بين الخطط على الورق، وفي بيانات المواقع الرسمية الناجمة عن الاجتماعات، وربما عن النيّات الطيبة والوقائع على الأرض من يصدق المواطن، ومن يصدق المستهلك، الموظف والجندي والتاجر ورجل الأعمال، وحتى المغترب والسائح التائه، إلى بلد لديه فكرة جيدة عنه؟
تعقد اجتماعات هنا أو هناك، وتبرم تفاهمات، فإذا بسعر صرف الدولار بالليرة اللبنانية يتجاوز سقف الـ1600 ليرة لبنانية لكل دولار أميركي.. يتصرف المواطن، وكأن لا أزمة محروقات، فإذا خراطيم المحطات ترتفع، وتتشكل صفوف السيّارات الباحثة عن المحروقات للتنقل بصرف النظر عن سعر الصفيحة..
وقس على ذلك، سعر الخبز، في ضوء تهديد أصحاب المخابز والأفران الامتناع عن تزويد الأسواق والمواطنين بالمادة الضرورية للحياة: الخبز، المنقوشة والكعك إلخ.. بدءاً من الاثنين..
الأرض تميد.. بمن؟ بالطبقة السياسية لا، بمصالح النّاس، بالتأكيد.. وما الصرخة في مجلس النواب أو امامه سوى بداية لاعتراض مدني، يرجى ان يحتدم، .. ولكن ضد مَنْ!
من الثابت ان حصاراً دولياً، بدأ يشق طريقه بقوة ضد لبنان، لأسباب معروفة..
والسلطة، تسعى لمواجهة ما يمكن مواجهته.. تارة من خلال ضبط الإجراءات وتفعيل مؤسسات الرقابة، كما جاء في بيان صدر عن لقاء الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله ووزير المغتربين جبران باسيل.
على ان الأخطر، ما كشفته وكالة «بلومبيرغ» الأميركية نقلاً عمّا سمته بـ«مصدر مطلع» أنّ لبنان الذي يوشك على الانعزال عن أسواق الائتمان العالمية ويعاني شحاً في الدولار توصل إلى طريقة جديدة للالتفاف حول الأزمة، إذ سيتيح للحكومة الاقتراض من دون اللجوء إلى احتياطي المصرف المركزي.
وفي التفاصيل أنّ المقرضين المحليين سيصرفون شهادات الإيداع بالدولار لدى المصرف المركزي لشراء جزء من إصدارات اليوروبوند التي ينوي لبنان طرحها بقيمة تصل إلى 3 مليارات دولار.
وأوضحت الوكالة، نقلاً عن المصدر نفسه، قوله إنّ «المركزي» سيشترك في بيع السندات، من دون أن يوفّر التمويل بشكل مباشر، على أن تُستخدم أموال المصارف المحلية لسداد جزء من السندات المقدرة قيمتها بـ1.5 مليار دولار والمستحقة في تشرين الثاني المقبل.
وفي تعليقها، رأت الوكالة أنّ هذه العملية تشتري الوقت للبنان لإيجاد مصادر تمويل جديدة، مستدركةً بأنّها تظهر في الوقت نفسه درجة المحدودية التي بلغتها خياراته.
إنهاء إضراب المحطات
وإذا كانت الاتصالات التي باشرها الرئيس الحريري مع الشركات المستوردة للمحروقات، قد نجحت في حلحلة الأزمة التي عاود أصحاب محطات البنزين التلويح بها مجدداً، بحيث أعلنت هذه الشركات ليلاً بأنها ستسلم المحروقات للمحطات اليوم بالليرة اللبنانية، وبالتالي لا يعود مبرر للاستمرار في الإضراب الذي اعلنوه أمس للمرة الثالثة على التوالي، مما أدى إلى ازدحام خانق للسيارات امام كافة المحطات في بيروت والمناطق، فإن أزمة الرغيف التي لوح بها أصحاب الأفران ما تزال قائمة يوم الاثنين المقبل، وحتى قبل بدء موعد الإضراب المفتوح حيث اختفى الخبز من المحلات التجارية تحت وطأة تهافت المواطنين على تخزينه في منازلهم.
