البيان بتوافق قياسي و”القوّات” وحدها تعترض

مساء الخميس 31 كانون الثاني الفائت ولدت الحكومة الحريرية الثانية في عهد الرئيس العماد ميشال عون. وبعد أسبوع واحد تماماً أقر أمس مجلس الوزراء البيان الوزاري لهذه الحكومة. ويوما الثلثاء والاربعاء المقبلان تكتمل الاجراءات الدستورية لدى مثول الحكومة أمام مجلس النواب لمناقشة البيان الوزاري والتصويت على الثقة بها. بسرعة قياسية تعكس توافقاً عريضاً قياسياً أيضاً، تتعاقب فصول انطلاقة الحكومة كأنها في سباق مع الوقت الضائع الذي استهلكته أزمة تأليفها من غير ان يشكل عامل السرعة بالضرورة ضماناً كافياً كما يأمل كثيرون حيال المسار الحكومي الجديد في مواجهة التحديات الهائلة التي سيتعين عليها معالجتها وفق سلم الاولويات الأكثر الحاحاً. وقد اقرت حكومة “الى العمل” بيانها الوزاري بعدما “استنسخت” الكثير من بيان الحكومة السابقة ولم تبتكر فيه إلّا ما هو مطلوب من اصلاحات ودفتر شروط من الدول والجهات المانحة في مؤتمر “سيدر”. وكان رئيس الوزراء سعد الحريري واضحاً في هذا السياق بتأكيده أنه يريد طمأنة الدول الداعمة.

وكما عند اقلاع كل حكومة جديدة، كانت التوجيهات هي نفسها، من كل من رئيسي الجمهورية والحكومة بأن على الوزراء التزام سرية المناقشات في مجلس الوزراء، وعدم تسريب المحاضر. وأكد الرئيسان أهمية التضامن الحكومي، ودعا كلاهما الى الابتعاد في مجلس الوزراء عن الجدال السياسي، الذي له ساحاته مثل مجلس النواب، والتركيز على العمل.

وفي اطار المداخلات السياسية، علم ان الوزير وائل أبو فاعور ومن غير ان يسمي المقصود برسالته السياسية، طالب بالتزام الدستور والسياسة الخارجية المتفق عليها.

وفي ثلاث ساعات، قرأ مجلس الوزراء ما أقرته اللجنة الوزارية في ثلاث جلسات وصادق عليه، ولم يعدّل الا في الشكل.

 

“القوات”

وحدهم وزراء “القوات اللبنانية” تحفّظوا بداية، ثم قرروا الاعتراض على الفقرة السياسية المتعلّقة بـ”حقّ المواطنين اللبنانيين في المقاومة للاحتلال الاسرائيلي”، بعدما رفض طلبهم أن تضاف اليها عبارة “من ضمن مؤسسات الدولة الشرعية”.

وعلمت “النهار” ان وزير الشؤون الاجتماعية ريشار كيومجيان طلب الكلام وقال: “القوات أبعد ما تكون عن النكد السياسي، وما يهمها هو تحقيق السلام وتثبيت الاستقرار وترسيخه، وهذه الحكومة معنية باستعادة ثقة جميع اللبنانيين، والمعبر لذلك عن طريق إشعارهم ان هناك دولة فعلية، كما ان الحكومة معنية بالحصول على ثقة المجتمع الدولي الذي يريد مساعدة لبنان بداية بمكافحة الفساد ومواجهة الأزمة الاقتصادية، ولكن نحن معنيون أيضاً بان يكون في لبنان دولة سيدة على أرضها وتمسك بالقرار الاستراتيجي العسكري والأمني والسلاح موجود حصراً بيد مؤسساتها العسكرية والأمنية وتبسط سيادتها وحدها على كامل أراضيها”. وأضاف “أنه طالما لم يعدل النص وفق ما اقترحته القوات بربط كل شيء بمرجعية الدولة ومؤسساتها الشرعية فستسجل القوات تحفظها”. فرد الرئيس الحريري: “سنقول إن “القوات اللبنانية تحفظت وهذا الموضوع خلافي”. وقال: “أقدر ما قلته وسنسجل تحفظ القوات”، فطلبت الوزيرة مي شدياق الكلام وقالت: “ليس فقط تحفظ انما اعتراض شديد اللهجة”.

كما اعترض وزير الدفاع الياس بو صعب، الذي انضم الى الجلسة فور وصوله من المطار عائداً من واشنطن، على البند الذي ينصّ على “تجميد التطويع في الاسلاك العسكرية والامنية”، وقال “إن تجهيزاتها في شكل دائم تحتاج رفداً مستمراً بتطويع اختصاصيين، ولا يمكن العمل بمبدأ تجميد التطويع “. فكان الجواب بأن القانون 46 المتعلق بسلسلة الرتب والرواتب يسمح بالتطويع عند الحاجة.

