IMLebanon

استعادة الاستقلال .. خطوة خطوة

 

ما زال لبنان يسعى إلى استعادة استقلاله خطوة خطوة. يحصل ذلك بعد احتلال سوري استمرّ ثلاثة عقود. تلت زوال الاحتلال المباشر محاولة ايرانية لملء الفراغ الأمني الذي خلّفه الانسحاب العسكري السوري. ترافقت الجهود الإيرانية المستمرّة إلى يومنا هذا لوضع اليد على لبنان، مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، بصفة كونه يرمز إلى المحاولة اليتيمة، أقلّه منذ العام ، لإعادة الحياة إلى الوطن الصغير وإلى سوريا والمنطقة المحيطة بهما.

لم يكن تشكيل الحكومة الحالية برئاسة استقلالي وتوافقي من الدرجة الأولى اسمه تمّام صائب سلام، سوى خطوة مهمّة في هذا الاتجاه.

إنّها حكومة «ربط نزاع» على حدّ تعبير الرئيس سعد الحريري الذي أدار بجدارة عملية تشكيل الحكومة التي أبصرت النور من أجل تأكّيد أمرين. الأمر الأوّل أن لبنان يقاوم. الدليل على ذلك أنّه قاوم حكومة «حزب الله» برئاسة نجيب ميقاتي وأسقطها في نهاية المطاف. ما زال لبنان يقاوم على الرغم من كلّ التضحيات التي يقدّمها أبناؤه في كلّ المجالات. بين التضحيات استشهاد اللواء وسام الحسن الذي يشكل خسارة يصعب تعويضها على المستوى الوطني وحتّى العربي.

الأمر الآخر، يتمثّل في أنّ لا عودة إلى خلف. لا عودة إلى خلف، على الرغم من كلّ الضغوط التي يمارسها «حزب الله» من أجل نشر البؤس وتكريس لبنان مستعمرة إيرانية من جهة وعزله عن محيطه العربي من جهة أخرى.

ليس سهلاً استعادة لبنان استقلاله ووضعه الطبيعي بصفة كونه بلداً متقدّماً من نواحٍ عدّة على جواره المباشر وغير المباشر. إنّها معركة صعبة بكلّ المقاييس في ضوء التعقيدات الإقليمية والرغبة المستمرّة في أن يكون لبنان «ساحة» أي أن يكون ملعباً للآخرين يبتزّون عبره العرب وغير العرب. تزداد صعوبة معركة استعادة الاستقلال التي يخوضها لبنان مع تورّط «حزب الله» في الحرب التي يشنّها النظام السوري على شعبه من منطلق طائفي ومذهبي بحت.

تبيّن أن لبنان بتركيبته التي عمرها عشرات السنوات أكثر صلابة من كلّ الذين كانوا يدّعون أنّه بلد «هشّ». تبيّن بكل بساطة أنّه كان يمكن أن يكون نموذجاً يحتذى به في المنطقة، خصوصاً في سوريا التي تباهى النظام فيها بأنّه قادر على البقاء عن طريق القمع الداخلي والهرب المستمرّ إلى خارج مع ممارسة سياسة تقوم على الابتزاز أوّلاً. كان ابتزاز العرب سياسة سورية، بل في صلب السياسة السورية منذ بدأ صعود نجم حافظ الأسد الذي ينسى كثيرون أنّه كان وزير الدفاع السوري في اثناء حرب الأيّام الستة في العام .

ما لا يمكن تجاهله أن النظام السوري عمل طوال عقود على ضرب وتدمير مؤسسات الدولة اللبنانية واحدة تلو الأخرى. كان وراء إغراق لبنان بالسلاح، لا فارق إلى من يذهب هذا السلاح. المهمّ بالنسبة إلية تدمير البنية التحتية اللبنانية والمؤسسات الحكومية وإيجاد شرخ بين كل الطوائف. استخدم الفلسطينيين في ذلك أفضل استخدام. كلّفهم كلّ المهمات القذرة التي لم يكن يريد القيام بها بشكل مباشر، بما في ذلك تهجير كلّ البلدات والقرى المسيحية الواقعة في مناطق معزولة قريبة من الحدود السورية أو تلك ذات الموقع المهمّ. من يتذكّر ما حلّ بالدامور وأهلها على يد «الصاعقة» وجيش التحرير الفلسطيني الذي كان يتلقّى أوامره من دمشق؟