فيما لاحظ رئيس نقابة أصحاب الأفران كاظم إبراهيم ان وزير الاقتصاد منصور بطيش المعني بهذا الملف، غير جاد بمطالب أصحاب الأفران بتأمين الطحين لهم بالليرة، مشيراً إلى انه لم يلمس منه اهتماماً بهذا المطلب، بدليل انه سيسافر اليوم تاركاً إيجاد الحلول للمجهول، وبالتالي قال إبراهيم، ان الإضراب سيكون مفتوحاً.
الا ان آلية تطبيق تعميم مصرف لبنان بخصوص تأمين الدولار لقطاعات المحروقات والطحين والأدوية، والتي اتفق عليها مساء أمس بين الرئيس الحريري وأصحاب الشركات المستوردة للنفط برئاسة جورج فياض، وفي حضور الوزراء أعضاء لجنة الإصلاحات، يفترض في حال البدء بتنفيذها ان تشمل القطاعات الثلاثة، بحيث لا تجدد التلويح بالإضراب عند كل منعطف لسوء تفسير التعميم الذي أعلن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة انه غير قابل للتغيير.
لكن ان اللافت في الآلية المتفق عليها، هو ان الدولة سلمت بتغير سعر الدولار في لبنان، أو بتعبير أدق انه بات للدولار سعرين: أحدهما رسمي يحدده مصرف لبنان والثاني تجاري يحدده الصيارفة، وإلى حدّ ما بعض المصارف، ويقضي الاتفاق بأن تدعم الدولة اللبنانية مواد القطاعات الثلاثة، ولا سيما المحروقات، وان تؤمن لها الدولار بالسعر الرسمي، ولأن هذا الأمر يتطلب آلية جديدة، فإنه أخذ وقتاً لانطلاقتها، وبمجرد ان انطلقت هذه الآلية، لم تعد هناك مشكلة بحسب ما أكّد فياض الذي لاحظ ان عملية الانتقال تتطلب صعوبات، مشيراً إلى ان هناك ممارسة جديدة وتمويل جديد ودفع بالليرة وقبض بالليرة.
ومن جهتها، اعتبرت مصادر وزارية من لجنة الاتصالات، ان ما قام به أصحاب المحطات كان في غير محله، لكنها لفتت الانتباه إلى ان ما جرى وسيجري هو نتيجة الإجراءات الجديدة المتخذة والتي تحتاج إلى إعادة تنظيم، مبدية اعتقادها بأن الأمور أصبحت مستقرة بانتظار الاعتياد على الاجراء الجديد في عملية الدفع بينهم وبين المصارف.
لجنة الاتصالات
اما لجنة الاتصالات، التي عاودت الاجتماع مساء أمس في السراي، فالظاهر ان تلويح الرئيس نبيه برّي بدعوة لجنة الطوارئ الاقتصادية التي اتفق عليها في لقاء بعبدا، كانت له مفاعيل، على صعيد تسريع إقرار الإجراءات الإصلاحية لتضمينها بمشروع موازنة 2020، وكذلك الأمر بالنسبة لاحالة الموازنة إلى المجلس النيابي خلال أسبوع، بحسب ما أعلن وزير المال علي حسن خليل، في حين كشف وزير الإعلام جمال الجراح بأن جلسة مجلس الوزراء الاثنين المقبل ستقر سلّة من القرارات التي سيتخذها المجلس وسلة من الإجراءات التي ستحال إلى المجلس النيابي بموجب مشاريع قوانين أو مراسيم.
وأشار إلى انه تمّ تقسيم كل الاقتراحات التي وردت في أوراق عمل الفرقاء السياسيين، والتي عليها شبه توافق وتساعد في زيادة الإيرادات وخفض النفقات، وتم تقسيم الإجراءات الإصلاحية الجذرية في بعض المواضيع إلى ثلاثة أقسام، على ان يتم يوم الاثنين المقبل إقرار الجزء الأكبر منها، مؤكداً بأن الأمور سائرة بطريقة صحيحة.
ووصفت مصادر وزارية النقاشات التي دارت في اجتماع اللجنة أمس بأنها كانت مثمرة جداً، وقالت ان البحث «توسع في نقاط عدّة ذات أهمية كبرى مما يُؤكّد ان هناك جدية كبيرة في عمل اللجنة»، ولفتت إلى ان ما تمّ التوصّل إليه ستتم مناقشته في جلسة مجلس الوزراء الاثنين لاطلاع الوزراء عليه.
