IMLebanon

الجمهورية : الوقت يضغط… وبري يؤكّد “الانتخابات في موعدها”… مفاوضات جنيف تحدّد المسار: الحرب أو الاتفاق

 

كل منطقة الشرق الأوسط، تقف على مفترق مفصلي حاسم، وربطاً بالتوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، فإنّه لن يطول الوقت حتى يتبدّى ما تخبئه الايام المقبلة من مجريات باردة تنفّس التوترات وتُبقي على صورة المنطقة كما هي، او تطورات صادمة تنسف مشهد المنطقة برمته، وربما جغرافيتها، وتلبسها وجهاً آخر وثوباً مفصّلاً على المقاس الأميركي دون غيره.

ما يصيب المنطقة، يصيب لبنان حتماً، ذلك انّه ليس معزولاً عن محيطه، والداخل بصورة عامة يعاني التخبّط والإرباك، ويزيده إرباكاً العامل الإسرائيلي الحاضر باعتداءاته اليومية على المناطق اللبنانية، واستهدافاته الأخيرة للجيش اللبناني. ويعترف مسؤول كبير بما سمّاه «الخواء الداخلي»، ويقول: «بنك المعلومات مفلس، ولا أحد يملك الصورة، لا أحد لديه أدنى فكرة عمّا يحصل او سيحصل، ويترقّب ما سترسو عليه تطورات وارتدادات المشهد الاقليمي الآتية».

 

وقت ضائع

في هذا الجو الإنتظاري، انكفأت الاولويات السياسية الى خلف المشهد، ما خلا إجراءات ومتابعات أشبه ما تكون بتصريف أعمال لا اكثر. وأما المستويات السياسية على اختلافها، فيبدو أنّها قرّرت اللعب في الوقت الضائع إلى حين جلاء صورة المنطقة ووجهة الأحداث فيها. وضمن هذا السياق، تندرج ما يصفها مرجع مسؤول بـ«إثارة الالتباسات المتعمّدة على الخط الانتخابي والتعكير المنسق للانتخابات النيابية، محاولة «البلغصة» بقانون الانتخابات النافذ، وابتداع مخارج غير قانونية لتصويت المغتربين، والترويج لتأجيل الانتخابات، وتغطية ذلك بـ«رشوة» التمديد للمجلس النيابي الحالي لسنة او سنتين او اكثر».

 

وإذا كانت محاولة تسويق فكرة تأجيل الانتخابات تبدو وكأنّها قد أُحبطت داخلياً، الّا انّ ذلك لا يعني انّ احتمال تسرّبها من جديد عبر أبواب اخرى، غير مستبعد، بل وفق ما يقول مسؤول رفيع لـ«الجمهورية» إنّ «معاودة الكرّة من جديد، وطرح تأجيل الانتخابات أمر وارد جداً جداً، حتى انني لا استبعد ممارسة ضغوط إزاء هذا الامر».

 

ورداً على سؤال عمّن يريد التأجيل قال: «أنا على يقين أنّ طرح تأجيل الانتخابات مصدره داخلي، ولم يأتِ ببادرة أحادية من الخارج، يعني هناك في الداخل من هم قلقون على وضعهم في السياسة والنيابة، فاستنجدوا بحلفائهم وطلبوا التأجيل، والأهم، أنّ بعض الخارج وليس الكل في الخارج استجاب لهم، وسوّق للتأجيل».

 

وقال ساخراً: «المؤسف انّ معاناتنا الكبرى تتأتّى من حال «المنفخة الزائفة»، يجب ان نعترف انّ واقعنا اللبناني لا يُرى بالمجهر الدولي ولا الاقليمي، ومع ذلك، نكذب على أنفسنا وندّعي اهتمامهم بنا، ونكبّر الحجر على بعضنا البعض، ونتراشق ونستقوي بعضلات الخارج على بعضنا البعض، وعند ساعة الجدّ والتسويات والمصالح ننقاد صاغرين إلى حيث تجرّنا الوقائع والتطورات الجديدة. و«بعدين .. كل عمركم تقولوا انكن ضدّ التمديد، ومع الانتخابات، فشو عدا ما بدا. فيا اخوان قرّب 10 ايار، فبلا هالبهدلة والإحراج، ولا تنتظروا الخارج ومتغيّرات الخارج، وما رح تنفع اي محاولات للتأجيل وتعطيل الانتخابات، روحوا حضّروا حالكن للانتخابات».

 

تناغم رئاسي

وعلى ما تؤشر الأجواء الرسمية، فإنّ طرح التأجيل صار وراءنا، وحتى ولو تكرّر مرّة ثانية، واياً كانت الجهة الداخلية او الخارجية الراعية له، فمسار صعب جداً في الداخل، ولا مجال لعبوره على الإطلاق. وهذا ما يُلمس من الأجواء الرئاسية وخصوصاً أجواء رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب نبيه بري، اللذين يلحظ المتابعون تناغماً تاماً بينهما حول الملف الانتخابي، وضرورة إجراء الانتخابات في موعدها، ووفق القانون الانتخابي النافذ».

