IMLebanon

رسالة «حزب الله»…عبر التعطيل

 

طال إنتخاب رئيس جديد للبنان أم لم يطل، يبدو أن الرسالة التي يسعى «حزب الله» إلى إيصالها إلى اللبنانيين، خصوصا المسيحيين منهم، قد وصلت. فعندما يصرّ الحزب على تعطيل إنتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية، معنى ذلك أنّه يريد تأديب المسيحيين اللبنانيين بعدما سعى إلى تأديب الطوائف الأخرى. نجح أحيانا وأخفق في أحيان أخرى، لكنّه ما زال يحاول معتمدا على أنّه الميليشيا الوحيدة المسلّحة في لبنان وعلى أنه يمتلك دويلة تتفوق في قوّتها وقدراتها على الدولة اللبنانية.

تأتي عملية تأديب المسيحيين بعدما تبيّن له أنهم لم يتعلّموا الدرس الذي كان مفترضا أن يتعلّموه من تشكيل حكومة برئاسة نجيب ميقاتي مطلع العام 2011 بهدف واضح. يتمثّل الهدف من تشكيل تلك الحكومة بإذلال السنّة والمسيحيين في الوقت ذاته.

لم يتعلّم المسيحيون قبل ذلك، من وجهة نظر «حزب الله»، شيئا من غزوة بيروت والجبل في السابع والثامن والتاسع والعاشر من أيّار ـ مايو 2008. أدّت تلك الغزوة عمليا إلى تدجين الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي بات همّه محصورا في كيفية المحافظة على طائفته . أمّا المسيحيون، الذين لم تطالهم الغزوة مباشرة،وثمة بينهم كميشال عون وأنصاره من راح يشمت بالسنّة، فكان عليهم القبول بإتفاق الدوحة الذي أوصل قائد الجيش العماد ميشال سليمان إلى الرئاسة.

إعتقد «حزب الله» أنّ ميشال سليمان سيظّل على الحياد على غرار ما فعله عندما كان قائدا للجيش. سيظّل رئيس الجمهورية في موقف المتفرّج على إنهيار مؤسسات الدولة اللبنانية.

يرى الحزب أيضا أنّ على الرئيس التفرّج على إرسال «حزب الله» مقاتليه إلى سوريا، تماما كما حصل إبان غزوة بيروت…أو لدى خرق إتفاق الدوحة باسقاط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري بواسطة «القمصان السود» تمهيدا لقيام حكومة برئاسة نجيب ميقاتي.

من يتمعّن بأسماء الوزراء المسيحيين والسنّة في تلك الحكومة، حكومة نجيب ميقاتي، التي كان وراءها سلاح الحزب الإيراني، لا يمكنه إلّا إستغراب كيف يمكن فرض مثل هذا الواقع على المسيحيين الذين بات عليهم أن يكونوا طائفة مختطفة مثلهم مثل الطائفة الشيعية الكريمة التي باتت، في معظمها، رهينة لدى «حزب الله» ومن خلفه ايران.

قاوم السنّة وما زالوا يقاومون. بقيت بيروت، المدينة التي تضمّ لبنانيين من كلّ الطوائف والمذاهب، تقاوم. كان تشكيل الحكومة الحالية، برئاسة شخصية وطنية جامعة هي الرئيس تمّام سلام، دليلا على أن مقاومة اللبنانيين لثقافة الموت، التي يحاول «حزب الله» فرضها عليهم، لم تتوقّفْ ولن تتوقّفَ.

سيقاوم المسيحيون، على غرار ما فعله السنّة، على الرغم من إضطرار سعد الحريري إلى البقاء خارج البلد لأسباب أمنية واضحة ومعروفة في الوقت ذاته، معروفة وواضحة أكثر من اللزوم.

يقاوم المسيحيون حاليا محاولة فرض دور شاهد الزور عليهم. رفض ميشال سليمان في السنتين الأخيرتين من عهده أن يكون شاهد زور. انضمّ بكل بساطة إلى المقاومة الحقيقية التي تتصدّى لأدعياء المقاومة الذين يرفضون قراءة نصّ القرار الف وسبعمئة وواحد الصادر عن مجلس الأمن، على الرغم من موافقتهم على كلّ حرف فيه.