ولم تستبعد المصادر ان يكون الأسبوع المقبل حاسماً بالنسبة لإقرار الموازنة واحالتها إلى المجلس النيابي، آملة الوصول إلى موازنة متوازنة إصلاحية، لأن ليس من مصلحة أحد ان تصدر موازنة وهي تحمل خللاً كبيراً.
تأجيل تفسير الدستور
وفي خطوة تشريعية، وصفت بأنها لإعطاء الحكومة فسحة جديدة من الوقت لاحالة الموازنة إلى المجلس، ارجأ الرئيس نبيه برّي جلستي مجلس النواب اللتين كانتا في 15 و17 تشرين الحالي، إلى 22 تشرين بالنسبة لانتخاب اللجان النيابية، وإلى 27 منه بالنسبة لتفسير المادة 95 من الدستور، بموجب رسالة رئيس الجمهورية.
واوضحت مصادر مطلعة انه بالنسبة الى تأجيل جلسة تفسير المادة 95 من الدستور فإن الرئيس بري فاتح الرئيس عون في موضوع الدعوة الى جلسة السابع عشر من تشرين الأول الجاري وليس ١٥ حيث اتضح ان الدورة العادية للمجلس تبدأ في الثاني والعشرين من الجاري وبالتالي فإن اول ثلاثاء يلي 15 تشرين الأول هو 22 وعندها تبدأ الدورة العادية مشيرة الى ان المجلس سيكون منكبا على دراسة موضوع الموازنة بعد احالته من الحكومة وعندها سيكون المشروع بعهدة المجلس.
ولفتت الى ان الأولوية هي للموازنة وفقا للدستور كي تصدر ضمن المهلة قبل نهاية السنة الحالية وهذا الأمر دفع بالرئيسين الى التداول بهذا الموضوع وحصل اتفاق على تأجيل طرح الرسالة الرئاسية.
وكشفت انه في خلال لقائهما امس لم يتم تحديد الموعد انما برز توافق على تأجيل البت الى حين انجاز الموازنة بأعتبار موضوع المادة 95 دقيق وقد يحصل نقاش حوله وهذا النقاش قد يتشعب.
ويحتاج بالتالي الى وقت وعندها يتأخر موضوع مناقشة الموازنة ففضل الرئيس بري الأنتهاء من الموازنة على ان تتم مناقشة المادة 95 بعد ذلك على ان تحديد الموعد يعود الى الرئيس بري وفي لقائه مع رئيس الجمهورية لم يتم الحديث عن موعد انما عن تأجيل.
واشارت الى ان الرئيس بري قيم الموضوع ومن هنا كانت الأشارة الى تاريخ السابع والعشرين من تشرين الثاني حيث تكون الموازنة قد انجزت لافتة الى ان الجلسة ستعقد والمادة 95 ستتم مناقشة تفسيرها كما هو متفق عليه وفقا للرسالة التي وجهها الرئيس عون.
الى ذلك علم ان الرئيس عون تحدث مع المعنيين في موضوع المحروقات كما كانت هناك اتصالات تحصل بين مسؤولي شركات توزيع النفط والمسؤولين عن الأفران وحاكم مصرف لبنان لتوضيح بعض النقاط الملتبسة في التعميم الذي اصدره. وقالت ان ما حصل كان مفاجئا لاسيما في موضوعي البنزين والطحين مع العلم انه كان ينتظر استكمال التشاور في هذا الأمر مع الحاكم لتوضيح الملابسات غير المناسبة بالنسبة الى اصحاب العلاقة مؤكدة انه لم يكن هناك من حديث عن اضرابات انما عن مفاوضات حول شروحات وتوضيحات.
لقاء الساعات الـ7
في غضون ذلك، سجل لقاء لافت مساء أمس الأوّل، بين الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله ورئيس «التيار الوطني الحر» وزير الخارجية جبران باسيل، في حضور مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا، ستكون له تداعيات مهمة على صعيد العلاقة بين الحزب والتيار، خصوصاً وان البحث استمر على مدى سبع ساعات ونصف الساعة، في التطورات الإقليمية والمحلية.
