مهما جاءت مساعدات خارجية فطالما الطبقة السياسية تسرق أموال الشعب فلا خروج من الازمة
هل تم حسم الامر والدولار لن يعود بعد اليوم تحت سعر الـ 2000 ليرة على الأقل ؟
المُحلّل الإقتصادي
أصبحت الأسعار الأن على قيمة الدولار 2500 ليرة، والفقر والجوع يزدادان بحكم أن مدخول الرواتب يُحسب على سعر صرف الدولار الرسمي، أي 1500 ليرة، مما يُقلّل من القدرة الشرائية لأكثر من 80 % من الشعب اللبناني الذي يُنفق مدخوله على أساس سعر صرف 2500 ليرة لبنانية للدولار الواحد! والواضح من تطوّر الأمور أنه لن تمرّ ثلاثة أشهر كحدٍ أقصى حتى تندلع ثورة شعبية من أهل الجوع والفقر، ولن تكون هذه الثورة طائفية بل شعبية وستكون ثورة على كل الطبقة السياسية وكل الحكام وكل المسؤولين وكل الرؤساء والنواب والوزراء الذين مرّوا والحاليين.
ذهبت الفرصة الذهبية لمؤتمر سيدر1 حيث أضاعت الحكومات والدولة سنتين وأربعة أشهر ولم تقم بالإصلاحات المطلوبة. من المسؤول؟ لماذا لم تجر الإصلاحات؟ خصوصاً آخر ثلاث سنوات وأربعة أشهر… وليس فقط هذه الفترة، بل يُمكن الرجوع إلى تسعينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا.
المُحزّن أكثر أن أداء الحكومة الحالية يُظهر أنها علاج «أسبرين» و«بنج» لمدة أقصاها ثلاثة أشهر! حيث انها تتجه إلى عدم دفع إستحقاقات ديونها مما سيُشكّل فضيحة كبيرة تضرب مصداقية لبنان وسيكون تصنيفه تحت الصفر كبلد غير صالح للاستثمار. توجّهات الحكومة هذه أتت بناءً على صدى الشارع ونصائح القوى السياسية التي تخشى أن يتمّ دفع المُستحقات مما سيؤجّج الشارع أكثر نظرًا إلى أن سياسيين وأصحاب نفوذ هرّبوا أموالهم إلى الخارج والحكومة لم تفعل شيئاً لاستردادهم. سكوت مُدوّ عن الفساد والفاسدين ولا عقاب إلا للشعب المسكين الذي يئن تحت ظلم طبقة سياسية تعبث بمالية الدولة منذ أكثر من ثلاثة عقود.
فشل الحكومات السابقة في القيام بإصلاحات أضرّ بشكلٍ كبير باقتصاد لبنان وبقطاعه المصرفي، ولولا تدابير مصرف لبنان لخرجت كل الودائع من لبنان التي كانت تبلغ 182 مليار دولار. أما الآن فقد أصبحت 150 مليار دولار خلال ثلاثة أشهر! ولولا تدابير حاكم مصرف لبنان لانتهت ودائع لبنان في شهر واحد وربما في أسبوع واحد. في هذا الوقت تتربص الدول المجاورة بلبنان مثال قبرص وتركيا واليونان ومصر
الذين ينتظرون بتلهفّ الودائع في المصارف اللبنانية لإعطائها فوائد عالية بعد أن مروا بأزمة وحلوا قضيتهم حلاً جذرياً.
مُهمّة صندوق النقد الدولي
إنتهت مُهمّة صندوق النقد الدولي في لبنان على صورة قاتمة: لا ثقة بالطبقة السياسية في لبنان للقيام بإصلاحات ومحاربة الفساد. وتُشير المصادر إلى أن بعثة صندوق النقد الدولي خلصت إلى نتيجة مُحزنة وهي أنه مهما جاءت مساعدات خارجية إلى لبنان، فطالما الطبقة السياسية تسرق أموال الشعب فلا خروج من الازمة! هذا الانطباع لدى البعثة مردّه إلى غياب أي طروحات من قبل الحكومة مما يُظهر عدم جدّية السلطة السياسية في لبنان في القيام بإصلاحات.
