IMLebanon

خطورة الحدث اليمني.. داخلياً وإقليمياً

 

ما شهده اليمن تغيير كبير بكلّ المقاييس. يمنياً وخليجياً واقليمياً. فسيطرة الحوثيين على مدينة عمران، التي لا تبعد أكثر من خمسين كيلومتراً عن صنعاء ليست مجرّد سيطرة على مدينة يحاول الحوثيون تغطيتها عن طريق نشر لواء من الجيش موال لهم فيها.

ما حصل يعتبر تحوّلاً تاريخياً في هذا البلد المهمّ بسبب موقعه الاستراتيجي أوّلاً وحضارته القديمة وثقله السكّاني ثانياً وأخيراً. للمرّة الأولى في تاريخ اليمن الحديث، هناك جزء من الأراضي اليمنية تحت السيطرة المباشرة لإيران.

أثبت الحوثيون، الذين يسمّون نفسهم «أنصار الله»، وهم في نهاية المطاف لواء في «الحرس الثوري» الايراني عناصره يمنية، أنّهم باتوا قوّة عسكرية قادرة على هزيمة الجيش اليمني. أمّا كلامهم عن انسحاب قريب من المواقع التي احتلوها بما في ذلك مدينة عمران نفسها، فهو من أجل امتصاص رد الفعل الأميركي الذي ظهر في مجلس الأمن.

يبدو، أخيرا، أن الإدارة الأميركية بدأت تستوعب أن يكون جزء من اليمن تحت سيطرة ايران، وأن يكون الحوثيون على أبواب صنعاء التي في استطاعتهم الاستيلاء على جزء منها بسهولة. هذا التطور ليس عائدا إلى تطويقهم للعاصمة فحسب، بل إلى وجودهم القوي داخلها أيضا.

جاء انتصار الحوثيين في عمران على اللواء ، بكلّ ما يرمز إليه. فهذا اللواء يُعتبر بين أفضل ألوية الجيش اليمني تجهيزاً ومن أكثرهم عديداً. واللواء بقيادة قائد عقائدي (من الإخوان) معروف جدّا هو العميد حميد القشيبي.

والقشيبي، الذي يُعتقد أنّه قضى في المواجهات، من المحسوبين على اللواء علي محسن صالح الأحمر قائد الفرقة الأولى المدرعة سابقاً والمستشار العسكري والأمني للرئيس عبد ربه منصور هادي. وقد سعى عبد ربّه منصور، حتّى ما قبل سقوط عمران، إلى اللعب قدر الإمكان على حبال التوازنات بغية تأكيد قدرته على ممارسة دور محوري على الصعيد الوطني.

بعد سقوط عمران، يعمل الرئيس اليمني جاهدا من أجل تأكيد أنّه ما زال ممسكا بخيوط اللعبة. وهذا ما جعله يُقيل قائدين عسكريين كبيرين يتحملان مسؤولية تدهور الوضع في محافظتي حضرموت وعمران. قبل ذلك، استخدم عبد ربّه منصور سلاح الجوّ، بين حين وآخر، ولكن من دون جدوى تُذكر، لدعم القوة العسكرية التي كانت تدافع عن عمران والمرتفعات المحيطة بها والتي لديها قيمة استراتيجية كبيرة.

تتجاوز هذه القيمة مدينة صنعاء نفسها ومطارها لتشمل كلّ الشمال اليمني، خصوصا محافظة صعدة نفسها، معقل الحوثيين، والتي باتت تتمتع بنوع من الحماية العسكرية القويّة لكلّ الطرق المؤدية إليها من العاصمة. بكلام أوضح، صارت صعدة، هي التي تؤثر على صنعاء وليس العكس.

في السنوات القليلة الماضية وقبل الانقلاب الذي قامت به جماعة الإخوان المسلمين، بدعم من بعض القوى العسكرية، على علي عبدالله صالح، كانت الحرب في صعده نفسها. كانت مواقع عسكرية معيّنة في صعدة موضوع المفاوضات بين الحوثيين والسلطة المركزية في صنعاء. كان الخلاف على تلّة هنا وأخرى هناك أو على أحد الجبال وعلى من سيكون في هذا الموقع أو ذاك.

الآن صارت الحرب على أبواب صنعاء وليس مستبعدا أن تصير في داخلها يوماً. يمكن أن يحصل ذلك في حال طرأ تغيير على الاستراتيجية الحوثية التي تقوم على التحكّم بإقليم يضمّ محافظات صعدة والجوف وحجة. مثل هذا الإقليم في حاجة، كي يصبح مستقلّا فعلا، إلى ميناء ميدي على البحر الأحمر. وهذا الميناء يقع في حجة وليس في أي مكان آخر. لكنّ استيلاء الحوثيين على حجة ليس نزهة بسبب التركيبة السكّانية ذات الطابع القبلي للمحافظة.

ولذلك، كانت الفكرة في الأصل استخدام عمران لمقايضتها بميدي. هل تزداد شهية الحوثيين الآن بعد حصولهم على كمية كبيرة من الأسلحة كانت في حوزة اللواء الذي كان يمتلك نحو ثمانين آلية وفي معسكري الأمن المركزي والشرطة العسكرية؟.

