IMLebanon

كيف ستحصل الانتخابات النيابية من دون رئيس للجمهوريّة؟

لا يضيّع نهاد المشنوق وقته في وزارة الداخلية والبلديات. تأكيده المستمرّ بـ«استعداد وزارته لإجراء الانتخابات النيابية في مواعيدها الدستورية» وعلى أساس القانون النافذ المعمول به حالياً، أي «قانون الستين»، ليس كلاماً في الهواء.

الوزير المعنيّ بإجراء هذا الاستحقاق يستكمل واجباته على أكمل وجه، تمهيداً للانتخابات التي يجب أن «تجري في يوم واحد لجميع الدوائر الانتخابية وذلك خلال الستين يوماً التي تسبق انتهاء ولاية مجلس النواب»، وفق المادة 43 من قانون ستين.

ولأنّ ولاية المجلس الحالي الممددة تنتهي بعد 4 أشهر، أي في 20 تشرين الثاني الجاري (بعد 4 أشهر)، فإن التحضيرات فعليّة للانتخابات، وأهمّها مرسوم دعوة الهيئات الناخبة الذي يجب أن يصدر ويوقَّع في 20 آب الجاري (أي قبل تسعين يوماً من انتهاء ولاية المجلس).

هذا ما يدركه المشنوق الذي يحاول الوصول إلى 20 آب مرتاحاً. فالوزارة نفّذت الشعار الخاص بهذا الاستحقاق تحت عنوان «2014 انتخابات لبنان» باللون الأحمر، كما أطلقت الموقع الخاص بالانتخابات الذي يتضمّن كلّ المعلومات المختصّة بهذا الشأن، بالإضافة إلى نشر القوائم الانتخابية الأولية لدى البلديات والمختارين ومراكز الأقضية والمحافظات.

ولم تكتفِ «الداخليّة» بهذه التحضيرات فحسب، بل أعلنت أيضاً عن «الخط الساخن: 1766» للردّ على استفسارات المواطنين، وأنشأت لجنة لمتابعة القضايا المتعلّقة بالانتخابات النيابيّة العامة. كذلك، أعادت الوزارة تنقيح أسماء اللبنانيين غير المقيمين (الذين سجّلوا أسماءهم للمشاركة في الانتخابات) تطبيقاً للفصل العاشر الذي أضيف إلى «قانون الستين» في العام 2008 على أن يبدأ العمل به في انتخابات الـ2013.

وبالتالي، فإنّ وزارة الداخلية تعمل على إنهاء كلّ التحضيرات اللازمة لإجراء الانتخابات، ولم ينقصها قبل إصدار مرسوم دعوة الهيئات الناخبة إلا تأليف «هيئة الإشراف على الانتخابات». ويشير خبراء دستوريون إلى أنّه «من الأفضل تشكيلها في وقت مبكر حتى يتسنى لها وضع نظامها الداخلي والبدء بتنفيذ مهماتها، على أن تكون أولاها مراقبة تقيد اللوائح والمرشحين ووسائل الإعلام على اختلافها بالقوانين والأنظمة ومراقبة الإنفاق الانتخابي وأداء الإعلام..».

حتى الساعة، لا أمل بتغيير القانون الانتخابي الحالي، فالجلسات التشريعيّة «مرفوعة» بـ«قوّة السياسة». إذاً، إجراء الاستحقاق بين أيلول وتشرين الثاني يعني حكماً الالتزام بـ«الستين».

وإذا كانت «الصنائع» على أهبّة الاستعداد لـ«ورشة الانتخابات»، فإن الكثير من القوى السياسية تلاقيها في منتصف الطريق، وإن كلامياً. هؤلاء يردّدون أنهم لا يريدون إعادة «كرّة التمديد» الذي حصل في العام 2013، بل سيسعون لإنتاج مجلس نيابي جديد.. وكان الرئيس سعد الحريري سبّاقاً في إشهار موقفه: لا نريد التمديد، والانتخابات الرئاسيّة هي المدخل الطبيعي للانتخابات النيابيّة. كلام رئيس تيار «المستقبل» لم ينطلق من فراغ، فهو يدرك أنّ إجراء استحقاق الـ2014 في ظلّ شغور في موقع الرئاسة دونه معضلات دستورية وقانونيّة لا تعدّ ولا تحصى.

وبالرغم من استعداد فعلي لوزارة الداخلية و«استعداد تنظيري» للأحزاب والكتل السياسية بالمضي قدماً نحو الصناديق، إلا أن الأمر ليس بهذه السهولة. هناك الكثير من المعضلات القانونيّة التي قد تعيقهم من السير نحو «تجديد دم» المجلس الحالي.

