IMLebanon

بلد البصارين والبراجين

وجدت الأقنية التلفزيونية المحلية مجالاً آخر للمنافسة الشرسة في ما بينها يتمثل بقراءة الطالع والتبصير والتبريج، ولقد تقرر، هكذا مرة واحدة، أن تستضيف كل قناة «منجمها» الخاص، إذ صار لكل منها منجّم يحسب لها وعليها، ولا بأس إن كان محسوباً على القناة المنافسة في وقت سابق.

وهكذا سنشهد في الأيام الآتية، بدءاً من يوم غد الأحد، حفلة من التراشق ليس بأبيات الزجل والقرادي والمعنى، بل بتوقعات ميشال حايك وليلى عبد اللطيف ومايك فغالي.

واللافت أن الأحداث كلها التي عشناها في الأشهر الأخيرة تزعم الأقنية الثلاث أن منجمها الأثير قد توقعها (ولا نستخدم لغتهم بقولهم: قد تنبأها). فهناك في الأقنية التلفزيونية تلك موظفون شغلتهم وعملتهم أن يبحثوا بالسراج والفتيلة عن كلمة وعبارة من هنا أو كلمة وعبارة من هناك تفوّه بها هذا «المتنبىء» أو سواه، ويمكن أن تنطبق أو تمت بصلة الى حدث بعينه أو الى بضعة أحداث جرت على الساحة الداخلية أو الخارجية.

ومن يتابع الإعلانات الترويجية التي تطلع بها علينا المحطات التلفزيونية يتساءل ما إذا كنّا في حضرة كبار عرّافي العالم، أو كأنّ كلاًّ من أولئك الفرسان الثلاثة يضع «نوستراداموس» في جيبه الصغرى!

فقناة الـMTV ستتحفنا غداً بما سيتكرم به ميشال حايك، بينما LBCI ستفاخر بمنجمتها المستجدة عندها (منذ خلاف القناة مع الحايك) ليلى عبد اللطيف التي يتبين لمن يتابع توقعاتها أنها فقدت تلك الميزة من التواضع التي كانت تبدو بها في مطلع «مهنتها» هذه. وأما محطة OTV فلها مايك فغالي الذي يدهشك بأنه يجيب على أسئلة المشاهدين مباشرة حتى قبل أن ينتهي السائل من طرح سؤاله؟!

ناهيك ببضع سيدات يقدّمن «مواهبهن» في إطار التبصير والتبريج من خلال الشاشات الأخرى (باستثناء قناة المنار) ولكنهن أقل شهرة من الفرسان الثلاثة الذين أوردنا أسماءهم أعلاه.

قد يقول قائل إن ما يقوم به هؤلاء يدخل في باب المنوّعات التي تروّح عن النفس وتوفر وقتاً من المرح… ولكن أبطالنا الثلاثة قلّما تتفتق مواهبهم عن خبر سار. فمن شديد الأسف أنهم لا يهبط عليهم الوحي إلاّ بالمآسي والفواجع والحرائق والمصائب والويلات على أنواعها!

فعلاً إنها مهزلة المهازل. ولكنها مهزلة مضحكة مبكية.

فالترويج لهذه «البرامج» يطرح الكثير من الأسئلة على الحال التي وصلنا إليها في هذا البلد، وبالذات من إستغلال حيرة اللبنانيين وقلقهم وفقدانهم الثقة بالسلطات والقيادات، فراحوا يستغلون قلقهم في شدّ إهتمامهم الى الغيب؟

وسؤال يتردد على كل شفة ولسان تقريباً: هل صحيح أنّ غير واحد من الفرسان الثلاثة يدفع للقناة التي تستضيفه (عوض أن يتقاضى منها) لأنّ ظهوره عبر الشاشة الصغيرة يفتح له الباب الواسع لدى حكام وأثرياء عرب، هم أيضاً يبحثون عن الغيبيات ويتلهون بها؟