IMLebanon

حول التماسيح ودموعها

«لا تكذبي ! إني رأيتكما معاً ! فدع البكاء فقد كرهت الأدمعا

ما أسهل الدمع الجسور إذا جرى من عين كاذبة فأنكر وادعى»

(كامل الشناوي)

«دموع التماسيح» تعبير شائع في معظم الثقافات، ويعتقد أنه ابتدع منذ قرون، واستخدم في كثير من الأدبيات، بعضها علمي وآخر أدبي بحيث أن شكسبير استعمله في بعض مؤلفاته.

المهم هو أن التماسيح لديها بالفعل غدد تفرز الدموع وهدفها ترطيب العيون أثناء الخروج من الماء. المفارقة هي أن التماسيح لوحظت وهي تدمع عند ابتلاعها فرائسها بأشكالها المختلفة. وكان الإعتقاد عند البعض هو أنه تعبير عن الندم لإضطرار تلك الوحوش لقتل ضحاياها، لكن هدفها هو إشباع جوعها ليس إلا.

مع الوقت تحول التعبير بسرعة ليصف حالة النفاق المطلق، ولدينا في العامية تعبير بالمعنى ذاته يقول «قتل القتيل ومشى بجنازته!».

الواقع هو أنه لا دخل للتماسيح في هذه المقالة لا من قريب ولا من بعيد، فهي مجرد حيوانات وجدت كما هي، وإن افترست أو ذرفت الدموع، فليس لقرار واع من قبلها، بل لغريزتها غير الخاضعة لأي حكم عقلي. وبالتالي لا عتب عليها، وما على البشر الواعين إلا تجنب الوقوع في طريقها حتى لا يصبحوا فريسة لها، أو يضطروا إلى قتلها، مع العلم أن الكثير من البشر يمارسون هواية قتل التماسيح لمجرد قدرتهم على القتل، ونادرا من أجل الدفاع عن النفس.

المصيبة هي في التماسيح العاقلة صاحبة الخيارات الواعية والمدروسة التي تتخذ مع سابق الإصرار والتصميم في انتقاء الضحايا وكمياتها وأهداف افتراسها في السياسة والأمن والعقائد، ومن بعدها انتقاء من تُذرف عليها الدموع، وأيضاً هنا بشكل واع ومدروس بحيث تخدم الدموع الهدف المرسوم.

وبالتالي فهناك من الضحايا من يُنكل بها وتُنتهك حرمة جثثها، أو تُقتل بدم بارد ولا تُذرف عليها دمعة واحدة.

أنا لا اعترض على مبدأ حقن دماء حتى أكثر المجرمين خطورة، وحتى من هم ذاهبون بجرائهم لا محالة إلى حبل المشنقة، أو الحقن بمادة قاتلة، أو حتى الإعدام رمياً بالرصاص. فالمهم قبل ذلك هو أن تجري المحاكمة العادلة ويُعطى المجرم حق الدفاع عن نفسه.

فكيف إذا كانت القضية تتعلق بقافلة يقال أن فيها أشخاصاً لا ناقة لهم ولا جمل، إلا كونهم من عائلة إرهابي أو مسلح أو مجرم أو مقاتل أو تكفيري، وذلك بناءً على التسميات العديدة المُستعملة حالياً لوصف المجموعات التي خرجت من جرودنا إلى مكان انطلاقها الأساسي في حضن بشار ومخابراته وأقبيته المعتمة التي لا يخرج منها بشري. إلا قتيلاً أو معاقاً أو مخبرا!

لذلك، فقد كان الأجدى هنا للحفاظ على أرواح الأطفال والرُضع والعجائز والنساء والأجنة، هو بالإستسلام للجيش اللبناني، وبالتالي توزيع هؤلاء بين من يذهبون إلى السجن بانتظار المحاكمة، ومن يذهبون إلى المأوى المؤقت بانتظار البت بأمورهم وأمورهن. وبالتالي فإن كنز المعلومات الذي يريد نصر الله أن يحتفظ به لنفسه لغاية في نفس يعقوب، كان أصبح في يد الدولة اللبنانية ومن ضمنه مصير شهدائنا العسكريين. لكن بشار ونصر الله آثرا السترة على الفضائح المتعلقة بأصل وفصل تلك المجموعات التي دُفعت قصداً إلى لبنان كجزء لا يتجزأ من مؤامرة تسويغ افتراس الشعب السوري واللبناني معاً.

ولكن ذلك لم يحصل عن سابق إصرار وتصميم، ولا أظن أن التماسيح قررت فجأة أنها شبعت وسمحت لأسباب إنسانية بمرور هؤلاء، وتسوية أوضاع بعضهم لينضموا إلى عصابة الأسد، وآخرين ليختفوا من المعادلة في ثياب أوروبية جديدة مع ربطة عنق وذقون حليقة وعطر فرنسي، هذا طبعاً للرجال، أما النساء فقد تظهر بعضهن في ثياب البحر على شاطئ من شواطئ اللاذقية في إجازة بعد إنجاز المهمة.

أما الباقون من تعساء الحظ، فقد أغفل نصر الله وبشار مسألة ضرورة التنسيق مع التحالف الدولي والعراقي بخصوصهم فتركوا لمصيرهم الغامض في الصحراء.

ومن بعدها اصبح هؤلاء من أدوات البروبغندا الإعلامية للتماسيح، يذرفون الدموع عليهم، في وقت لا تنزل دمعة واحدة من عين نصر الله أو بشار أو رعد أو الموسوي على نصف مليون سوري أكلتهم تماسيح الممانعة، ولا على الأطفال والحوامل والأجنة والعجائز الذين حصدت أرواحهم آلاف الوحوش المستوردة من أفغانستان وأذربيجان وإيران والعراق وروسيا ولبنان.

الآن وقت المواساة والحزن على أبنائنا الشهداء الذين سقطوا ضحية مؤامرة الرباعي الجهنمي من بشار ونصر الله وأبو مالك التلي وأبو سوس، وما على اللبنانيين بعد العودة من مراسم التشييع إلا التعرف عمن يذرفون دموع التماسيح ويسيرون في جنائز ضحاياهم.

(*)عضو المكتب السياسي في تيار «المستقبل»