“تأجيل القمة”: حلفاء النظام يحاصرون عون!

 

ماذا تعني “القنبلة ” السياسية التي فجرها رئيس مجلس النواب نبيه بري أمس بدعوته التي تحمل الكثير من الدلالات الداخلية والاقليمية الى تأجيل انعقاد القمة الانمائية العربية في بيروت في 19 و20 كانون الثاني الجاري؟ وهل كان موقف بري ترجمة لمعطيات موضوعية تكونت لديه ولدى سواه عن ظروف سلبية من شأنها ان تشكل خفضاً لمستوى مشاركة الزعماء العرب في القمة، أم انه موقف يتصل حصراً بالضغط الذي يمارسه رئيس المجلس وسائر قادة وقوى 8 آذار لاشراك النظام السوري في القمة وجعلها منصة واطلالة لهذا النظام في سياق مساعي تعويمه الجارية على صعد عدة ؟

 

الواقع ان الدعوة العلنية المفاجئة التي أطلقها بري لتأجيل القمة في لقاء الاربعاء النيابي اتخذت طابعاً سلبياً ومأزوماً اذ أثارت مخاوف من مواجهة محتملة جديدة بين رئاسة الجمهورية المعنية مباشرة وحصراً بملف القمة الانمائية، ورئاسة مجلس النواب بما يشعل مجدداً التباينات والخلافات في مسألة الصلاحيات الدستورية للرئاسات والفصل بين السلطات في ظل “تدخل” رئاسة السلطة التشريعية بملفات تتصل بصلاحيات السلطة التنفيذية ورئاسة الجمهورية تحديدا.

 

واذا كانت بعبدا لزمت الصمت حيال موقف بري ولم تصدر أي بيان رسمي أو تعلق عبر المصادر القريبة منها على هذا الموقف، فان مضيها في الاستعدادات الجارية اعلامياً ولوجستياً وديبلوماسياً لعقد القمة في موعدها بدا بمثابة الرد الوحيد والثابت لديها. لكن ذلك لم يحجب تراكم طبقات من الاجواء المشدودة في الكواليس حيث تفاعلت دعوة بري الى تأجيل القمة من منطلق اكتسابها دلالات سلبية بعضها يتصل بالعلاقة بين بعبدا وعين التينة وبعضها الآخر بموقف حلفاء دمشق اللصيقين بالنظام السوري الساعي الى اطاحة القمة اذا تعذرت مشاركة هذا النظام فيها. وكان الرئيس بري رأى “وجوب تأجيل القمة الإقتصادية العربية” المقررة في 19 كانون الثاني الجاري في بيروت، “في غياب وجود حكومة، ولأن لبنان يجب ان يكون علامة جمع وليس علامة طرح ولكي لا تكون هزيلة”، مشدداً مجدداً على “مشاركة سوريا في مثل هذه القمة”. ونقل عنه نواب في “لقاء الاربعاء” ان موضوع تشكيل الحكومة “كان في خبر كان، واصبح اليوم فعل ماضي ناقص، وان الإقتراحات التي جرى تداولها أخيراً لم يكن لها نصيب من النجاح”.

 

ويبدو واضحاً أن موقف بري يعد “حمال أوجه” يمكن ان تتقاطع عنده معطيات عدة في آن واحد. فهو يشكل، في رأي مصادر سياسية مستقلة، اقتحاماً واضحاً لصلاحيات رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في تقرير مصير القمة باعتبار ان الرئيس هو المعني وصاحب المبادرة في كل ما يمت بصلة الى الاستعدادات الجارية للقمة وتقدير الظروف المتعلقة بانعقادها في ظل الردود التي يتلقاها من الزعماء والرؤساء العرب عن مشاركتهم ومستوياتها في القمة. ولا يمكن تصور مرجع بارز ومجرب كالرئيس بري لا يدرك مدى حساسية موقف مؤثر سلباً على الاجواء والاستعدادات الجارية للقمة قبل عشرة أيام فقط من موعد انعقادها بما يعني تاليا ان رئيس المجلس يعرف سلفاً مدى الدوي السلبي الذي سيترتب على موقفه في بعبدا كما لدى دوائر سياسية وديبلوماسية محلية وعربية أخرى. وفي ظل ذلك تميل المصادر نفسها الى التحذير من خطورة انعكاس هذا الموقف المتفرد لرئيس المجلس على العلاقات بين الرئاستين الاولى والثانية أولاً ومن ثم على مجمل المناخ السياسي الداخلي المأزوم أساساً بفعل تعقيدات ملف تأليف الحكومة. ذلك ان “طيف” الانقسام الداخلي الحاد حيال “تطبيع” العلاقات بين لبنان والنظام السوري يتخذ أبعاداً تصعيدية اضافية في ظل موقف بري وسواه من قادة قوى 8 آذار بعدما صار شعار هذه القوى إما قمة انمائية عربية بمشاركة النظام السوري وإما لا قمة. وهو الامر الذي سيحرج رئيس الجمهورية وتياره السياسي والحزبي لانه سيضعهما في مواجهة مع حلفائهما أولاً ومع النظام السوري نفسه. ومع ان الرئيس عون وتياره يؤيدان مبدئيا مشاركة النظام السوري في القمة فان موقف بري نقل المسألة الى موقع الاحراج المباشر للرئيس عون الذي سيبدو في موقع المواجهة مع حلفاء دمشق ان هو مضى في قرار عقد القمة من دون اي تراجع أياً كان مستوى التمثيل فيها وحتى من دون مشاركة دمشق.