صمد لبنان طويلاً في وجه الاحتلال السوري الذي أمعن في عملية تدمير النسيج الاجتماعي في البلد. لا يمكن القول إن لبنان خرج سليماً معافى من ثلاثة عقود من الوصاية السورية المباشرة التي تلتها الوصاية الإيرانية. لكنّ البلد ما زال يقاوم. لولا المقاومة اللبنانية، لكان الوطن الصغير اندثر منذ فترة طويلة.

ما تقوم به الحكومة الحالية جزء من المقاومة. كلّ التعيينات التي أمكن تمريرها جزء من المقاومة، كذلك الخطة الأمنية لطرابلس التي أعادت الحياة شبه الطبيعية لعاصمة الشمال. التخلّص من وثائق الاتصال جزء من المقاومة. كان التخلّص من تلك الوثائق بفضل مثابرة وزيري الداخلية والعدل، نهاد المشنوق وأشرف ريفي، منعطفاً مهمّاً. كان بمثابة إشارة إلى أنّ لا عودة إلى خلف، أي إلى عهد التوقيفات الاعتباطية والنظام الأمني الذي لا هدف له سوى إذلال كلّ لبناني يرفض الرضوخ للوصاية.

كانت الخطوات التي تحقّقت بفضل الحكومة إشارة إلى أنّ هناك مؤسسات لبنانية ما زالت تعمل من أجل لبنان ومن أجل خدمة المواطن اللبناني وليس هذه الطائفة أو تلك. إنّها تعمل بعيداً عن المذهبية والاعتباطية وكلّ ما يمتّ لهما بصلة من قريب أو بعيد. إنّها روح جديدة في لبنان يوجد من يسعى إلى ترسيخها عبر اقامة علاقة من نوع مختلف بين المواطن والأجهزة الأمنية.

مثل هذه الروح تساهم في تعزيز المقاومة الحقيقية لكلّ نوع من أنواع الوصاية التي يوجد للأسف من يعمل من أجل إحيائها.

هناك في لبنان من لا يزال يؤمن بلبنان ومؤسساته. هناك من يحافظ على إرث رفيق الحريري الذي استشهد من أجل لبنان ومن أجل أن تستمر المؤسسات، أو ما بقي منها. لذلك، يبدو التركيز حالياً على ترميم الموجود وتطوير ما يمكن البناء عليه بدل الاستسلام للوصاية الإيرانية التي يجسّدها «حزب الله» وأدواته.

في مرحلة، تعتبر من أخطر المراحل التي تمرّ بها المنطقة، لا يزال في لبنان من يعمل من أجل تجاوز الخطر وإبقاء البلد في منأى عن الكوارث التي تسبب بها «حزب الله» على كلّ الصعد، بما في ذلك منع مجلس النوّاب من انتخاب رئيس جديد للجمهورية يرفض الوصاية ويؤمن بالمناصفة بين المسيحيين والمسلمين بديلاً من المثالثة بين السنّة والشيعة والمسيحيين.

رحم الله رفيق الحريري الذي قال بعد الطائف إن «العدّ توقّف». رحم الله رفيق الحريري الذي كان مهووساً بلبنان والذي كان يؤمن بقدرة اللبنانيين على إعادة بناء مؤسسات الدولة بالمثابرة أوّلاً وبالصبر والنفس الطويل ثانياً وأخيراً… بعض ما نشهده من إيجابيات حالياً دليل على أنّ هناك من لا يزال يؤمن بلبنان وبالبناء انطلاقاً مما بقي من مؤسساته، أي من تلك التي لم يخرّبها «حزب الله» ومن يسير في ركابه… وذلك على طريق استعادة الاستقلال والتخلّص من الوصاية الجديدة خطوة خطوة.