الديار: عمليّة ابتزاز يخضع لها لبنان : إمّا مُحاصرة حزب الله أو مُصادرة أموال «سيدر»

مسؤولون غربيّون : الفرصة الممنوحة للحكومة لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة بدأت تتآكل

 

بولا مراد

تتقاطع التطورات التي تشهدها الساحة الداخلية الى حدّ كبير مع الهجمة الدولية على لبنان وتسابق المسؤولين الأميركيين والأوروبيين لزيارة بيروت، والتي ستتوّج بوصول وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في الساعات المقبلة، في محاولة منه لاستكمال ما بدأه مساعداه دايفيد هيل ودايفيد ساترفيلد، وإيصال رسائل حاسمة بمحاصرة «حزب الله»، وحثّ الأطراف اللبنانية المتحالفة مع الإدارة الأميركية على الانخراط في مشروع الاستهداف الذي يطال الحزب، وإنشاء جبهة داخلية قادرة على ممارسة الضغوط على المقاومة، وتوظيف هذه الضغوط كشرط مسبق، قبل صرف أموال مؤتمر «سيدر» وتقديم المساعدة الموعودة للبنان بملفّ النازحين السوريين.

ويبدو أن ممارسة الضغوط المالية والاقتصادية على لبنان، الهادفة الى إخضاعه للشروط الدولية، وما تحمله من تداعيات خطيرة على البلاد، تأخذ أشكالاً مختلفة، حيث أكدت مصادر دبلوماسية غربية أن «منسوب التشاؤم بدأ يرتفع لدى الدول والمؤسسات المساهمة في تمويل مشاريع «سيدر»، من قيام لبنان بتنفيذ الإصلاحات المطلوبة». وأشارت الى أن «فرصة الأشهر الثلاثة الممنوحة للحكومة اللبنانية للالتزام بتطبيق الإصلاحات بدأت تتآكل، وبالتالي لا يمكن صرف الأموال على قاعدة إغداق الوعود فقط، في مقابل الإخفاقات ورعاية محميات الفساد السياسي والإداري والمالي في بنية الدولة»، معتبرة أن «تعاظم نفوذ «حزب الله» داخل المؤسسات الدستورية والإدارات الرسمية، لا يساعد على تهيئة الظروف، والرغبة الدولية في مساعدة لبنان في المرحلة المقبلة».

في هذا الوقت حذّرت مصادر سياسية مقربة من «حزب الله» من «تحويل لبنان الى صندوق بريد لرسائل غربية وأميركية، ومحاولة بعض القوى الداخلية تقديم أوراق اعتماد إضافية للأميركيين على حساب وحدة البلد ومؤسساته وسيادته». ولفتت الى أن «بعض القوى السياسية تراهن على نجاح الضغوط والعقوبات الغربية لإضعاف الحزب حتى لو كان الثمن على حساب جميع اللبنانيين، بدليل الهجوم المعاكس الذي يشنّه البعض على خطة الحزب الآيلة لفتح معركة الحرب على الفساد».

مؤشرات التصعيد الأميركي، تلاقيه تهديدات إسرائيلية مبطنة، عبر مزاعم كشفها الجيش الإسرائيلي، وتفيد بأن «وحدة عسكرية وأمنية، سرية تابعة لـ«حزب الله»، تعمل على جمع المعلومات، في منطقة الجولان». وبحسب مصادر عبرية، فإن «معظم أعضاء الوحدة يسكنون في الجانب السوري من هضبة الجولان، وخططوا للقيام بعمليات ضد أهداف إسرائيلية من هناك، في حال وقوع حرب مع حزب الله». وتقول المزاعم الإسرائيلية، إن «حزب الله جنّد مؤخرا، العشرات من سكان القرى في الجولان السوري، ضمن وحدة قتالية يرأسها علي موسى عباس دقدوق، المعروف بـ«أبي حسين ساجد»، وتهدف هذه الوحدة إلى تنفيذ هجمات وعمليات ضد أهداف إسرائيلية».