لكن الاوساط القريبة من بري لا تقرأ في كلام رئيس المجلس أي تعدٍ على صلاحيات رئيس الجمهورية أو استهداف للرئيس لاحباط جهوده. ولا ترى أن مسألة الصلاحيات مطروحة أساساً، لأن السياسة الخارجية يحددها مجلس الوزراء. ولبنان في هذا المعنى انتهج سياسة النأي بالنفس عن الصراع الاقليمي. ومن هذا المنطلق، تأتي دعوة بري لتأجيل القمة لأن لبنان لا يحتمل عقد قمة من دون سوريا، وحتى الآن لم تكتمل جهود المصالحة العربية التي تتوج بعودة سوريا الى كنف الجامعة العربية. والى حين حصول ذلك، ارتأى رئيس المجلس، والكلام دائماً للأوساط القريبة من عين التينة، انه يمكن تأجيل القمة بحيث يأتي انعقادها تتويجاً للمصالحة وتنعقد تحت عنوان “قمة المصالحة العربية”، ويكون التزم سياسة النأي بالنفس ولم يخرقها.

 

عون

في غضون ذلك، شدّد الرئيس عون في كلمته امام اعضاء السلك الديبلوماسي العربي والاجنبي في قصر بعبدا أمس على “أن لبنان يعاني اليوم حالة تعثّر داخلي، والانعكاسات السلبية لملف النازحين، وانه من موقعه كرئيس للجمهورية، يعمل جاهداً للمحافظة على الخيارات الوطنية الكبرى التي صانت الوطن منذ عقود، كما نعمل ومن منطلق إن جوهر الديموقراطية اللبنانية قائم على التوافق قبل أي شيء آخر، على تحقيق توافق واسع وتام من أجل بت تشكيل الحكومة العتيدة، بالشركة مع رئيسها المكلف”. واعتبر “انه فيما اظهرت تجارب الماضي أن عملية التشكيل كانت تتطلب وقتاً ومشاورات واسعة لأنها لم تقم على أسس ومعايير واضحة، فانها اليوم، وبعد اعتماد القانون النسبي، ما كان يجب أن تطول لو اعتُمد منذ البدء معيار عدالة التمثيل الذي يجب أن يكون الحكم في أي خلاف”. وحذر من “ان الظروف لم تعد تسمح بالمماطلة أو التشبث بمصالح الأطراف”.

 

كما أكد مجدداً “ان لبنان من الدول التي حملت ولما تزل، أثقل الأعباء من تداعيات حروب الجوار وتدفق النازحين السوريين”، وتخوّف من أن يكون الإصرار على إبقاء النازحين في لبنان “مخططاً لتهجير من أمكن من اللبنانيين تسهيلاً للحلول الغامضة والمشبوهة التي تلوح في الأفق”.

 

مجلس المطارنة

وفي الملف الحكومي، دعا مجلس المطارنة الموارنة الى “تخطي العراقيل السياسية وغير السياسية التي تحول حتى الان دون تشكيل الحكومة والتوافق سريعاً على صيغة لها تكون قادرة على مواجهة التحديات”، وأكد بعد اجتماعه برئاسة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي دعوة الراعي الى “تشكيل حكومة مصغّرة من اختصاصيين مستقلين قادرين على تولي المهمة الانقاذية المطلوبة قبل انهيار الهيكل على الجميع”، وأبدوا قلقهم “من ممارسات آخذة بتحوير الخصوصية اللبنانية التي يكرسها الدستور والميثاق الوطني وهي قائمة على العيش المشترك وتقاليده والاحترام المتبادل”.

 

منسق اممي جديد

على صعيد آخر، اعلنت الأمم المتحدة ان أمينها العام انطونيو غوتيريس عين الديبلوماسي السلوفاكي يان كوبيس منسقاً جديداً للمنظمة في لبنان، خلفا لبرنيل داهلر كارديل. ويتولى كوبيس بذلك مسؤولية تنسيق نشاطات بعثة الأمم المتحدة في لبنان مع الحكومة اللبنانية والمؤسسات المالية والجهات المانحة. كما سيعمل المنسق الجديد على حسن تنفيذ قرار مجلس الأمن الرقم 1701.

 

وتولى كوبيس خلال مسيرته المهنية منصب مبعوث الأمم المتحدة في العراق بين 2015 و2018، بعدما تولى مناصب مماثلة في أفغانستان من عام 2011 إلى عام 2015. كما عين وزيرا لخارجية بلاده من 2006 الى 2009، وكان أيضاً أميناً عاماً لمنظمة الامن والتعاون في اوروبا ست سنوات من 2005 الى 2011.