نصرالله طمأن الجاهلية وللمتورطين : «لا تلعبوا بالنار» وسنمنع تدمير البلد

 

ابراهيم ناصرالدين

لا تزال تداعيات «غزوة» الجاهلية تطغى على المشهدين السياسي والامني في البلاد بعد ان كادت «سوء النوايا» او «سوء التقدير» من قبل من اعطى الاوامر للقوة الضاربة في فرع المعلومات بتنفيذ هذه المهمة، التي تودي بلبنان الى حرب اهلية، عمل حزب الله وحيدا في تلك الساعات العصيبة على «سحب فتيل» التفجير، ومنع التمادي بهذا الخطأ الفادح بعد ان غاب الجميع عن «السمع»، وكانت الرسائل في عدة اتجاهات، واحدة من قبل الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله للوزير وئام وهاب بأنه «غير متروك» ولن يتم السماح باستهدافه، اما الرسائل الاخرى فكانت شديدة «القسوة» لرئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، واللواء عماد عثمان، ومدعي عام التمييز القاضي سمير حمود، وقد اثمر «الضغط» تراجعا عن تنفيذ العملية التي يتم التحقيق جديا من قبل اكثر من طرف في اهدافها الحقيقية بعدما توافرت معطيات جدية عن وجود مخطط «مرسوم» بعناية لافتعال مواجهة قرب منزل وهاب حيث من المفترض ان يسقط «قتيلا» في مواجهة مسلحة تضيع فيها المسؤوليات، وكل ذلك حصل في توقيت «مريب» جاء بعد عودة السفير السعودي الى بيروت بعد ترقيته، والزيارة المفترضة لقائد المنطقة الوسطى في الجيش الاميركي جوزف فوتيل الى بيروت.

 

«نقطة على السطر»..؟

 

ففيما كانت جميع القوى السياسية «خارج السمع» وتراقب ما يجري على الارض، وفيما كان النائب السابق وليد جنبلاط يمنح العملية الغطاء الدرزي المطلوب من بيت الوسط، اكد مصدر قيادي مسؤول في حزب الله لـ«الديار» ان الحزب كان الجهة الوحيدة التي تدخلت ورفعت الصوت عاليا لمنع البلاد من الانزلاق الى حافة الحرب الاهلية في الجاهلية، وكان تدخله المباشر من خلال الضغط على رئيس الحكومة سعد الحريري، وفرع المعلومات، والقضاء حاسما في وقف العملية قبل ان تخرج الامور عن السيطرة. وقد ابلغ الحزب كل هؤلاء انه يرفض استخدام القضاء لغايات سياسية، ويرفض ايضا استخدام الاجهزة الامنية بهذا المستوى من اللامسؤولية من قبل السلطة السياسية، وكانت «رسالة» الحزب واضحة ودون اي التباس او مواربة، ومفادها: نحن نوفر مظلة أمان كبيرة للوزير وئام وهاب، ولن نسمح اطلاقا باستفراده كما استفراد اي من حلفائنا، «ونقطة على السطر»…

 

وقائع الاتصالات «الساخنة»..

 

وفي الوقائع، باشرت قيادة الحزب الاتصالات «الساخنة» منذ تحرك «القوة الضاربة» الى الجاهلية، فتولى الحاج حسين خليل الاتصال برئيس الحكومة، فيما تولى الحاج وفق صفا الاتصال بالعماد عماد عثمان، ومدعي عام التمييز سمير حمود، وكانت الرسالة شديدة اللهجة، حيث تم ابلاغ الاطراف الثلاثة ان ما يحصل خطير جدا، وسياخذ البلاد الى عواقب وخيمة، ونقل صفا رسالة واضحة من حارة حريك لعثمان ومفادها: «لا تلعبوا بالنار لاننا سنمنعكم بكافة الوسائل من اخذ البلاد الى حرب اهلية».. وكان واضحا منذ البداية ان عثمان وحمود لم يكونا راضيين عن تنفيذ العملية لكنهما رضخا لضغط سياسي من الرئيس المكلف الذي لم تعرف حتى الان خلفيات قراره، وما اذا كان فقط النائب السابق وليد جنبلاط هو من اقنعه بان هذه العملية ستمر دون خسائر..لكن الضغوط استمرت لتجنب الاسوأ قبل وصول الدورية الى الجاهلية، لكن بقيت الاوامر على حالها، فتصاعدت حدة التوتر، ومعها تصاعدت حدة «الرسائل»، وعندما وصلت القوة الى محيط الجاهلية، اقتنع آمر الدورية بان ما كان يحكى «عبر الهاتف» ليس مجرد «تهويل»، فابلغ قيادته بخطورة ما يحصل، فكان قرار رئيس الحكومة التراجع عن قراره وانتهت الامور باقل ضرر ممكن…

