينا من دون أن نعرف متى يبدأ التقنين الكهربائي ومتى ينتهي، وأين أصبحت وعود تكتل الإصلاح والتغيير بصيف مضيء، أو لماذا انكفأ إعلام المستقبل عن شن حملات على السدود المفترضة للمياه والتقنين الكهربائي، التي صم آذاننا بها طوال عامين وسكت عنها على إيقاع حوار الحريري وعون.

في بيروت اليوم حقائق أمنية. ما عدا ذلك، انهيار متماد في أوضاع البلد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.