IMLebanon

حرب الأنفاق في لبنان وغزة: إسرائيل لم تعـتبر من حرب 2006

من المؤكد أن المرحلة المقبلة ستشهد دراسات إسرائيلية حول الدور «الاستراتيجي» الذي لعبته الأنفاق في العدوان الاسرائيلي الأخير على قطاع غزة. الى ذلك الحين، من المجدي تسليط الضوء على دور هذه الانفاق في عدوان تموز 2006. تجربة حزب الله الناجحة على مستوى الانفاق خضعت، كما تكشف دراسة صادرة عن جيش العدو عام 2008، لعملية استخلاص عِبَر بهدف الاعداد للمواجهة المقبلة، واستشراف امكانية نقل هذا التكتيك الى قطاع غزة. ولكن، رغم ذلك، لم ينفع هذا الاستشراف في توفير الحل الملائم

لم يثبت أن حزب الله اعتمد خلال مواجهات حرب عام 2006 تكتيك التوغل عبر الانفاق الى داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة. لكن منسوب القلق في الداخل الاسرائيلي ازداد أخيراً لدى القيادات والاجهزة المعنية والجمهور، وتصاعد بعد المواجهة في غزة، خشية اعتماد حزب الله هذا التكتيك العملاني. لكنّ أحداً لن يملك الجواب النهائي الى حين ساعة الاختبار.

وفي ضوء الأدوار المتنوعة للأنفاق في قطاع غزة، بين لوجستي ودفاعي وهجومي، ومنعاً للالتباس، تنبغي الإشارة الى أن حزب الله لم يكن في حاجة الى أنفاق «يُهرِّب» من خلالها وسائله القتالية، كما هي الحال بين غزة ومصر. فقوة المقاومة في الداخل اللبناني، وموقف سوريا التي احتضنت المقاومة في لبنان ودعمتها، يغنيان الحزب عن «أنفاق التهريب».

«إبداع الأنفاق»حوّل تفوّق سلاحَي الجو والمدرعات الى مشكلة تكتيكية فقط

على ما تقدم، كان الدور الاساسي للأنفاق، أو، بحسب التعبير الاسرائيلي، لـ«المجال تحت أرضي»، دفاعياً. أما الترجمة العملية لهذا التكتيك، فتجسدت وفق صيغ وأساليب متعددة، منها ما يتعلق بحماية المقاومين ومنظوماتهم القتالية بما يسمح لهم بمواصلة إطلاق الصواريخ ومواجهة أي محاولة تقدم بري على مستوى المدرعات والمشاة. من هنا، يبدو واضحاً أن كل ما ورد في الدراسة الاسرائيلية، التي أعدّها العقيد ايتان يتسحاق ونشرتها ــ عام 2008 ــ مجلة «معرخوت» الصادرة عن جيش العدو، تمحور حول «الأنفاق الدفاعية»، مع الإشارة الى أنه قد يتم أحياناً اختيار مصطلح «مجال تحت أرضي»، لكونه التعبير الأكثر استخداماً في الدراسة.

تؤكد الدراسة أن الضعف البنيوي لأعداء إسرائيل، على المستوى التكنولوجي والقوة النارية والاستخبارات، دفعهم الى اعتماد أسلوب قتال حرب عصابات. ونتيجة الانتصارات التي حققها الجيش الاسرائيلي في الحروب التي خاضها، بحث هؤلاء عن طرق لجسر الفجوة القائمة مع الجيش في القتال. وفي نهاية الأمر، خلص حزب الله الى خيار استغلال «المجال تحت أرضي» بهدف «إلغاء عناصر تفوق الجيش الاسرائيلي، وبما يمنح مقاتلي الحزب القدرة على المناورة والبقاء». وفي هذا المجال، يؤكد يتسحاق أن حزب الله استثمر جهداً كبيراً في «المجال تحت أرضي»، وازدادت هذه الجهود إثر الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000. والى جانب منظومته العلنية على خط الحدود التي أقامها، للمحافظة على السيادة وجمع المعلومات، أقام حزب الله منظومة عسكرية سرية في مناطق مفتوحة في خراج القرى، وأطلق عليها الجيش الاسرائيلي «محميات طبيعية». هذه «المحميات» سمحت للحزب، كما يؤكد يتسحاق، بأن يكون موجوداً في ساحة القتال سراً وفي شكل متواصل… كما استخدمها كمراكز لوجستية يخزن فيها وسائله القتالية والتموين، فضلاً عن أنها كانت مراكز اتصال يستطيع من خلالها التواصل مع القيادة. وتوضح الدراسة أن عدم معرفة الجيش الاسرائيلي بهذه المنظومة ساعد حزب الله على الاستمرار في إطلاق الصواريخ الى اليوم الأخير من القتال.

وفي الخلاصة التي انتهى اليها جيش العدو بعد حرب 2006، حددت الدراسة أن الجيش اكتشف «للمرة الأولى أن نظريته الامنية غير قادرة على مواجهة عدو يكون موجوداً في الوقت نفسه في مجالين: أرضي وتحت ــ أرضي. (…) هذا الواقع سمح لحزب الله بإيجاد ترابط وتبادلية بين المجالين، بينما لم يكن لدى الجيش ردّ ملائم يسمح له بإلغاء هذا الترابط. واتضح له أيضاً أن المناورة التقليدية لا تشكل الحل الصحيح».

وعلى ذلك، قدم يتسحاق مجموعة خلاصات، رأى أن حزب الله خلص إليها بفعل المواجهات في 2006:

ـــ الجيش الاسرائيلي لم يكن يعلم بحجم التهديد الذي مثله تبنّي حزب الله للتكتيك الـ«تحت أرضي».

