IMLebanon

الحياة: ضبط حدود لبنان بات جزءاً من امتثاله للعقوبات وتشدد واشنطن يطال متعاونين من طوائف عدة مع “حزب الله”

تطابق فرنسي مع الإدارة… وبلنغسلي طلب إبلاغ بري نفي “الشائعات عنه”

بيروت – وليد شقير

لم يعد لبنان مطالبا من الولايات المتحدة الأميركية بالامتثال إلى العقوبات المفروضة على “حزب الله”، وبتنبه قياداته السياسية إلى عدم التعاون مع الحزب لتسهيل أموره المالية والتفافه على هذه العقوبات، بل صار مطالبا أيضا بالامتثال للعقوبات المفروضة على سورية أيضا، كدولة جارة له، تسعى إيران إلى الإفادة من نفوذها فيها من أجل الالتفاف على هذه العقوبات أيضا.

 

 

وقالت مصادر متعددة المشارب لـ”الحياة” أن آخر الإجراءات التي جرى تنبيه السلطات اللبنانية إليها في الآونة الأخيرة هي التهريب على الحدود بين لبنان وسورية، والذي بات يحصل من لبنان، إليها، بعد أن كان يحصل في الخط المعاكس، أي من سورية، إلى لبنان، للبضائع السورية التي تنافس الإنتاج الزراعي المحلي. وعلمت “الحياة” أنه في الوقت الذي كانت القوات المسلحة اللبنانية تراقب الحدود لمنع التهريب إلى لبنان في الأشهر الأخيرة، بعدما كثرت احتجاجات التجار والمزارعين اللبنانيين نتيجة إغراق السوق بمنتجات نافست الإنتاج اللبناني، طرحت أزمة النقص في المحروقات في سورية وحاجة سوقها إلى التزود بالبنزين والمازوت والغاز، وببعض أصناف المواد الغذائية نتيجة الحصار المفروض عليها، وجوب قيام القوى الأمنية بضبط الحدود للحؤول دون خرق الحصار الغربي المفروض على نظام دمشق منذ مطلع السنة.

 

وأشارت مصادر مختلفة لـ”الحياة” إلى أن تجار ومهربي المحروقات على أنواعها نجحوا في البداية في تمرير كميات منها إلى سورية نظرا إلى حاجة السوق القصوى بعدما تسبب النقص فيها، والرقابة الغربية على شحنات الوقود الآتية عبر البحر من النفط الإيراني (الخاضع للعقوبات بدوره منذ تشرين الثاني نوفمبر الماضي) لسد النقص السوري، لكن هؤلاء المهربين ما لبثوا أن انكفأوا، نظرا إلى صعوبة قبول المصارف التحويلات المالية التي يتقاضونها مقابل خدماتهم. إلا أن محاولات التهريب بقيت ناشطة على معابر غير شرعية. وأفادت معلومات مصادر سياسية تحدثت إلى “الحياة” أنه جرى إبلاغ لبنان بوجوب اتخاذ التدابير لضبط المعابر.

 

ورجحت المصادر إياها أن يكون التشديد على القوات المسلحة ضبط الحدود في اجتماع المجلس الأعلى للدفاع الذي ترأسه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الإثنين الماضي، له علاقة بهذا النوع من التهريب، فبادر الجيش اللبناني إلى إقفال أحد المعابر الرئيسة الناشطة في اليوم التالي. وقالت مصادر سياسية عليمة إن امتثال لبنان إلى هذا النوع من العقوبات مفيد له بالاتجاهين إذ أن الجمارك وقوى أمنية أخرى دأبت على ملاحقة المهربين للبضائع القادمة من سورية لمنافسة مثيلتها اللبنانية.

 

وإذا كان ضبط هذا النوع من التهريب في اتجاه سورية هو أحد أوجه التعاون المطلوب من لبنان في تطبيق العقوبات على سورية، فلأنها أصبحت مرادفة للعقوبات على إيران لمنعها من تصدير نفطها، ما اضطرها لتوجيه إحدى ناقلات النفط التي كانت عبرت قناة السويس أخيرا باتجاه مرفأ اللاذقية إلى الساحل التركي، لمحاولة إفراغ حمولتها وإدخالها براً إلى سورية من طريق الحدود الشمالية التركية السورية. إلا أن مصادر متابعة لمسار العقوبات أبلغت “الحياة” أن الجانب الأميركي يرصد كافة المسارب، بحيث طلب أيضا من الجهات السورية المعارضة الحليفة له في الشمال السوري الامتثال بدورها للعقوبات، فضلا عن طلبها من الجانب التركي التشدد في هذا المجال.