ما نشهده حاليا من منع إنتخاب لرئيس جديد للجمهورية لا يستهدف تصفية الحسابات مع ميشال سليمان فحسب، بل أن الأمر يتعدّى ذلك بكثير أيضا. هناك من يريد إعطاء درس للمسيحيين. فحوى الدرس أن عليهم التصرّف بصفة كونهم تابعين لـ»حزب الله» على غرار النائب ميشال عون الذي ليس في واقع الحال سوى أداة من أدوات الحزب وتابع من توابعه. يعرف عون، قبل غيره،أنّه ليس شيئا من دون «حزب الله» وأنّ كتلته النيابية الكبيرة كانت ستقتصر على بضعة أعضاء لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد لولا الحزب…

هل المسيحيون في لبنان مجرّد شاهد زور عليه التصفيق لـ»حزب الله» وتجاهل دوره في نشر ثقافة الموت في كلّ أرجاء الجمهورية اللبنانية، السعيدة سابقا؟ هل على المسيحيين الإشادة بجهود «حزب الله» الهادفة إلى التوسع في المناطق اللبنانية، عن طريق شراء الأراضي، على حسابهم وعلى حساب الدروز؟ هل على المسيحيين التصفيق لمشاركة «حزب الله»، إلى جانب ميليشيات شيعية عراقية في الحرب التي يشنّها النظام السوري على شعبه من منطلق مذهبي بحت؟

باختصار شديد، بات مطلوبا من المسيحيين اللبنانيين خصوصا القيام بما يرفضون القيام به، أي الدخول في حلف الأقلّيات الذي يعني أوّل ما يعني المشاركة بطريقة أو بأخرى في دعم النظام السوري كجزء من الحلف المذهبي الممتد من طهران إلى مارون الراس في أقصى أقصى جنوب لبنان.

لم يستطع ميشال سليمان في السنتين الأخيرتين من عهده الرضوخ لمشيئة «حزب الله» والذين يقفون خلفه. هذا كلّ ما في الأمر. عبّر الرئيس اللبناني، الذي تنتهي ولايته في الخامس والعشرين من الشهر الجاري، عمّا يجول في خاطر كلّ لبناني، بما في ذلك الكثيرين من أبناء الطائفة الشيعية الكريمة الذين ولاؤهم  الأوّل والأخير للبنان ولثقافة الحياة فيه. هؤلاء اللبنانيون يعرفون أن لبنان يُعاقب عبر ميشال سليمان وعبر منع مجلس النوّاب من إنتخاب رئيس جديد للجمهورية بطريقة ديموقراطية تحترم فيها الأقلّية رأي الأكثرية. هذا يعني في طبيعة الحال خوض كلّ فريق لبناني الإنتخابات بالمرشّح الذي يرى أنّه يعبّر عن تطلعاته لا أكثر.عندئذ لينجح من ينجح ويسقط من يسقط بعيدا من السلاح والتهديدات بفرض فراغ رئاسي كمقدّمة لبلوغ المثالثة بديلا من المناصفة بين المسيحيين والمسلمين كما أقرّها إتفاق الطائف…

هل كثير على لبنان أن يكون فيه رئيس منتخب ديموقراطيا في مجلس النوّاب، أم المطلوب تأديب المسيحيين ومنعهم من أن يكونوا موجودين في  أي موقع مسؤول، بما في ذلك رئاسة الجمهورية؟

يبدو أنّ على اللبنانيين عموما والمسيحيين خصوصا تلاوة فعل الندامة يوميا والإعتراف بأنّ بلدهم صار مستعمرة إيرانية وأنّه مجرّد ذَنَبٌ للمحور الإيراني ـالسوري الذي بات يمرّ بالعراق في ضوء استسلام حكومة نوري المالكي لطهران وقبولها تمرير سلاح وإرسال مقاتلين إلى الأراضي السورية. هذا هو لبنان، كما يراه «حزب الله»، هذا هو لبنان الذي لم يعد مسموحا فيه إنتخاب رئيس جديد للجمهورية يعتبر أنّ ما قام به ميشال سليمان في السنتين الأخيرتين من عهده كان أقلّ ما يستطيع القيام به رئيس يمتلك ضميرا حيّا، نسبيا،وأقسم على احترام الدستور والمحافظة عليه حماية منه للبنانيين وللبلد.