 

علما ان المعلومات تفيد بان الرئيس ميشال عون لم يأمر بها، لكنه اطلع عليها بعد وقوع الاحداث وبدأ بتلقي التقارير من قيادة الجيش لحظة بلحظة، واعطى توجيهاته بضبط الوضع كي لا يؤدي الى فتنة ومشاكل، لان الرئيس عون ومن خلال عمله العسكري يعرف كيفية تحريك القوات ومن خلال الاوامر ابعد القوى المنتشرة عن بعضها وامرها بالانسحاب وفك الطوق عن الجاهلية، وانهى الامور قبل ان تتصاعد الاشكالات وسقوط قتلى وجرحى، ولو سقط 20 قتيلاً من الجاهلية عندها سينقل التوتر الى كل الشوف لانه تم اقتحام بلدة مسالمة ليس فيها ثكنات عسكرية ولا مراكز لداعش بهذه القوة من الآليات المحملة بالرشاشات والقناصة والمصفحات.

 

اسئلة «حائرة»..؟

 

وفي هذا الاطار، لا يوافق الحزب على المس بالكرامات والاساءة الى الرموز من اي جهة كانت وابلغ الجميع انه ياسف للانحدار الكبير الذي حصل في الخطاب السياسي والاعلامي خلال الاسبوع الماضي من جميع الاطراف، ولكن ما قام به الوزير وئام وهاب هو في اقصى الاحوال جريمة قدح وذم، وهذا الامر يتم متابعته عبر القضاء المختص. وتتساءل الاوساط القيادية في حزب الله، هل الذي ارسل هذه الدورية كان يعلم بالمحاذير السياسية والطائفية القائمة في البلد؟ هل كان يعرف اين يمكن ان تؤدي الامور؟ هل كان يدري ان الامور كانت ذاهبة الى فتنة في الجبل؟ وربما فتنة طائفية في البلاد؟ اذا كان من سهل وامر واوعز لا يعرف بذلك فتلك مصيبة، اما اذا كانت هناك نية مبيتة بالجريمة فذلك سيكون امرا في غاية الخطورة؟

 

هل كان الهدف «مقتل» وهاب؟

 

ووفقا لمعلومات «الديار» فان ما جرى في الجاهلية يخضع الان بشكل جدي وعلى اعلى المستويات للمتابعة، والتدقيق للوصول الى اجوبة حاسمة، لان تلك الاجابات على درجة كبيرة من الاهمية، وسيبنى عليها الكثير في المقبل من الايام. وبحسب اوساط معنية بهذا الملف، فان الطريقة التي تم التعامل بها مع هذه القضية، اي ارسال 40 آلية ومئة عسكري وضابط خارج الدوام الرسمي بعد ظهر يوم السبت، لم يكن الهدف منه تبليغ الوزير وهاب اي مذكرة احضار او جلب بحقه، وثمة معلومات يجري تتبعها وهي تشير الى ان الهدف المضمر لهذه العملية كان القتل العمد عن طريق افتعال اشتباك داخل المنزل وفي محيطه بحيث يؤدي هذا الاشتباك الى اطلاق نار متبادل يقتل خلاله وئام وهاب، وعندها سوف يتم تصوير الامر على انه قتل عرضي حصل خلال المواجهات المسلحة، وبعد ذلك سيتم تقاذف المسؤوليات والاتهامات حول مرتكب الجريمة ثم يجري لفلفة الموضوع لاحقا.