 

وقالت هذه المصادر لـ”الحياة” إن أزمة الوقود كانت دفعت النظام السوري إلى إبداء استعداده لغض الطرف عن دخول القوات التركية إلى مناطق تسيطر عليها القوات الكردية، في الشمال، شرط السماح بحصول دمشق على كميات من النفط المنتج في تلك المناطق، بعد أن كانت القوات الكردية امتنعت عن تزويد النظام بها نتيجة طلب أميركي. فـ”قوات سورية الديموقرطية” كانت تسرب جزءا من إنتاج النفط السوري الذي سيطرت عليه إلى قوات النظام بناء لاتفاق سابق تحت الطاولة، ثم امتنعت بطلب أميركي.

 

وإذا كانت هذه الوقائع تؤشر إلى مدى الضغوط على لبنان كي يلتزم بالعقوبات الأميركية على إيران و”حزب الله” وسورية فإن وقائع المحادثات الأميركية اللبنانية خلال زيارات الوفود اللبنانية الوزارية والنيابية والمصرفية إلى واشنطن مطلع هذا الشهر، شهدت على مزيد من التشدد الأميركي، بعدما كانت زيارة وزير الخارجية مايك بومبيو في 22 آذار (مارس) الماضي، “وضعت لبنان تحت مجهر القانون الدولي وعقوباته”، كما قال في مؤتمره الصحافي الشهير، محذرا من “تدخل إيران في “الجمارك وغيرها من الضوابط ” (من أجل التهريب…).

 

جديد اللهجة الفرنسية

 

وتقول مصادر ديبلومسية عربية لـ”الحياة” إن الجديد في تضييق الخناق على إيران في سورية ولبنان وعلى الحزب، هو أن الجانب الفرنسي الذي كان اكتفى “بموقف مراقب” من تصعيد بومبيو خلال زيارته إلى بيروت، وطرح أسئلة حول مدى نجاح السياسة التي انتهجتها واشنطن، بات يعتقد أن التصميم الأميركي في شأن العقوبات “جدي جدا وذاهب إلى النهاية”.

 

وتشير هذه المصادر إلى أن باريس عبرت في الآونة الأخيرة عن قلقها مما تعتبره خطورة المعلومات التي أبلغتها إسرائيل إلى الجانب الأميركي، ثم إليها عن وجود مصنع للصواريخ الدقيقة على الأراضي اللبنانية. ولاحظت هذه المصادر أن تحذير لبنان من صحة هذه المعلومات كان يقتصر في السابق على الجانب الأميركي، فيما باتت باريس تتحدث عنه بجدية أخيرا. وأوضحت لـ”الحياة” أن الجانب الفرنسي يرى أن على لبنان أن يقوم بخطوات في شأن ذلك لتفادي انعكاساته على ساحته، لأن إسرائيل لن تقف متفرجة على قيام منشأة من هذا النوع تتمتع بالدعم الإيراني. ولاحظت المصادر التي اطلعت على الموقف الفرنسي أن باريس تتقارب أكثر فأكثر من الموقف الأميركي في سورية ويالتالي من الطبيعي أن تنظر إلى ما يحيط بالوضع اللبناني من هذه الزاوية. كما لفتت المصادر إلى أن محدثي بعض الديبلوماسيين الفرنسيين أخذوا يسمعون التعابير نفسها التي يرددها الديبلوماسيون الأميركيون إزاء “حزب الله”.

 

لقاءات وشنطن

 

ومن خلال ما تجمع عن نتاذج اللقاءات اللبنانية في واشنطن فإن الانطباع عن المزيد من التشدد الأميركي حيال “حزب الله” وإيران وسورية قد تأكد لدى الوفود التي عقدت لقاءات منفردة مع المسؤولين الأميركيين. وفي وقت ثبت هذا الانطباع من خلال المحاضر التي أرسلها السفير اللبناني في العاصمة الأميركية غابي عيسى عن هذه الاجتماعات والتي تسرب بعضها إلى وسائل الإعلام، في اليومين الماضيين، فإن مصادر الوفود أكدت لـ”الحياة” جملة انطباعات لم تهمل الإيجابيات التي نجمت عنها ويمكن تلخيصها باللآتي:

 

1- أن المسؤولين الأميركيين الذين التقوا رئيس لجنة العلاقات الخارجية النيابية عضو كتلة التنمية والتحرير النيابية النائب ياسين جابر ومستشار رئيس البرلمان نبيه بري علي حمدان رددوا ما نقلته المحاضر المنشورة عن لقاءاتهم مع الوفود النيابية والوزارية الأخرى، أي مع نائب رئيس الحكومة غسان حاصباني، ووزير الاقتصاد منصور بطيش، بنفي ما نشر عن نية واشنطن فرض عقوبات على قياديين في حركة “أمل” والرئيس بري نفيا قاطعا.