ـــ ليست لدى الجيش تقنية قتال تسمح له بمواجهة هذا التكتيك، بسبب قتاله التقليدي الذي يعتمد على مناورة قوات ثقيلة.

ـــ امتنع الجيش عن الدخول الى المجال الـ«تحت أرضي» والقتال داخله.

ـــ أثبتت منظومة الـ«تحت أرضي» نجاعتها، وسمحت لحزب الله بالاستمرار في القتال من جهة، والمحافظة على حياة مقاتليه من جهة أخرى.

ـــ تشكل منظومة القتال المخفاة تحت الأرض عقبة مفاهيمية أمام جيش يقاتل بأسلوب الجيوش الغربية.

أما لجهة المعلومات الاستخبارية، فأوضح يتسحاق أنه «على المستوى التكتيكي كانت هناك صعوبة في جمع معلومات عن التهديد التحت أرضي، لأن حزب الله يعمل من دون بصمة لإخفاء نشاطاته في هذه المنطقة». وأشار إلى أنه «كجزء من عملية الإخفاء، تم إيجاد فتحات خروج في أروقة خلفية أو في أي مكان آخر بعيداً عن عيون قواتنا».

توضح الدراسة أن حزب الله بنى منظومة دفاع «شملت منظومة «تحت أرضي»، منظومة قيادة وسيطرة، منظومة اتصال، ومنظومات إلكترونية لجمع المعلومات عن قواتنا، إضافة الى أساليب التضليل»، وهي منظومة بناها «استراتيجيون بارعون، فحصوا تكتيكات الجيش الاسرائيلي وطوّروا نموذجاً لتحييد التفوق الجوي». وأضافت أن «هذا النموذج مكَّن الحزب من الفصل بين قوات المشاة والمدرعات، وفي موازاة ذلك إلغاء التفوق النسبي للدبابة». وأقرّت بأن «قوات المشاة تحوَّلت في حرب لبنان الثانية الى وحدات مستقلة لا تستطيع تلقي» المساعدة المدفعية والجوية، خشية إصابة الجنود بنيران الدعم.

وأوضح يتسحاق أن «استراتيجيي حزب الله» بنوا «منظومة «تحت ــ أرضي» تملك القدرة على الصمود في مواجهة الضربات الجوية والمدفعية. (…) ونتيجة ذلك كانت الخسائر التي تلقاها الحزب في حرب لبنان الثانية منخفضة نسبياً، إذا ما أخذنا في الحسبان القوة النارية للجيش الاسرائيلي». ولفت إلى أنه «في مقابل نقاط التفوق التي يتمتع بها الجيش الاسرائيلي على مستوى سلاح الجو والمدرعات، اعتمد حزب الله تكتيكات قديمة تلائم حاجاته: منظومات تحت أرضية، تحصينات تحت الارض، حفر وخنادق فعالة ومحصنة ومموّهة، وتسمح له بأن يكون مرناً ومختفياً ومحصناً وصبوراً وإبداعياً، والاهم من كل ذلك: نيران نوعية في اتجاه الجبهة وعمق إسرائيل».

وخلصت الدراسة الى أن «المشكلة الاستراتيجية التي يواجهها أعداء إسرائيل بعدم امتلاكهم القدرة على مواجهة سلاحي الجو والمدرعات، تحولت بفعل هذا الابداع الى مشكلة تكتيكية فقط». ونتيجة ذلك، دعا يتسحاق «الى إعادة دراسة أسلوب القتال من أساسه». ولفت الى أن «استناد الجيش إلى سلاح الجو الذي يمهد الارض في مرحلة ما قبل المناورة لم يعد بالضرورة ينتج الشروط الافضل، في مقابل خصم يتموضع في حفر وبشكل مموّه».

وحول خطر نقل نموذج القتال «تحت أرضي» ـــ الذي تعتبر الأنفاق أحد أبرز تجلياته ـــ الى قطاع غزة، تناولت الدراسة هذا التحدي في أكثر من موضع، وحذرت من أنه «في ضوء امتلاك حماس لتقنية حفر الأنفاق الطويلة، على الجيش أن يأخذ في الحسبان إمكانية استنساخ حماس نموذج قتال حزب الله، الى غزة. والى جانب الدور الذي لعبته الانفاق في تهريب الاسلحة الى قطاع غزة، وفي أسر الجندي جلعاد شاليط عام 2006، رأى يتسحاق أنه في ما يتعلق بالمستقبل، يمكن طرح الفرضية الآتية:

«في حال تجدد القتال، سيستخدم مقاتلو حماس الأنفاق للالتفاف على السياج (الفاصل عن غزة) والوصول الى الجبهة الداخلية المدنية المكشوفة». كذلك فإن حماس يمكن أن ترغب في حفر «محميات طبيعية» مشابهة لتلك التي حفرها حزب الله في جنوب لبنان. وأكد يتسحاق أنه «لا توجد في العالم حتى الآن تكنولوجيا تحظى بالرضا يمكن من خلالها اكتشاف الأنفاق، لا خلال عملية الحفر التي تجري ببطء، ولا عندما تكون قائمة وتؤدي دورها».

وتجدر الاشارة الى أنه رغم استشراف الاسرائيلي، كما تظهر هذه الدراسة، إمكانية نقل تجربة القتال «تحت أرضي» الى غزة، وتقديم توصيات في هذا المجال، فشلت الاستخبارات الاسرائيلية فشلاً ذريعاً في تقدير تفاصيل هذا المسار، وتحديداً لجهة تقدير حجم الأنفاق ومستوى تهديدها وكونها باتت جاهزة للاستفادة منها في أي مواجهة.