IMLebanon

مصر في القلب العربي مجدّداً

 

ما كشفه الحضور العربي في القاهرة احتفالاً بتنصيب المشير عبدالفتّاح السيسي رئيساً منتخباً حقيقة من المصريين، يوكّد أن مصر في القلب. في القلب العربي طبعاً وأنّها تستحقّ كلّ الدعم الذي يقدّم اليها من أجل أن تستعيد عافيتها. تبيّن أن هذا الدعم لمصر ليس وليد ردّ ذي طبيعة انفعالية أو تصرّف عشوائي يعكس نوعاً من العاطفية في عصر لا مكان فيه للعاطفة، أي عاطفة.

الأمر ليس على هذا النحو، على الرغم من وجود انشداد إلى مصر بصفة كونها الشقيق الأكبر الذي لعب تاريخياً، بالأرقام وعدد الشهداء وحجم التضحيات، دوراً محورياً على الصعيد الإقليمي. ففي الحروب العربية مع إسرائيل، دفعت مصر الثمن الأكبر وفاق عدد الضحايا المصريين وخسائر مصر في تلك الحروب كلّ ما دفعه العرب الآخرون مجتمعين. ولذلك، يصعب على أحد من أهل «الممانعة» و»المقاومة» المزايدة على مصر وطنياً.

ليس صدفة أنّ جامعة الدول العربية تأسست في مصر، كما أن مقرّ الجامعة في القاهرة. ولمّا غضب العرب على مصر بعد توقيعها معاهدة سلام مع إسرائيل وقاطعوها، لم يجدوا ما يفعلونه سوى نقل مقرّ الجامعة إلى تونس… إلى أن اكتشفوا في مرحلة معيّنة أن لا بدّ من العودة إلى القاهرة مهما طال الزمن، بغض النظر عن تمسّك مصر بالمعاهدة والنتائج المترتبة عليها.

ما تضمنته رسالة التهنئة التي وجهّها الملك عبدالله بن عبد العزيز إلى الرئيس المصري الجديد المشير عبدالفتّاح السيسي في مناسبة انتخابه، دليل على مدى الوعي العربي لأهمّية مصر والرغبة في دعمها على كلّ صعيد. ذهب العاهل السعودي إلى حدّ الدعوة إلى مؤتمر لـ«الأشقاء والأصدقاء» دعماً لمصر و«مساعدتها في تجاوز أزمتها الاقتصادية». لم يكتف بذلك. قال في الرسالة، مستخدماً لهجة حادّة، إنّ «كل من يتخاذل عن دعم مصر لا مكان له بيننا».

ليس من عادة المملكة العربية السعودية الذهاب بعيداً في التعبير عن مواقفها. ولكنْ مع تطوّر الأحداث في المنطقة وتسارعها، صار على العرب النظر إلى مصر من زاوية مختلفة. بات عليهم استعادة مصر مجدّداً، على غرار ما فعلوه في الماضي، من أجل الحؤول دون مزيد من الخلل في التوازن الإقليمي. على الأصحّ من أجل استعادة التوازن في ظلّ ثلاثة عوامل مهمّة قرّر العرب، على رأسهم المملكة العربية السعودية، التعاطي معها بجدّية.

يتمثّل العامل الأوّل في الدور الإيراني في المنطقة الذي يقوم على استغلال التحوّل العميق الذي حصل في العراق بغية العمل، استناداً إلى إثارة الغرائز الطائفية والمذهبية، على اختراقات في كل الاتجاهات بدءاً بالبحرين وصولاً إلى اليمن مروراً بالعراق، طبعاً، وسوريا ولبنان حيث لا رئيس جديداً للجمهورية لسبب إيراني ليس إلّا.

بات في استطاعة إيران التحدّث بصراحة ليس بعدها صراحة عن أنّها تستعمر لبنان وأن حدودها تصل إلى جنوب لبنان. يحصل ذلك في وقت صار النظام السوري تابعاً مباشرة لإيران. بل إن العلاقة التي أقامها بشّار الأسد مع إيران صارت بالنسبة إليه مسألة حياة أو موت…

أمّا العامل الثاني الذي قرّرت السعودية التعاطي معه بجدّية، فهو يتمثّل بوجود إدارة أميركية ذات أجندة مختلفة كلّياً عن الأجندة العربية والخليجية عموماً. تعتبر هذه الإدارة أنّ هدفها الأوّل والأخير في المنطقة محصور بالتوصّل إلى اتفاق مع إيران في شأن ملفّها النووي.