صحيح أنّ الفراغ الذي يمرّ على لبنان ليس الأوّل من نوعه، إذ انّه الفراغ الرابع منذ الاستقلال والثاني بعد الطائف، غير أنه الأخطر، بحسب ما يؤكّد خبراء دستوريون، مذكرين بالمادة 62 من الدستور التي تحلّ جزءاً من الأزمة وهي تنصّ: «في حال خلو سدة الرئاسة لأي علة كانت تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء». إلا أنّهم يشدّدون في المقابل، على أنّه كلّما كبرت الفترة الزمنيّة التي يبقى فيها كرسي بعبدا فارغاً كلّما ارتفع عدد هذه المعضلات، على اعتبار أن المشرّع اللبناني لم يلحظ مثل هذه الحالات الاستثنائيّة والشغور الطويل الأمد.

ويلفت هؤلاء الانتباه إلى أن الفراغ في سدّة الرئاسة سيفتح الشهيّة على المزيد من الاجتهادات القانونيّة، التي تكون في بعض الأحيان غير عمليّة ولا يمكن اعتمادها لفترات طويلة.

ويعتبر بعض الدستوريين أن «الفتوى» التي اعتمدت لتسيير أعمال الحكومة ستزيد الأمور تعقيداً إذا اتفق المعنيون على إجراء الانتخابات النيابية قبل الرئاسيّة، إضافةً إلى كونها «حبلاً» يشدّ الخناق على رقبة أعمال الحكومة العادية واليومية. ويتساءلون: «ماذا يعني أن يقضي الوزراء أكثر من ساعة مع بداية كلّ جلسة بمناقشة جدول الأعمال الذي وضعه رئيس الحكومة؟ وماذا يعني أن يمرّر الأمين العام لمجلس الوزراء خلال الجلسة كلّ المقررات والمراسيم والتعيينات.. التي تحتاج أن يوقّع عليها كلّ وزير بنفسه (تحتاج هذه المقررات لأكثر من ساعة حتى تمرّ على كلّ الوزراء ليوقعوا عليها)؟ وماذا يعني أن يملك كلّ وزير حق الفيتو على 23 آخرين وأن تكون لديه القدرة على تعطيل جلسات المجلس كما حصل في موضوع الجامعة اللبنانية؟».

وإذا كانت الحال هكذا في مقررات عاديّة، فكيف تكون في ظلّ التحضير لإجراء انتخابات نيابيّة؟

– أولى المعضلات القانونيّة التي ستطرح قيد البحث ستكون في 20 آب، موعد إصدار مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، الذي يجب أن يوقّع عليه كل من: رئيس الجمهوريّة، رئيس الحكومة، وزير الدفاع، وزير الداخلية، وزير العدل ووزير الماليّة. وبغياب رئيس الجمهوريّة، تنتقل حكماً صلاحياته إلى الحكومة. وبالتالي، فإنّ المرسوم سيكون على طاولة الحكومة، ويحتاج ليصبح نافذاً إلى التوقيع عليه من قبل الـ24 وزيراً بمن فيهم رئيس الحكومة. وهذا ما يشير إلى أنّ رفض وزير واحد، مهما كان تأثيره السياسي وبغض النظر عن أسبابه، التوقيع على المرسوم قد يمنع الناخبين من التوجّه إلى مراكز الاقتراع وتعطيل الاستحقاق برمّته.. وما ينطبق على مرسوم دعوة الهيئات الناخبة يسري على كلّ المقررات المتعلّقة بالانتخابات.

– ثانية المعضلات ستكون بعد إعلان النتيجة. حينها ستكون الحكومة في فترة تصريف أعمال بانتظار تشكيل أخرى. ويوضح الدستوريون أن صلاحيات رئيس الجمهورية تنتقل في حال الشغور إلى الحكومة حتى ولو كانت تصرّف الأعمال. وفي هذه الحالة ماذا سيحصل لو تعنّت وزير واحد برفضه للنتيجة والتوقيع على مرسوم نشر نتيجة الانتخابات في الجريدة الرسميّة.

– ثالثة المعضلات هي الأكثر خطورة. إذ ان «فتوى توقيع الـ24 وزيراً» تعني حكماً أن يصبح هذا المشهد واقعياً: رئيس حكومة و23 وزيراً يتربّعون على كراسيهم للاستماع إلى الكتل النيابيّة ويقومون بإحصاء أعدادهم ثم يعلنون نتيجة الاسم الفائز بلقب «دولة الرئيس» بعد استشارات نيابيّة مع رئيس حكومة تصريف الأعمال ووزرائه.. ولربما لن يحتاج رئيس الحكومة إلى تسلّم وتسليم مع سلام!

فيما يشير بعض الدستوريين إلى أنّه يمكن الوقوع على «تخريجة» من خلال تفويض الحكومة مجتمعةً رئيس الحكومة وعددا من الوزراء المعنيين بإجراء هذه الاستشارات، غير أنّ الأمر إذا حصل سيكون سابقة.

هذه المعضلات القانونيّة وغيرها هي على «مرمى حجر» منّا إذا ما تمّ التوافق على إجراء الاستحقاق في ظلّ الشغور في كرسي الرئاسة، وستكون جاثمة «على نفس» الانتخابات استحقاق العام 2012 لتشكّل سوابق خطيرة.