 

وهذا الملف إضافة إلى امور اخرى كان محور تداول ونقاش بين الرئيس بري ومستشار رئيس الجمهورية العميد اندريه رحال، الذي زار امس، مقر رئاسة المجلس في عين التينة.

ورداً على سؤال لـ«الجمهورية» قال الرئيس بري: «قلت وأجدّد القول إنّ الانتخابات ماشية في موعدها في 10 ايار، ولا شيء سيمنع إجراءها، وبالتالي لا تأجيل ولا تمديد».

 

الوقت يضغط

وتتزامن هذه الأجواء، مع عامل الوقت الذي يضغط على الاستحقاق الانتخابي، ولاسيما انّ اكتمال مشهد 10 ايار، ينبغي أن تسبقه مرحلتان واجبتان، ينبغي أن تحسما بالشكل الطبيعي، اولاً مرحلة الترشيحات التي يفترض ان تكتمل من الآن وحتى العاشر من شهر آذار المقبل، حيث يقفل باب الترشيح، علماً انّ الترشيحات تشهد تزايداً بطيئاً في هذه الفترة، فيما توقعت الترجيحات أن يشهد الترشيح ازدحاماً كثيفاً خلال الاسبوعين المقبلين. وثانياً، مرحلة إعداد اللوائح الانتخابية وتسجيلها في وزارة الداخلية، الذي يفترض ان يحصل قبل 40 يوماً من موعد الانتخابات، أي اواخر آذار المقبل.

 

«ميكانيزم» .. والحدود الشرقية

وفيما يشكّل لبنان نقطة استهداف مباشر وبصورة يومية بالغارات الجوية والاعتداءات من قبل اسرائيل، عقدت لجنة «الميكانيزم» اجتماعها السابع عشر أمس، في مقر «اليونيفيل» في الناقورة، واقتصر حضورها على الجانب العسكري.

 

ووفق المعلومات، فإنّ الجانب اللبناني قدّم عرضاً شاملاً للاعتداءات الإسرائيلية على المناطق اللبنانية في الجنوب والبقاع، وآخرها الاعتداء على الجيش اللبناني في منطقة سردة، وشدّد على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي من النقاط التي لا يزال يحتلها جيش الاحتلال، بما يمكن الجيش من استكمال مهمّته بشكل نهائي في منطقة جنوب الليطاني. وبحسب المعلومات، فإنّ النقاش تناول المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح في يد الدولة في منطقة شمال الليطاني، حيث اكّد الجانب اللبناني على ضرورة ان يسبقها انسحاب إسرائيلي من النقاط المحتلة.

 

على انّ الجانب المقلق الذي برز على الحدود الشرقية أمس، تبدّى في الحديث المتزايد عن حشود عسكرية في الجانب الآخر من الحدود، كشف مرجع أمني لـ«الجمهورية»، انّها تنتمي إلى مجموعات متطرفة من دول متعددة، لافتاً إلى انّ انتصالات مكثفة تجري على أكثر من خط لتدارك الامور، وخصوصاً بعد تزايد المؤشرات حول وجود نوايا بخلق توترات على الحدود، وفي ظل الاستفزازات اليومية التي تحصل، وآخرها في الساعات الماضية باستهداف آلية عسكرية لبنانية في بلدة القاع تردّد انّها تابعة للأمن العام.

 

ورداً على سؤال قال المرجع: «الوضع ليس مريحاً، هناك تحركات مريبة وتبعث على القلق، وقد حرّكنا اتصالات مكثفة مع المعنيين لسحب تلك المجموعات، ولكن لا توجد حتى الآن أي مؤشرات إيجابية».

 

سلام

إلى ذلك، قال رئيس الحكومة نواف سلام في كلمة القاها خلال الإفطار الرمضاني في السراي الحكومي أمس: «انّ لبنان خرج من حرب مدمّرة، إلّا أنّ الاعتداءات الإسرائيلية مستمرة». اضاف: «بعد سنة من بدء عمل الحكومة، نحن لا ندّعي أننا حققنا المعجزات، فنحن ندرك أنّ معاناة الناس أكبر من أي إنجاز يمكن أن نذكره اليوم، لكن لا بدّ لنا من التأكيد أننا بوضعنا الأسس اللازمة للتصدّي لهذه التحدّيات، فقد بدأنا بتغيير مسار كان يقود حتمًا إلى انهيار كامل للدولة والمجتمع».

