• Subscribe to newsletter

وقفة مصارحة  مع صديق…

في بلد يقوم نظامه السياسي على أسس طائفية، فمن الطبيعي أن تشهد ساحاته قدرا كبيرا من التجاذب السياسي حول قانون الانتخاب. ما ليس طبيعيا هو هذه الحالة من الاستقصاء في التوافق على قانون موحّد. والتفسير المنطقي لذلك، هو أن المكونات السياسية في لبنان، خرجت عن الهدف الذي اتفقت عليه عند الانطلاق، وذهب كل منها في اتجاه مختلف. تكرر ذلك مرتين حتى الآن عند منعطفين تاريخيين من وجود الكيان اللبناني. الأول ١٩٤٣ عند العبور من الانتداب الى الاستقلال، وكانت نقطة البداية هي اجماع الآباء المؤسسين من مختلف المكونات اللبنانية، على أن يكون النظام الطائفي السياسي موقتا. والمنعطف الثاني ١٩٨٩، كان في العبور من الحرب الداخلية الى السلم الوطني عبر وثيقة الوفاق الوطني وقد رسمت مسارا عمليا للخروج من النظام الطائفي الى ما بعده…

الممارسة السياسية غير المسؤولة أدت في الحالة الأولى الى تكريس الطائفية وايقاظ حيويتها، بدلا من التخفيف من حدّتها وتلطيف مفاعيلها. وقاد ذلك الى حدوث الانفجار الصغير في العام ١٩٥٨، ثم الى حدوث الانفجار الكبير في العام ١٩٧٥. وفي الحالة الثانية، أدت الممارسة السياسية غير المسؤولة والانتقائية الى ما هو أدهى، والانتقال من الطائفية المريضة الى المذهبية المميتة! وهذا التعثر المتمادي حول التوافق على قانون موحّد للانتخاب، هو نذير شؤم في حدّ ذاته. واذا كانت الطائفية قد أوصلت البلد الى حربين دمويتين، فليس من العسير الاستنتاج بأن المذهبية ستوصل البلد وكل من فيه الى ما هو أدهى وأعظم خطرا على الوطن، والدولة بشعبها وكل مكوناتها وأرضها.

أول طريق الخروج من الهاوية هو أولا، توفّر ارادة الخروج منها، وثانيا، توفّر ارادة التوقف عن الحفر! وقانون الانتخاب هو مجرد لافتة تشير الى طريق الخروج من الهاوية. أما مضمون قانون الانتخاب فهو خريطة الطريق الآمنة والسالكة للوصول الى الهدف المنشود. ولا يحتاج الأمر الى أكثر من تصحيح الممارسة السياسية، واحترام ما اتفقنا عليه في وثيقة الوفاق الوطني. وهو مسار من ثلاث مراحل: انشاء الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية. واجراء انتخابات نيابية خارج القيد الطائفي. وانشاء مجلس شيوخ يمثل الطوائف جميعا ويحفظ حقوقها، ويضبط المسار الوطني.

بهذا المعنى، مجد لبنان يعطى للعهد الجديد، اذا اتّبع مسارا يقود الى تحقيق ما سبق واتفقنا عليه، بعد أن دفع الوطن ثمنا باهظا من وجوده وحياة بنيه. وبهذا المعنى من المنتظر والمتوقع والمأمول من العهد الجديد أن يكون قانون الانتخاب الذي يوضع في هذا العهد، هو المسار الانتقالي نحو الدولة المنشودة… أي ان هذا القانون الانتخابي يمكن أن يكون الحاضنة الوطنية للجميع، ويكون القانون على أساس وطني… لا طائفي، ولا مذهبي!