 

«توقيت» عملية الجاهلية «مريب»

 

ولم تخف تلك الاوساط قلقها ازاء خلفيات ما حدث في الجاهلية لجهة ارتباط التوقيت بعودة السفير السعودي الوليد البخاري الى بيروت بعد ترقيته من رتبة قائم بالاعمال، وهو حمل معه «تعليمات» جديدة من القيادة السعودية الى الحلفاء في بيروت مفادها ان المملكة «بخير» ولا داعي للقلق ازاء الضغوط الدولية المرتبطة بقضية جمال خاشقجي، ولذلك لا داعي للقلق لان الملك سلمان وولي العهد لن يتخليا عن لبنان… اما الاخطر برأي تلك المصادر فهو تدبير هذه العملية على «عجل» ودون عمق تفكير ازاء مخاطرها الداخلية عشية ما حكي عن زيارة قائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي الجنرال جوزف فوتيل الى بيروت، ووفقا للمعلومات فان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الذي «طبخ» العملية مع الرئيس سعد الحريري ارادا من خلالها استدراج الاهتمام الاميركي بالداخل اللبناني في ظل عدم اكتراث الادارة الاميركية «وتطنيشها» عن الساحة اللبنانية، وهذه العملية «الرسالة» لو نجحت لكانت بمثابة «الهزة» المطلوبة لافهام ادارة ترامب ان الحلفاء في بيروت يستطيعون «التحرك»، ويجب عدم ترك الساحة لايران والنظام السوري، حيث يعيش جنبلاط راهنا «فوبيا» عودة دورهما «الثقيل» الى الساحة اللبنانية.

 

هل تسعى الرياض الى «الفتنة»؟

 

وتذكر تلك الاوساط، انه في العام الماضي في مثل هذه الايام، كان الرئيس المكلف سعد الحريري معتقلا في السعودية، وكانت تعليمات محمد بن سلمان وتامر السبهان واضحة لاكثر من جهة في الداخل لدفع البلاد الى حافة الحرب الاهلية عن طريق الايحاء بان الحريري بصفته رئيس الحكومة السني استقال بسبب الاجواء الطائفية في لبنان، وكانت التعليمات واضحة الى عدد من العلماء لالقاء خطب تحريضية تؤدي الى فتنة بين السنة والشيعة، وقد تم وأد الفتنة عن طريق التدخل العاقل والحكيم لرئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس المجلس النيابي نبيه بري وحزب الله حيث جرى العمل سويا من اجل عودة الرئيس الحريري الى البلاد، وهذا ما جنب لبنان الوقوع في حرب اهلية مدمرة… فهل عادت «حليمة الى عادتها القديمة»؟

 

الرابحون.. والخاسرون ..؟

 

والى ان تتضح خلفيات هذه الاحداث، ترى تلك الاوساط ان حزب الله خرج اكبر المنتصرين لانه منع حربا اهلية في البلاد واثبت مرة جديدة انه لا يتخلى عن حلفائه مهما بلغت تعقيدات الامور وصعوباتها، وهو من خلال تدخله لحماية وهاب من «التعسف» في استخدام السلطة، اثبت انه يضع الوفاء والالتزام مع حلفائه على مستوى اعلى من السياسة.. في المقابل فان اكبر الخاسرين رئيس الحكومة المكلف الذي اثبت انه «متهور» وذكر الجميع بمغامرات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان «الطائشة»، اما ثاني اكبر الخاسرين فهو النائب السابق وليد جنبلاط الذي اخفق مجددا من خلال حساباته الخاطئة، فبعد النتائج الانتخابية التي حققها الوزير وئام وهاب، والموقف الشجاع الذي وقفه عقب احداث الجاهلية مدعوما من حزب الله، عزز حيثيته الشعبية في منطقته وكسر «الآحادية» الدرزية، وبات رقما صعبا في المعادلة داخل الجبل، والعمل يجري الان على قدم وساق لانشاء تحالف عريض يضم كل القوى الدرزية الوطنية من الوزير طلال ارسلان الى الوزير وهاب والحزب السوري القومي الاجتماعي وفيصل الداوود، ومن المفيد التذكير انه لم يكن ليعود الحديث عن «لم الشمل» بين هذه القوى لولا ارتكاب جنبلاط هذا «الفول» الذي ظهر من خلاله انه «يستبيح» دماء الدروز لمصالح سياسية ضيقة.