وفيما لم يصدر عن التيار ولا عن رئيسه الذي غادر بيروت مساءً إلى القاهرة للمشاركة في اجتماعات مجلس وزراء الخارجية العرب لبحث التدخل العسكري التركي في الأزمة السورية، اكتفى بيان للحزب بالقول ان «الاوضاع الداخلية استحوذت على الحيز الأكبر من اللقاء، وتم الاتفاق على ضرورة تأمين الاستقرار الاقتصادي من خلال القيام بكل الاجراءات اللازمة لضبط الوضع الاقتصادي وتحسينه، وضرورة العمل على زيادة موارد الدولة وإصدار موازنة 2020 وفيها إصلاحات جذرية من شأنها تحسين الواقع الاقتصادي والمالي ووجوب الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج، كذلك وجوب تخفيض عجز ميزان المدفوعات وحل مشكلة النازحين».
وتوقف اللقاء عند «أهمية الحفاظ على الاستقرار السياسي الأمني وتفعيل العمل النيابي والحكومي كما تفعيل عمل مؤسسات الرقابة ومقاومة الفساد».
13 تشرين
إلى ذلك، يصادف غداً الأحد، الذكرى التاسعة والعشرين لذكرى الثالث عشر من تشرين أوّل 1990، يوم إخراج العماد ميشال عون بالقوة من قصر بعبدا.
وفي المناسبة يقام قدّاس مركزي في الحدث، بالتزامن مع قداديس عدّة بلغ مجموعها 30 قداساً في لبنان ودول الانتشار، ينظمها التيار الحر، الذي لم يجدد الدعوة إلى التجمع الذي كان سبق ان دعا اليه في ساحة الشهداء قبل اسبوعين، في الوقت الذي تتجمع في عادة التحركات الاحتجاجية للحراك المدني تعبيراً عن رفض الأوضاع المعيشية المذرية.
ولفت بالنسبة للدعوات إلى احياء ذكرى 13 تشرين ظهور مجموعة عمداء متقاعدين في إعلان قصير بوصفهم «رفاق شهداء 13 تشرين» للمشاركة في قدّاس سيقام يوم السبت في ضبية، بشكل منفصل عن التيار، في حين كان اللافت في الدعوات الاحتجاجية على الوضع الاقتصادي دخول الحزب الشيوعي على خط تنظيم تظاهرة الأحد، فيما أعلنت حركة «حلّوا عنا» انكفاءها عن المشاركة في الحراك غداً، كما قام ليلاً عدد من المحتجين بالتجمع في محلة جسر الكولا احتجاجاً على الوضع الاقتصادي ورفعوا شعارات ولافتات تطالب بمعالجة الازمة.
وجابت مسيرة شبابية شارع مار الياس في بيروت وصولا الى كركول الدروز البطركية، مرددين هتافات منددة بالاوضاع الاقتصادية المتردية، وأوضح المشاركون انهم انطلقوا في مسيرتهم بصورة عفوية تعبيرا عن معاناة الشباب جراء الازمات الاقتصادية المتلاحقة، وهم لا ينتمون لأي فريق سياسي.
وكان عدد من ناشطي الحراك المدني عمدوا أمس إلى دخول القاعة العامة للمجلس النيابي، حيث رفعوا لافتات تطالب باستعادة الأموال المنهوبة، وحدث هرج ومرج، ما تسبب باشكال مع شرطة المجلس التي اعتقلت بعضهم، قبل ان تطلقهم لاحقاً بناءً لتعليمات من رئيس المجلس، بحسب ما أوضحت قيادة شرطة المجلس التي لفتت إلى ان هؤلاء كان سبق لهم وتقدموا بالحصول على اذن لزيارة المجلس، باعتبار انهم طلاب ومتمرنون للاطلاع على مجريات العمل الإداري فيه.
وأعلن «حزب سبعة» تبنيه للمجموعة التي اعتصمت داخل المجلس، كاشفاً ان العشرات من ناشطيه أوقفوا من قبل عناصر المجلس، مشيراً إلى ان الهدف كان إرسال رسالة من داخل المجلس عن خرق الدستور والمطالبة بإقرار قانون استعادة الأموال المنهوبة وقانون استقلالية القضاء.
وأعلن الحزب في بيان إطلاق «المقاومة المدنية الوطنية، في وجه نظام فاسد وفاشل خرب اجمل وطن بهذه المنطقة! داعياً كل المواطنين إلى ان «يضعوا يدهم بيدنا في كل المناطق». موضحاً «أن ستكون لنا تحركات عديدة وتصاعدية منظمة، سلمية نعلن عنها تباعا».