IMLebanon

مشاكل مصر.. قابلة للحل؟

 

من ايجابيات الإنتخابات الرئاسية المصرية، اقبال المواطنين على صناديق الإقتراع بشكل عفوي. كان الإقبال، على الرغم من أنّه بقي في حدود المتوسط، دليلا على أن الإنتخابات جاءت نتيجة منطقية لثورة شعبية حقيقية أكّدت رفض المصريين لحكم الإخوان المسلمين من جهة وسعيهم إلى الإنتقال إلى مرحلة جديدة تعيد مصر إلى المصريين من جهة أخرى.

عاجلا أم آجلا، سيتبيّن ما إذا كنات الإنتخابات ستشكّل علامة فارقة في التاريخ المصري الحديث. سيتبيّن ما اذا كان المصريون سيربحون رهانهم على مستقبل أفضل. سيتبيّن خصوصا ما إذا كانت مشاكل مصر، وهي مشاكل ضخمة، قابلة للحلّ…أمّ أن مصر ستغرق في هذه المشاكل وسيظلّ النمو السكآني ذو الطابع العشوائي يلتهم مسبقا كلّ تقدّم يمكن أن يتحقّق في مجال النموّ الإقتصادي.

قبل كلّ شيء، ومن أجل أن يكون الرهان على تحسّن الوضع المصري ممكنا، كان لا بدّ من التخلص من حكم الإخوان المسلمين. فعل المصريون ذلك عندما نزلوا إلى الشارع بالملايين في الثلاثين من حزيران ـ يونيو الماضي. حملت ثورتهم اسم «الثلاثين من يونيو» وكانت تعبيرا عن وعي سياسي للمخاطر المحدقة بخطف الإخوان لـ«ثورة الخامس والعشرين من يناير» من أجل الإستيلاء على السلطة ولا شيء آخر غير السلطة.

وضع المصريون حدّا لنظام لا يمتلك أي مشروع سياسي متطوّر أو أيّ رؤية اقتصادية من أي نوع. لم يكن لدى القيمين على النظام، الذين وضعوا الرئيس المخلوع محمّد مرسي في الواجهة، من همّ آخر غير السلطة. كان هناك حتّى استعداد للدخول في صفقات مشبوهة مع ايران وغير ايران من أجل ضمان البقاء في السلطة. ليس معروفا، إلى اليوم، ما الذي جاء يفعله في القاهرة محمود أحمدي نجاد الرئيس الإيراني، وقتذاك. لماذا أصرّ أيضا على زيارة الأزهر؟ كانت زيارته للأزهر، ثم بدء مجيء «السيّاح» الإيرانيين، بداية وعي لدى المصريين إلى أن شيئا ما يعد لهم في الخفاء بين القاهرة وطهران…

لم تكن العلاقة الغامضة مع طهران وحدها التي اثارت التساؤلات. كانت هناك تصرّفات مريبة كثيرة من بينها العلاقة مع «حماس» التي أقامت «امارة اسلامية» على الطريق الطالبانية في غزّة، فضلا، في طبيعة الحال، عن نشر الإرهاب في سيناء. كان الهدف من نشر الإرهاب، الذي في اساسه العلاقة بين الإخوان في مصر وقيادة «حماس» في غزّة، ضرب المؤسسة العسكرية والأمنية المصرية والهاءها بما يدور في منطقة صحراوية شاسعة تصعب السيطرة عليها.

فوق ذلك كلّه، كان ذلك الدور المشبوه للنظام الإخواني الساعي إلى التقرّب من الإدارة الأميركية ومحاولة طمأنتها إلى أن أمن اسرائيل مضمون في ظلّ المصلحة المشتركة القائمة بين القاهرة الإخوانية وغزة الحمساوية…

اسقط المصريون نظام الإخوان. ساعدتهم المؤسسة العسكرية في تلبية هذا الطموح. ترافق ذلك مع استيعاب عربي لأهمّية استعادة مصر وتفادي سقوطها في الفخّ الذي ينصبه الإخوان لها. كان هذا الدعم العربي الذي بدأ سعودياـ اماراتياـ كويتياـ أردنيا بمثابة دليل على أنّ هناك بين العرب من هو على استعداد لتقديم مصلحة الأقليم على كلّ ما عداها. كان هناك استعداد عربي من هذا النوع، بغض النظر عمّا تريده أو تفكّر فيه أو تخطّط له ادارة أميركية مستعدة لغزل في العمق مع الإخوان من جهة ولإعطاء الأولوية للملف النووي الإيراني، متجاهلة ما تقوم به طهران في الإقليم من جهة أخرى.