 

وقال: «في نهاية العام الماضي أنجز الجيش المرحلة الأولى من الخطّة جنوب نهر الليطاني، وهي المرّة الأولى منذ عام 1969 التي تستعيد فيها قواتنا المسلحة السيطرة العملانية الكاملة على هذه المنطقة، وفي جلسة الحكومة التي انعقدت، أبلغنا الجيش عن استعداده لتنفيذ المرحلة الثانية من خطته لحصر السلاح أي شمالاً بين نهريّ الليطاني والاوّلي، وتساءل البعض عن المدة المطلوبة، وهذه المهمّة قابلة للتحقيق في 4 أشهر إذا توفّرت لقوّاتنا المسلحة نفس العوامل المساعدة والمساندة التي تأمّنت عند تنفيذ المرحلة السابقة».

 

وشدّد على أنّ «التزام حكومتنا بإعادة إعمار الجنوب هو التزام ثابت»، وقال: «اليوم أستطيع القول إنّنا ومقارنة بكل مراحل الأزمة السابقة بتنا في أقرب نقطة للعودة إلى الانتظام المالي، وهذا ما سيمهّد لخروج البلاد من كابوس الانهيار الذي صنّفه البنك الدولي كأحد أكبر ثلاثة انهيارات اقتصادية في التاريخ الحديث».

 

حامات

على صعيد آخر، ردّ وزير الدفاع ميشال منسى على «الأخبار والروايات والكتابات التي تزايدت في الآونة الاخيرة عن القاعدة الجوية العسكرية في منطقة حامات، واكّد أنّ «قاعدة حامات هي قاعدة جوية لبنانية تابعة للقوات الجوية في الجيش اللبناني وليس لأي جهة أخرى ضمنها أي سلطة أو صلاحية تعلو فوق القوانين والأنظمة اللبنانية»، لافتاً إلى انّ «كل الأنشطة والمهمّات في القاعدة تتمّ بإشراف وموافقة ومتابعة قيادة الجيش اللبناني، وهذه القاعدة، كما مواقع وثكنات عسكرية أخرى، تستضيف فرق تدريب أجنبية تعمل تحت أنظمة وتعليمات المؤسسة العسكرية، لصالح وحدات عسكرية مختلفة في الجيش اللبناني».

 

ولفت إلى أنّ «قاعدة حامات الجوية تشكّل، مع قاعدة بيروت الجوية في نطاق حرم مطار بيروت الدولي وقاعدة رياق الجوية في البقاع، نقاط تلقّي واستقبال مساعدات لصالح الجيش اللبناني تشمل أعتدة وتجهيزات عسكرية وأسلحةً وذخائر، عبر رحلات جوية من دول أجنبية وفق بروتوكول تعاون مع هذه الدول. هذه الرحلات الجوية تتمّ بموافقة وإشراف كافة السلطات اللبنانية ذات الاختصاص والصلاحية»، وقال: «بعض التحليلات والسيناريوهات التي تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي أو الفضاء الافتراضي أو في وسائل إعلامية، تصبّ في خانة إثارة الشكوك وليس إنارة الحقائق، وتتوسل الشائعات للتحريض المجاني والتعريض المؤذي بصدقية ومصداقية المؤسسة العسكرية اللبنانية، الممهورة بدماء شهدائها وتضحيات ضباطها وجنودها».

 

غموض قبل جنيف

إقليمياً، عيون العالم بأسره شاخصة اليوم إلى جنيف، التي من المقرّر أن تستضيف جولة ثالثة من المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، مصحوبة بأجواء غاية في التوتر، وتتقاطع كل التقديرات والمقاربات لهذا الحدث، على أهمية هذه الجولة باعتبار انّها من جهة، محكومة بعامل الوقت الذي يضغط للتعجيل في اتخاذ القرار بالمواجهة او عدمها. وانّها من جهة ثانية ستحدّد ما إذا كانت الرياح الأميركية – الإيرانية ستنحى في مسار حربي عاصف اقليمياً ودولياً، او في مسار تراجعي معاكس، يعزز فرصة الاتفاق بالمفاوضات ويسحب الحشود والحاملات والمدمّرات.

 

الأجواء السابقة لهذه الجولة مشحونة بالغموض، فاندفاع الطرفين نحو طاولة المفاوضات، يسابقه في المقابل منطق يحذر تداعيات الحرب إن وقعت، ونقاش داخل الإدارة الأميركية حول جدوى الحرب ومخاطرها، وفي موازاته منطق حربي يتجلّى في التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، ويبرز في هذا السياق الخطاب الناري للرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي قال انّه يعطي فرصة لاتفاق ينهي البرنامجين النووي والصاروخي لإيران، والّا فإنّ اموراً سيئة جداً ستصيبها.

 

وبرز عشية المفاوضات إعلان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي «اننا مستعدون لخياري الحرب والسلام»، نافياً ان تكون بلاده تطور أسلحة تصل إلى الولايات المتحدة، وقال: «يمكننا التوصل غداً (اليوم) في جنيف إلى اتفاق او صفقة وحل متفق عليه عادل ومتوازن».