ثمة من يقارب المشهد اللبناني على ضوء تطورات المنطقة من زوايا مختلفة. ففي وقت يبدو فيه «ملف السلاح» بندا أساسياً على جدول «المشروع الأميركي» انطلاقا من قراءة تفضي الى تجريد الحزب من سلاحه كمقدمة لتجريده من باقي أوراقه الثبوتية، من الاقتصاد الى التربية وصولا الى السياسة، لتشكّل منطلقا للإجهاز الكلي على أكثر من أربعين عاما، خاض فيها «حزب الله» مختلف المعارك والتي كانت بمعظمها ورقة رابحة تبعا للمشروع الايديولوجي الذي يعتمده الحزب.
وإذا كانت «واشنطن» تضع مشروعها الرامي للوصول لكل النتائج التي تؤمّن مصلحة «الكيان الإسرائيلي» من هذه البوابة؛ إلّا ان مصادر مطّلعة ترى: «ان ملف السلاح هو عنوان من جملة عنوانات تضعها الإدارة الأميركية لتحقيق أجندتها. وهنا يصبح السلاح تفصيلا أكثر منه قاعدة على أساس ما يمكن أن يرتب ذلك من فتح طريق أوسع نحو مسار لبنان كدولة، وتموضعه في خضم خلط الأوراق وتنظيم معادلات جديدة للمنطقة تقوم على الارتهان المطلق للإدارة الأميركية حسب تعبير المراقبين».
وتقول المصادر: «انه اثناء التئام الكونغرس الأميركي لنقاش الملف اللبناني، كان واضحا رغبة إدارة ترامب العمل على إعادة تركيب المشهد اللبناني سياسيا وعسكريا بما يتلاءم وتطورات المنطقة، على اعتبار ان المرحلة السابقة انقضت، بما تعتبره واشنطن هزيمة لمحور ما تسميه الارهاب أي «المقاومة». وبدأت مرحلة انتصار مشروع «التوسّع والتغيير الديمغرافي وخلط الجغرافيا بمستلزمات نجاح المشروع». وهذا ما بدا جليّا في «سوريا بعد سقوط نظام الأسد»، وما تسعى إليه «واشنطن بتطويق إعادة تنشيط الأذرع التي تعتبرها أداة بيد إيران كالعراق واليمن ومن ثم لبنان».
وفي هذا الإطار ينقل المطّلعون عن جلسة الكونغرس، ان مقاربة لبنان لم تتم على اساس أنه دولة وكيان مستقل، بقدر ما تعاطت معه من باب مساحة الاختلاف السياسي. وعليه، يجب حسم مساراتها باتجاه واضح، وهو الاتجاه الأميركي – الإسرائيلي.
من هنا كان السلاح ملفا أساسيا باعتباره يشكّل معضلة أمام إعادة تموضع وتشكيل لبنان وفق اللوحة الشرق أوسطية الممهورة بريشة دونالد ترامب.
والأخطر من ذلك، تتابع المصادر ان رؤية المنطقة المتصلة بإعادة التمركز وفرز الأولويات بالسياسة وغيرها، لا تتوقف عند حد السلاح واشكاليته، بل تتخطّى ذلك الى ما يمثله «حزب الله» من قوة لها امتداد اجتماعي وسياسي، يجب تفكيكها تدريجيا، سياسيا واقتصاديا وماليا وانتخابيا، وليس فقط عسكرياً من خلال «حصر السلاح». وهذا المسار يعني ان الرهان على حرب شاملة قد يكون أضعف من استبداله بحرب ناعمة تؤتي أكلها على المدى البعيد.
إذن، كل شيء بات واضحا، تقول المصادر. وما حملته نتائج جلسة الكونغرس ليس سوى رسالة مفادها، أن الدعم الأميركي الذي لطالما كان عبارة عن مساعدة مشروطة، تحوّل إلى أداة ضغط سياسية صريحة، وأن الإصلاح ليس ذلك الذي يرغب المواطن اللبناني في رؤيته، إنما هو بإعادة إنتاج سلطة موجهة سياسيا نحو محور جديد تقوده أميركا، وفي صلبه إسرائيل، ومصالحها الممتدة من النهر الى البحر.