وقد قام الوفد الصندوقي بالإجتماع مع كل الأطراف السياسية والإقتصادية والمالية والنقدية كلٌ على حدى من دون الخلوص إلى إجراءات عملية باستثناء أن الصندوق ينتظر من الحكومة خطّة لمواجهة الأزمة والتي كان من المفروض أن تعرضها عليه للأخذ برأيه.
إذا ينتظر الصندوق من الحكومة الخطة في ضوء ما تمّ نقاشه في الإجتماعات مع كافة المسؤولين، وهذا يعني أن التوجّه الإجمالي هو نحو دفع الإستحقاقات القادمة نظرًا إلى أن المفاوضات مع المُقرضين لم تبدأ بعد، وبالتالي أي تخلّف عن الدفع سيضع لبنان في وضع قانوني لا يُحسد عليه.
كان الإجتماع مع حاكم مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف بحث في آلية خفض الدين العام وإعادة تكوين رأسمال المصارف، إضافة إلى «إمكانية» تحرير سعر صرف الليرة وتنشيط الإقتصاد.
لكن هل تم حسم أمر تحرير صرف سعر الدولار ولن يعود بعد اليوم تحت سعر الـ 2000 ليرة على الأقل؟ هذا الأمر يطرحه تصريح رئيس لجنة الرقابة على المصارف سمير حمّود الذي قال: «هناك حرص على عدم المسّ بالودائع مع التشديد على تحرير الودائع قبل تحرير سعر صرف الليرة اللبنانية». وهذا يعني أن قرار تحرير سعر الليرة تمّ أخذه مع احتمالات مُرتفعة! وهذا الأمر إن حصل، فستُصبح صفيحة البنزين بـ 41 ألف ليرة لبنانية، كما أن أسعار الأدوية والخبز وكل شيء سيرتفع بما يقل عن الضعف!
مواجهة الاستحقاقات الآنية
هذا الأمر وعلى الرغم من أهمّيته، يطرح السؤال الأساسي حول قدرة الدولة على سدّ إستحقاقاتها المالية من سندات اليوروبوندز والتي تمتدّ إلى العام 2037 (حتى الساعة) ؟ فالعام 2020 يحوي على 4.5 مليار دولار أميركي إستحقاقات بالعملة الأجنبية، والعام 2021 يحوي على 3.9 مليار دولار أميركي، والعام 2022 يحوي على 3.67 مليار دولار أميركي… وفي ظل تراجع الإقتصاد والمالية العامّة وعدم إمكانية الإقتراض في الأسواق هناك شبه حتمية للتعثّر الفعلي في الدفع مع ما له من تداعيات سلبية!
هذا الأمر يعني أن لا مجال لا من قريب ولا من بعيد إلا بخطّة مالية – إقتصادية – نقدية مُتكاملة تسمح من جهة بمواجهة الإستحقاقات الآنية (ماليا ونقديا) وفي الوقت نفسه تُحفز الإقتصاد لكي يُصبح قادرًا على سدّ هذه الإستحقاقات من خلال الضرائب على النشاط الإقتصادي.
مواجهة الإستحقاقات الآنية تعني بكل بساطة إيجاد الأموال اللازمة لسدّ الإستحقاقات سواء كانت هناك إعادة هيكلة أو لا! فعدم دفع إستحقاقات أذار يعني وقف الدفع حتى إيجاد حلّ مع المُقرضين سواء كان عبر إعادة هيكلته أو عبر إعادة جدولته، ولا يعني بأي شكل من الأشكال أن لبنان لن يدفع في المطلق دينه! إذًا من أين ستؤمّن الحكومة اللبنانية الأموال لدفع إستحقاقاتها من العملة الإجنبية؟
خيار اللجوء إلى صندوق النقد الدولي هو بالطبع لتعزيز موقع لبنان بغطاء من مؤسسة ذات مصداقية لأي حلّ مستقبلي. الحكومة طلبت مساعدة تقنية فقط، لكن البعض يُرجّح أن هذا الطلب هو مُقدّمة لطلب مساعدة مالية من الصندوق نظرًا لقلّة الخيارات الأخرى وخصوصًا الداخلية منها نظرًا إلى كلفتها الإجتماعية والسياسية.