وهذا يعني في طبيعة الحال تجاهل الطموحات الإيرانية على الصعيد الإقليمي من جهة والرهان على «الإخوان المسلمين» من جهة أخرى. كان موقف إدارة أوباما من المذبحة التي يتعرّض لها الشعب السوري، بدعم إيراني وسوري، خصوصا بعد الاستخدام الواسع للسلاح الكيميائي بمثابة منعطف. اقتنعت السعودية، بما لا يقبل أدنى شكّ، أن هناك سياسة أميركية جديدة لا ترى إلّا بعين واحدة. لا استيعاب أميركياً لمعنى سقوط سوريا ولبنان، بعد العراق، تحت الهيمنة الإيرانية وأبعاد ذلك وتأثيره على دول الخليج العربية…

يبقى العامل الثالث، الذي كان على دول الخليج، بما فيها السعودية، أخذه في الاعتبار. إنّه المواقف الإسرائيلية التي فرضت على إدارة أوباما التغاضي عن كلّ ما من شأنه الابتعاد عن التركيز على الملف النووي الإيراني. بدا وكأنّ كلّ ما تسعى إليه الإدارة الأميركية في المدى البعيد، تسهيل تقاسم النفوذ في المنطقة بين إيران وإسرائيل على حساب كلّ ما هو عربي في المنطقة. الأكيد أن السياسة التركيّة المتذبذبة التي صبّت في دعم «الإخوان المسلمين»، لم تساعد في البحث الجدّي عن تقارب مع بلد كان يمكن أن يلعب دوراً في إعادة التوازن إلى الإقليم.

لم يعد من خيار عربي آخر غير الرهان على مصر، خصوصاً بعدما أظهر الشعب فيها، عبر «ثورة الثلاثين من يونيو» رفضه الرضوخ لحكم الإخوان الذي لم يكن سوى جسر لعبور ايران إلى الداخل المصري.

لعب «الإخوان» في مصر دوراً في غاية الخطورة في مجال التشجيع على نشوء بؤرة إرهابية في سيناء تلعب دوراً في مجال إدخال الجيش المصري، ومعه المؤسسة العسكرية، في حرب استنزاف. كانت حرب الاستنزاف هذه، التي كان مفترضاً أن تدور على خلفية تعاون الإخوان المصريين وتنسيقهم مع «الإمارة الإسلامية» التي أقامتها «حماس» في قطاع غزّة، مدروسة كي تشكّل مقبرة للجيش المصري.

في ظلّ هذه الصورة القاتمة، كان لا بدّ من تحرّك عربي. كانت دولة الإمارات العربية المتحّدة أوّل من دعم «ثورة الثلاثين من يونيو». تبعتها السعودية والكويت. جمعت الدول الثلاث، التي انضمّت إليها الأردن، اثني عشر مليار دولار شكّلت، بداية، الحجر الأساس كي تقف الثورة الشعبية على رجليها تمهيداً لانتقال مصر إلى مرحلة جديدة تعود فيها إلى لعب دور في حجم موقعها وإمكاناتها على الصعيد الإقليمي.

كان البديل من ذلك سقوط مصر وتحوّلها إلى «ساحة» تلعب فيها إيران وحتّى «حماس» بدل أن تكون لاعباً، بالمعنى الإيجابي للكلمة، في محيطها أوّلاً. والمعني بالمحيط المصري قطاع غزّة نفسه وليبيا، المخترقة من الإخوان، والسودان حيث الوجود الإيراني القويّ.

هل الرهان على مصر في محلّه؟ الواضح، أقلّه إلى الآن، أن الرئيس المصري الجديد يمتلك صفتين مهمّتين. إنّه، أوّلاً، لا يتجاهل بأيّ شكل المشاكل الداخلية لمصر وحجم الأعباء والمسؤوليات الملقاة عليه.

كذلك، يمتلك السيسي رؤية واضحة للتحدّيات الإقليمية ويعرف خصوصاً أنّ الإمكانات الخليجية، في مقدّمها الإمكانات السعودية، لا يمكن الاستهانة بها وأن استعادة التوازن الإقليمي ليس مستحيلاً وأنّ السقوط أمام إيران ليس قدراً، بغض النظر عن السياسة التي تنتهجها إدارة أوباما.

ما يدلّ على أنّه لا يزال لدى العرب بعض النفوذ، ذلك التغيير الإيجابي الذي طرأ، ولو نسبياً، على موقف واشنطن مباشرة بعد انتخاب السيسي رئيساً لمصر. هذا التغيير مجرّد بداية ومؤشر إلى أن العرب الذين أخذوا المبادرة في دعم مصر، إنّما أقدموا على خطوة تاريخية في الاتجاه الصحيح.