 

«الاشتراكي» عند حزب الله اليوم..

 

وفيما يفترض ان يلتقي وفد من الحزب التقدمي الاشتراكي برئاسة غازي العريضي المعاون السياسي للسيد نصرالله الحاج حسين خليل بعد ظهر اليوم، لبحث تداعيات ما حصل في الجاهلية، وجه النائب السابق وليد جنبلاط رسالة «تهدئة» الى «الرفاق والمناصرين» عبر تويتر وقال: هناك كالعادة سلسلة من الاخبار الغريبة والمحرضة. واوضح ان التنسيق مع حزب الله منتظم كالعادة بالرغم من تفاوت وجهات النظر في بعض الامور.. اما في ما يتعلق بما جرى في الجاهلية فانني اتقدم بالتعازي بالشهيد محمد ابودياب. وكلنا في خدمة امن الجبل ايا كانت الخلافات.

 

«التيار» واولوية الحكومة …

 

من جهتها شددت اوساط التيار الوطني الحر على ضرورة ان تاخذ الامور مجراها القانوني الطبيعي في حادثة الجاهلية وهي تفضل التركيز على إنجاح مبادرة الوزير جبران باسيل الحكومية الان لاخراج البلاد من المازق الراهن.. وهي في هذا السياق تشدد تلك الاوساط على ضرورة التهدئة، وقد نقل وفد «التيار» الذي زار الجاهلية لتقديم العزاء «رسائل» بهذا الخصوص الى مختلف المرجعيات الدرزية في الجبل، وقد اكد وزير البيئة في حكومة تصريف الاعمال طارق الخطيب، انه حمل «رسالة تعزية من رئيس التيار الوزير جبران باسيل، الى رئيس حزب التوحيد العربي وئام وهاب»، وقال: «ان أي شهيد يسقط في الجبل هو خسارة للجبل ولبنان ولكل اللبنانيين وليس فقط لعائلته وبلدته».

 

والمحت مصادر «التيار» الى ان المسار على الصعيد الحكومي يوحي بالايجابية خصوصا ان بعض الافكار ومنها حكومة 32 لم تلق اي رفض بعد من اي طرف سياسي وهي لا تزال قيد الدرس… وقد التقى الوزيرباسيل النائب وائل ابوفاعو بالامس ويعمل الان على خط التهدئة الدرزية – الدرزية.

 

حزب الله في الجاهلية..

 

وكان نائب رئيس المكتب السياسي في حزب الله محمود قماطي الذي ترأس وفد حزب الله الى الجاهلية قد اكد أن «الاستقرار في لبنان والجبل هدف أساسي وسياسة ثابتة بالنسبة لنا ويهمنا أن يبقى الجبل آمنا ولا نوافق على أي فتنة لا في الجبل ولا في الوطن». واعتبر أن «هدف القوة التي دخلت الجاهلية لم يكن التبليغ بل كان أكبر من ذلك، وهذا التصرف كاد ان يؤدي الى فتنة ومجزرة»، وأضاف أن على القضاء والقوى الامنية أن يبقوا «خارج التسييس والكيدية السياسية». وفي سياق آخر، اوضح أن «محور المقاومة انتصر في المنطقة، أما في لبنان فنحن لا يمكن أن نتعاطى بمنطق المهزوم والمنتصر بل نتعاطى على قاعدة الشراكة».

 

وهاب سيزور ارسلان

 

من جهته قال رئيس حزب التوحيد العربي وئام وهاب ان «تاريخ حزب الله كله وفاء ووفد الحزب حمل ما يجب أن يحمله الينا». وسخر قائلاً لم يكن ينقص فرع المعلومات الا ان يحضر معه «منشار» الى الجاهلية. واضاف «لم أتعرض أبدا لرفيق الحريري أما بالنسبة لسعد الحريري فما الخطأ في أن يكون لي موقف معارض له؟ وقد اعلن وهاب عقب زيارة وفد من الحزب الديمقراطي الى الجاهلية انه سيزور النائب طلال ارسلان عقب الانتهاء من واجب التعزية… وقد طالب موكله المحامي معن الاسعد تنحي القاضي سمير حمود وطالب بشكل رسمي نقل القضية الى محكمة المطبوعات».