هذا الواقع يجعل الحكومة في موقع صعب إذ ان بعض القوى السياسية ترفض مبدأ اللجوء إلى صندوق النقد الدولي خوفًا من أن يكون هناك أثمان سياسية على لبنان دفعها، ومن جهة أخرى كل الحلول الداخلية ستواجه داخليًا باحتجاجات شعبية خصوصًا أن فضيحة تحاويل الأموال إلى الخارج بطريقة إستنسابية، تركت لدى الرأي العام إنطباعًا أن الفاسدين هرّبوا أموالهم وأن الشعب هو من سيدفع الثمن.
على كلّ الأحوال سواء قامت الحكومة باعتماد حلّ داخلي أو حلّ خارجي، هناك إلزامية عليها لإيجاد حلّ لعدّد من المشاكل:
أولا – مُشكلة الفساد الذي يُشكّل عقدة لدى المُجتمع الدولي أكثر مما يتصوّره الرأي العام اللبناني. فثقة الأميركيين والفرنسيين والخليجيين (وبغضّ النظر عن البعد السياسي) في السلطة السياسية، هي في أدنى مستوياتها. وينقل البعض أنه لا يُمكن للبنان الإستفادة من أي قرش مُساعدة (أي دين بفائدة مُنخفضة) إلا إذا تمّت مُحاربة الفساد.
وهنا تظهر أوّل مُشكلة مع ملفّ الكهرباء حيث العقدة الأساسية تأتي من البنك الدولي الذي (وبحسب معلومات) يرفض رفضًا قاطعا المُساهمة في أي مشروع قبل حلّ مُشكلة الكهرباء التي تمّ تصنيفها بأنها الخطر الأول على المالية العامّة مع أكثر من 40 مليار دولار أميركي خسائر منذ العام 1990. لكن ملف الكهرباء ليس بالوحيد، فالإتصالات، تأتي أيضا في المرتبة الثانية مع إعتقاد المُجتمع الدولي أن الإتصالات في لبنان هي وكر للفساد يتمّ فيه تحميل كلفة التشغيل لخزينة الدولة في حين أن الأرباح تذهب إلى مكان آخر! أيضا يأتي ملف الجمارك الذي، بالإضافة إلى بعده المالي عبر حرمان الدولة من مليارات الدولارات سنويًا، يأخذ بعدًا سياسيًا مع طلب واضح من الدول الغربية والخليجية بالسيطرة على الحدود الشرقية، إضافة إلى مرفأ بيروت والمطار.
على هذا الصعيد، كان مُلفتا تصريح فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي قال لزواره الأجانب إن همّ الحكومة الأوّل سيكون مُحاربة الفساد، كما أن دولة رئيس مجلس النواب نبيه برّي أكّد لصندوق النقد الدولي «حرص لبنان على الالتزام بالاصلاحات الجذرية المطلوبة وعلى كافة الاصعدة لضمان نجاح العملية الانقاذية وعودة الثقة بلبنان».
ثانيا – تحفيز الإقتصاد الذي يُشكّل تحدّياً كبيراً للحكومة على عدّة جبهات، منها سياسي ويتمثّل بمقاطعة واضحة من قبل الدول المانحة التي تفرض شروطاً على لبنان لتحرير الإستثمارات (أموال سيدر وغيرها)، ومنها ما هو مالي عبر لجم العجز في الموازنة، ولكن أيضًا إداري عبر السيطرة على القطاع العام الذي أخذ أحجامًا أصبحت تُشكّل خطرا على الكيان اللبناني. تحفيز الإقتصاد، له وزن أساسي في قدرة الدولة على سدّ دينها العام حيث يتوجب على الحكومة تحفيز النمو إلى مستوى تُصبح معه الضرائب كافية لتسديد الديون.
ثالثًا – مواجهة الفقر الذي يطال الطبقة الاجتماعية الأكثر تضرّرًا من الأزمة ولكن أيضًا الإستمرار في تأمين العملة الصعبة لتمويل الاستيراد خصوصًا من المواد الغذائية والمواد الأوّلية. وهذا الأمر لا يُمكن أن يتمّ من دون مُساعدة مصرف لبنان الذي يُشكّل إحتياطه العنصر الضامن في هذه اللعبة.