هناك عوامل عدّة، في مقدّمها «ثورة الثلاثين من يونيو»، أوصلت إلى الإنتخابات الرئاسية المصرية. هذه الإنتخابات قد تشكّل منعطفا، خصوصا أن المشير عبد الفتّاح السيسي الذي نجح في الإنتخابات، يمتلك رؤية واضحة على الصعيدين الداخلي والإقليمي. تكمن أهمّية المشير السيسي في استيعابه لضخامة المشاكل المصرية أوّلا وفي ادراكه أن هناك مسؤوليات تقع على عاتق مصر في محيطها ثانيا وأخيرا. هذه المسؤوليات ليست من نوع البذخ ولا تندرج في مجال البحث عن دور يذكّر بمصر الماضي، مصر الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي.

على العكس من ذلك، تندرج هذه المسؤوليات في صلب حماية الأمن المصري، أمن المواطن المصري وسلامة الأراضي المصرية ومياه النيل، شريان الحياة لأرض الكنانة.

بكلام أوضح لن يكون العبء الذي سيتحمله السيسي مقتصرا على الداخل. فمصر لا يمكنها البقاء مكتوفة أمام ما يجري في ليبيا. في النهاية، أمن مصر من أمن ليبيا. هذا لا يعني ايجاد مبررات لدخول مصر طرفا في المواجهة الدائرة بين قطاعات واسعة من الشعب الليبي والمتطرّفين من الإخوان المسلمين والمنتمين إلى مدرستهم. لكنّ مصر لن تستطيع في أي شكل أن تصبح حدودها مع ليبيا مصدرا لإنتقال الإرهابيين إليها مع كمّيات كبيرة من الأسلحة المخزنة في كلّ البلد وفق خطة مدروسة اعتمدها السعيد الذكر العقيد معمّر القذّافي طوال عهده الذي تجاوز عمره العقود الأربعة.

ما ينطبق علي ليبيا التي تشكّل تهديدا للمنطقة كلها، من تونس، الى الجزائر إلى منطقة الساحل الأفريقي وصولا إلى مصر، ينطبق على غزّة. لا يمكن لمصر التفرّج إلى ما لا نهاية على ما يدور في القطاع، حتّى لو هربت «حماس» إلى المصالحة الفلسطينية تفاديا منها لتحمّل مسؤولياتها تجاه الأمن في سيناء وتجاه تصدير الإرهاب إلى داخل البلد العربي الأكبر.

يمكن الإسترسال في تعداد التحدّيات التي تواجه مصر على الصعيد الإقليمي. لكنّ الملفت في الأمر أنّه لم يعد في الإمكان فصل المشاكل الداخلية لمصر عن التحديات الإقليمية. لا شكّ أن الإنتخابات الرئاسية خطوة في الطريق الصحيح، لكنّ الأكيد في الوقت ذاته أنّ ثمة حاجة إلى بقاء مصر موضع احتضان عربي. فمن دون مصر التي تتمتّع بحد أدنى من الإستقرار في الداخل ومن دون دور خارجي لمصر، يبدو التوازن الإقليمي مهدّدا أكثر من أي وقت.

إنّه توازن تحتاج إليه كلّ دولة عربية في ظلّ الهجمة الإيرانية في كلّ الإتجاهات وفي ظلّ وجود إدارة أميركية ليس لديها ما تقدّمه سوى الإستمتاع بقتل النظام في دمشق ما يزيد على مئتي ألف سوري… وتدميره للبنية التحتية لهذا البلد وكلّ مدينة وقرية فيه. هذا ما يجعل الرهان العربي على مصر خيارا لم يكن هناك بديل منه كما كان خيارا لا بدّ منه في الوقت ذاته.