 

وأكد مساعد وزير الخزانة لشؤون مكافحة الإرهاب وتبييض الأموال مارشال بلينغسلي لكل من جابر وحمدان أن لا صحة لـ”الإشاعات” عن فرض عقوبات على رئيس البرلمان. وطلب المسؤول الأميركي منهما أن ينقلا إلى بري أن “لا علاقة لنا بهذه الأخبار، وعلى العكس نحن نعرف الرئيس بري جيدا وأنا في زياراتي الثلاث إلى لبنان التقيت معه ونتعاون معه”.

 

وتشير مصادر الوفود إلى أن بلنغسلي “لم يشر إلى وجود قياديين من حركة “أمل” يتعاونون مع “حزب الله” في تهربه من العقوبات المالية، لكنه لم يفوت فرصة الحديث عن أن إجراءات واشنطن ضد الحزب ستطبق بتشدد لمنعه من الإفادة من النظام المصرفي والمالي اللبناني وأنهم يلاحقون قادته من هذه الزاوية بدقة”. وتضيف المصادر: “المناخ في واشنطن ليس على استعداد لسماع حجج من نوع أن الحزب مقاومة ضد الاحتلال وأن بلنغسلي أكد الملاحقة الحثيثة لتحديد من يتعاون مع الحزب وإثبات ذلك، لفرض عقوبات عليه.

 

ويتقاطع هذا الموقف مع الانطباع الذي تركته زيارة بومبيو وقبله مساعد وزير الخارجي لشؤون الشرق الأوسط ديفيد ساترفيلد إلى بيروت حول نية واشنط فرض عقوبات على شخصيات من غير الطائفة الشيعية، مسيحية وسنية ودرزية، كما أكدت مصادر واسعة الاطلاع لـ”الحياة”. وكانت المحاضر التي نشرت نقلت عن بلنغسلي “أسفه لدور الرئيس عون و وزير الخارجية جبران باسيل والسياسيين الموارنة في تحمل مسؤولية تضخم حجم حزب الله”.

 

2- شددت مصادر الوفود إلى واشنطن على دور أعضاء في مجلسي الشيوخ والنواب، وفي مقدمهم دارين لحود، في دعم لبنان في المقابل وتجنيبه المزيد من التأزم في علاقته مع واشنطن، حيث يلعب منهم من أصل لبناني من هؤلاء دورا إيجابيا سواء في الموقف من بري، أو من دعم المؤسسات اللبنانية، من دون أن يتمايزوا عن موقف زملائهم وتوجه الإدارة، من “حزب الله”. بل هم يؤكدون أنهم لعبوا دورا في شطب إسم حركة “أمل” و”التيار الوطني الحر” من إحدى فقرات قانون العقوبات على “حزب الله” الصادر عام 2017 والذي يطبق حاليا مع ملحق في شأنه.

 

وذكرت مصادر الوفود إلى واشنطن أن هؤلاء (15 نائبا وشيخا) يشكلون لوبيا لبنانيا يساعد في الإبقاء على إيجابية الإدارة والكونغرس حيال المؤسسات اللبنانية، ويتعاونون مع “مجموعة العمل من أجل لبنان” ( task force for lebanon) لحماية المصالح اللبنانية، ويسعون إلى توسيع دائرة أعضاء الكونغرس لهذا الغرض، ويتعاونون مع عدد من كبار الموظفين في عدد من الوزارات، والذين يتحدرون من أصل لبناني.

 

3- اهتم بلنغسلي وساترفيلد وأعضاء الكونغرس، كل على طريقته بالتأكيدعلى مواصلة دعم الجيش اللبناني بالمساعدات العسكرية، وسلامة القطاع المصرفي، فيما حرص الأول على إبلاغ حاصباني وبطيش على التعاون مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ونائبه محمد بعاصيري والثقة بهما. وفيما أشار أعضاء الكونغرس إلى دعم استمرار دور “يونيفيل” في الجنوب، عبر المسؤولان في الخارجية والخزانة والنواب، عن اهتمامهم بالخطوات الإصلاحية المتأخرة التي تنويها الحكومة بعد إقرار خطة الكهرباء والموازنة التقشفية المطلوبة وطرح بعضهم أسئلة تفصيلية في هذا الشأن، بما يدل أنهم يتابعون بدقة الخطوات الموعودة.