في حسابات الربح والخسارة، كانت جماعة الإخوان المسلمين، تحت غطاء التجمع اليمني للإصلاح، في طليعة الخاسرين وذلك في ضوء مشاركتها الفعالة في معارك عمران إلى جانب اللواء . كان علي محسن صالح الأحمر، غير البعيد عن الإخوان، من كبار الخاسرين أيضا، إذ لم يستطع إرسال مساعدات إلى لواء كان يُعتبر بإمرته. كذلك خسر أبناء الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر (رحمه الله)، زعيم قبيلة حاشد، الكثير نظرا إلى أن عمران كانت معقلهم الرئيسي الأخير.

باختصار شديد، خسر الذين طوقوا علي عبدالله صالح ورفعوا شعارات «الربيع العربي» كلّ ما جنوه بعدما نقلوا المواجهة إلى داخل اسوار صنعاء التي اصبحوا أسرى لها. أصبحوا صراحة أسرى هذه الأسوار بعدما كان اليمن كلّه لهم يسرحون ويمرحون فيه.

بعد معركة عمران، لم يعد من شكّ بأنّه بات على القوى الإقليمية، على رأسها المملكة العربية السعودية التي لديها حدود طويلة مع اليمن تبلغ ألفاً وثمانمئة كيلومتر، أن تأخذ في الاعتبار أنّ ايران صارت موجودة في هذا البلد أكثر من أي وقت.

يتكرّس الوجود الإيراني في اليمن، عبر الحوثيين، في ظلّ نظام ضعيف وحكومة عاجزة حتّى عن معالجة أي جانب من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي يمرّ بها اليمن. ماذا سيفعل الحوثيون بانتصارهم، الذي بدأ يقلق حتّى الأميركيين الذين أخذوا في ما يبدو علما، ولكن بعد فوات الأوان كالعادة، بخطورة الوجود الإيراني في اليمن. هل يغامرون بالدخول في متاهات صنعاء وتعقيداتها، علما أنّهم موجودون فيها بقوّة منذ فترة طويلة؟.

ذلك سؤال كبير يطرح نفسه. أمّا الإخوان المسلمون، فمن الواضح أنّهم سيسعون إلى تعويض ما خسروه في الشمال بزيادة وجودهم وتعزيزه بقوة في الوسط الشافعي، في حين سيظّل علي عبدالله صالح، على الرغم من كلّ الأخطاء التي ارتكبها خلال وجوده في السلطة، في موقع المتفرّج، أقلّه في المدى المنظور. فقد تبيّن لخصومه، قبل مؤيديه، أن المحاولات التي استهدفت التخلص منه ثمّ تقليم أظافره ارتدّت على اصحابها الذين أرادوا الهرب من الواقع عن طريق ايجاد عدو وهمي… ارضاء لطموحاتهم المرتبطة بالاستحواذ على السلطة.

مشكلة اليمن في أن مشاكله لا تنتهي كما أنّ لا حدود لها. إنها ممتدة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب حيث الشعور بضرورة العودة إلى الانفصال يتعمّق يوميا.

لا وجود حتّى لحكومة قادرة على صرف المساعدات في حال توافرها، ولا وجود لقوات تستطيع بالفعل التصدّي لإرهاب «القاعدة» وغير «القاعدة»، حتى لو وجد من يدرب هذه القوات ويوفّر لها المعدات الحديثة اللازمة لذلك.

في اليمن، لم تعد الأزمة أزمة الوحدة ولا أزمة النظام الذي سقط يوم قبل علي عبدالله صالح المبادرة الخليجية وغادر دار الرئاسة، بعد سقوط صيغة «الشيخ والرئيس»، أي الحلف الذي كان قائماً بينه وبين عبدالله بن حسين الأحمر وعلي محسن صالح الأحمر.

في الماضي القريب، كان هناك بحث عن صيغة جديدة للدولة. عثر مؤتمر الحوار الوطني على صيغة «الدولة الاتحادية» ذات الأقاليم الستّة. لم يعد لهذه الصيغة وجود يذكر. بكلام أوضح، لم تعد هذه الصيغة قابلة للتطبيق في حال بقي الحوثيون في عمران أو سمح لهم بوضع اليد على ميناء ميدي أو ظلّوا على أبواب صنعاء، هذا إذا لم يدخلوها. لم يعد لهذه الصيغة من وجود في حال بقي الوضع في الجنوب على حاله متأرجحاً بين من ينادي بالكونفيديرالية ومن يطالب بالانفصال… ومن يسعى إلى إقامة دولة مستقلّة في حضرموت في ظلّ انتشار «القاعدة» وحال الفلتان على طول الحدود مع السعودية وعُمان.

هناك لاعبون جدد كثر، على رأسهم ايران، دخلوا «الساحة» اليمنية في ظلّ غياب للسلطة المركزية القادرة في أسوأ الأحوال على الاستجابة للحدّ الأدنى من مطالب المواطنين.

هناك بكلّ بساطة دولة انهارت وقد وجد من يستغلّ هذا الانهيار إلى أبعد حدود على الصعيد الداخلي من جهة، وبما يمكن أن يهدّد الأمن الخليجي في المدى الطويل من جهة أخرى.