حلّ داخلي أو خارجي؟
كلّ بيت القصيد هو لمعرفة من أين سيتمّ تمويل الإستحقاقات المالية على المدى القصير إلى المُتوسّط. وهنا يبرز خيار طلب مساعدة صندوق النقد الدولي الذي سيكون له شروط منها ما تمّ ذكره أعلاه ومنها ما هو إضافي مثل الخصخصة لتأمين إيرادات إضافية.
الفكرة تتمحور حول أخذ مساعدة من الصندوق لمواجهة الإستحقاقات بهدف القيام بإصلاحات ليُصبح الإقتصاد قادرًا على سدّ الإستحقاقات عبر الضرائب. لكن السؤال الأساسي : من يضّمن أن الإقتصاد «سيُقّلع» في المدى القصير خصوصًا إذا ما استمر التضييق الدولي على لبنان؟ فخلال هذه المرحلة يتوجّب على الحكومة إجراء إصلاح هيكلي في الموازنة، أي رفع الإيرادات بشكل مُستدام من خلال الضرائب والرسوم وفي الوقت عينه خفض الإنفاق من خلال خفض كلفة القطاع العام خصوصًا على صعيد الأجور. وهنا تكمن مخاوف المسؤولين، فالضرائب لا تُجدي نفعًا في الوقت الحالي نظرًا إلى ضعف النشاط الإقتصادي وضعف الجباية، ولكن أيضًا المسّ بالقطاع العام سيؤدّي حكمًا إلى هز الشارع من جديد مع غياب أي مُحاسبة للفاسدين. وقد يكون هذا هو السبب الذي دفع الرئيس حسان دياب الى إرسال رسالة إلى الأسواق عبر الطلب من كل وزرائه التوقيع على تعهّد بعدم الترشّح للإنتخابات النيابية في تمهيد لعملية قاسية يُريد فيها تحمّل المسؤولية وحيدًا.
إذًا لتبسيط الأمور سيتمّ إقتراض الأموال من صندوق النقد الدولي لدفع المُستحقات التي هي بمعظمها داخلي بحكم أن 84 % من الدين العام هي داخلي (ولا نتحدّث عن إستحقاق 9 آذار الذي من الظاهر أن النسب تبدّلت بعد عملية بيع اليوروبوندز!)، لتُعاود الحكومة فرض ضرائب للحصول على إيرادات لسدّ دين صندوق النقد الدولي.
الحلّ الداخلي يقضي بأن يقبل المُقرضين الداخليين خفض الفوائد على دين الدولة (مودعين، مصارف، ومصرف لبنان) خلال عام أو عامين بشكل يسمح للحكومة بإجراء الإصلاحات المنصوص عليها أعلاه من دون اللجوء إلى فرض ضرائب إضافية ورسوم ستزيد من نسبة الفقر ولكن أيضا ستؤدّي إلى إحتجاجات عنيفة في الشارع. هذا الحلّ يبقى الأقل كلفة على المواطن اللبناني.
والسؤال الذي يجول في فكر القارئ في هذه اللحظة : هل يُمكن للمواطن اللبناني تحمّل مثل هذه الفاتورة حاليًا خصوصًا مع زيادة نسبة الفقر؟
الأرقام تُشير إلى أن ما يُقارب الـ 7.5 مليار دولار أميركي (بالدولار أميركي والليرة اللبنانية) تمّ سحبها في العام 2019 من القطاع المصرفي على شكل كاش (Cash)، إضافة إلى عدّة مليارات من الدولارات تمّ تحويلها إلى الخارج من قبل بعض السياسيين وأصحاب النفوذ خصوصا في الفترة التي تلت 17 تشرين الأول 2019. هذه الأرقام تُشكّل رافعة أساسية للحكومة اللبنانية في الحلّ الداخلي خصوصا أن إفلاس الدولة يعني الخسارة بالنسبة للجميع (باستثناء من حوّلوا أموالهم إلى الخارج والمحميين سياسيًا) وبالتالي هناك مصلحة للجميع بالتعاضد. هذا الأمر لا يعني إطلاقًا استخدام هذه الأموال لدفع الإستحقاقات، بل تحريرها لتحفيز الإقتصاد. إلا أن كل هذا الأمر يبقى رهينة الثقة بالحكومة اللبنانية التي لن تستطيع استعادتها داخليا أو خارجيا من دون محاربة فعليّة للفساد.