أما على صعيد الملفات الداخلية، فلا يزال لقاء المصالحة الذي جمع رئيس الحكومة سعد الحريري باللواء أشرف ريفي في منزل رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة طاغياً على بقية الأحداث، وبات واضحاً أن هذه المصالحة أبعد من تحييد ريفي عن معركة انتخابية يخوضها تيار «المستقبل» في عاصمة الشمال لإعادة ديما جمالي الى كتلته النيابية، بل هي مؤشر الى محاولة إعادة تكوين ما تبقى من جبهة «14 آذار»، قادرة على تشكيل نواة تترجم بعض تطلعات الأميركيين، وتواكب التطورات الحاصلة على مستوى المنطقة والتي سيكون لبنان جزءاً منها. وقد كشفت مصادر مطلعة أن «مصالحة الحريري ــ ريفي، تنسجم مع الرغبة السعودية بإعادة لمّ شمل الساحة السنية، وهذا الأمر كان في صلب اللقاءات التي عقدها الحريري في المملكة العربية السعودية قبل يومين، وتلبّي الرغبة الأميركية باستنهاض حلفاء واشنطن، وأريد لهذه المصالحة أن تتزامن مع ذكرى الرابع عشر من آذار».

لكنّ الرغبة السعودية ــ الأميركية بضخّ الروح مجدداً في جسم ما كان يعرف بفريق «14 آذار»، دونه صعوبات كبيرة، حيث قللت شخصية سياسية كانت تشكل رأس حربة في مشروع «14 آذار» السابق من أهمية ما يحصل، لافتة الى أن «التسوية الرئاسية التي أبرمت في تشرين الثاني 2016 أجهضت أي محاولة لإعادة توحيد صفوف هذا الفريق، طالما أن الشركاء فيها خصوصاً «المستقبل» و«القوات اللبنانية» باتوا في صلب السلطة، ويمارسون دورهم في الدولة على قاعدة تقاسم الحصص والمكاسب مع القوى الأخرى الحاكمة، وليس على قاعدة الالتزام بالمشروع السيادي وبناء الدولة القوية والقادرة والعادلة، التي يتساوى فيها جميع اللبنانيين في الحقوق والواجبات.

وفي موازاة التطورات السياسية، تتسارع الملاحقات القضائية التي تطال عشرات الموظفين في قصور العدل والمؤسسات الأمنية في ملفات الفساد، وبات عدد الموقوفين فيها أكثر من 50 شخصاً من مساعدين قضائيين وعناصر أمن متواطئين معهم ومدنيين عملوا كسماسرة وشكلوا حلقة وصل بين الموظفين في الدوائر القضائية ومطلوبين للعدالة، من أجل التلاعب في ملفاتهم، وتمكينهم من النفاذ من التوقيف، فيما انسحبت الملاحقات القضائية على وزارة التربية لتشمل كبار الموظفين المتورطين بتزوير شهادات رسمية والمصادقة عليها.

في هذا الوقت، شدد رئيس الجمهورية ميشال عون، على «ضرورة تحرير القضاء من التبعية السياسية والتدخلات، وعلى ضرورة وقف كل التجاوزات». وأكد أمام وفد من الهيئة التنفيذية للمرشدية العامة للسجون ان «موضوع السجون سيكون جزءاً اساسياً من الملف القضائي الذي سيُبحث بكل تفاصيله في المؤتمر القضائي الذي سيعقد في قصر بعبدا».

أما وزير العدل البيرت سرحان، فأعلن أنه يواكب التحقيقات مع الموقوفين بملفات الفساد، وطمأن المواطنين والموظفين والقضاة إلى أن «البريء ستظهر براءته، والمذنب سينال عقابه، ولن يكون هناك ظلم لأحد، والعدالة ستأخذ مجراها». وقال الوزير سرحان «سنعمل على استئصال جذور الفساد في القضاء وسائر الإدارات الرسمية».

وتحتل ورشة التشريع الحيّز الأكبر في عمل المجلس النيابي، وفق تعبير رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي أكد أن «الاولوية والمعركة الأساسية اليوم هي إقرار الموازنة في مجلس الوزراء وإحالتها الى المجلس النيابي في اسرع وقت»، معتبراً ان «حسم هذا الاستحقاق هو اساس في الإصلاح المالي ومحاربة الهدر». ونقل النواب الذين التقوا برّي خلال «لقاء الأربعاء»، عنه أنه «سيدعو الى جلسة اسئلة واجوبة، بسبب وجود 17 سؤالاً نيابياً موجهاً للحكومة حتى الآن».