وفي بند الطاقة، عدل مجلس الوزراء بند تفعيل الجباية في الكهرباء واستكمال مد شبكات التوتر العالي وأكد تعيين الهيئة الناظمة بعد تعديل القانون الذي يحتاج إلى تعديل ومراسيم تطبيقية.

واستدرك وزير الثقافة غياب أي فقرة تتعلق بوزارته عن البيان فأضيفت بناء عن اقتراحه فقرة تؤكد الحفاظ على التراث والارث الثقافي.

وعدّل مجلس الوزراء مدة الغاء وزارة المهجرين والصندوق المركزي للمهجرين من سنتين الى ثلاث سنوات.

موقف اوروبي

في غضون ذلك، برز موقف أوروبي شدد على ضرورة البدء باصلاحات “سيدر” والتزام النأي بالنفس ومناقشة الاستراتيجية الدفاعية. وبعد زيارة سفيرة الاتحاد الأوروبي كريستينا لاسن ورؤساء بعثات دول الاتحاد الأوروبي في لبنان، الرئيس الحريري أمس، وزع الاتحاد الأوروبي بياناً جاء فيه ان “اهم التحديات التي تواجهها الحكومة هي تقوية مؤسسات الدولة على كامل الأراضي اللبنانية”. وشدد الديبلوماسيون الأوروبيون على “ضرورة البدء بتنفيذ الإصلاحات التي نص عليها مؤتمر سيدر”. وقالوا إن الاتحاد “يعلق أهمية كبيرة على استمرار اعتماد الحكومة سياسة النأي بالنفس وكذلك التزام جميع قرارات الأمم المتحدة”، مجددين مضيهم في دعم الجيش والقوى الأمنية اللبنانية كما جاء في مؤتمر روما “لأن الجيش بحسب اتفاق الطائف يجب أن يكون القوة المسلحة الوحيدة في لبنان”. وشجعوا الحكومة اللبنانية على “إطلاق حوار وطني للبحث في استراتيجية وطنية للدفاع”.

وأجرى الحريري أمس في هذا السياق محادثات مع نظيره الإيطالي جيوزيبي كونتي، الذي زار بعبدا وعين التينة أيضاً.

ويشار في هذا السياق، الى ان وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف سيصل الى بيروت الاحد المقبل، على ان يلتقى كبار المسؤولين اللبنانيين الاثنين. وهذه الزيارة هي الثانية لظريف منذ انتخاب الرئيس عون، إذ زار لبنان في 8 تشرين الثاني 2016، وستكون الزيارة الأولى لسؤول ايراني رفيع المستوى بعد تأليف الحكومة.

الحريري وجنبلاط

على صعيد سياسي داخلي، علمت “النهار” ان الاتصالات الجارية منذ الاتفاق على توقف السجالات بين الرئيس الحريري ورئيس “الحزب التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط قطعت شوطاً مهماً نحو ترتيب عقد لقاء بينهاما في وقت قريب لازالة ذيول التوتر الذي حصل بينهما بعد تأليف الحكومة.

وبرزت معالم معالجة الخلاف في تصريح وزير التربية أكرم شهيب عقب زيارته ووزير الصناعة وائل ابو فاعور والنائبين فيصل الصايغ وهادي ابو الحسن مساء أمس الرئيس الحريري في “بيت الوسط” في حضور الوزير السابق غطاس خوري. وقال شهيب: “العلاقة مع هذا البيت الكريم علاقة تاريخية تربط المختارة به. وهذه العلاقة شهدت دائماً ظروفاً صعبة مر بها البلد، وأكدت التحالف والعلاقة المشتركة من أجل هذا الوطن. دولة الرئيس حريص بالتأكيد، كما نحن، على اتفاق الطائف، وهذا ما تم تأكيده في مقدمة البيان الوزاري الذي أقر في مجلس الوزراء وسيناقش بالمجلس النيابي يومي الثلثاء والأربعاء”. وأضاف: “صحيح هناك تباين في ملفات عديدة، اقتصادية وغير اقتصادية، إنما لقاؤنا هو بالتأكيد على المسلمات الوطنية الكبرى، وفي الموضوع الإقليمي نحن ودولة الرئيس في موقع مشترك وواحد في ظل الظروف التي تمر بها المنطقة. من الطبيعي أن هناك خلافاً في بعض الملفات الاقتصادية، والتباين موجود فيها، فنحن لنا ثوابت في “الحزب التقدمي الاشتراكي” بحماية وتعزيز القطاع العام والحفاظ عليه، وهناك رأي آخر في البلد نحترمه وإنما لا نلتقي معه. إنما كل هذه التباينات لا تحل إلا بالحوار”. وختم: “التباين لا يفسد للود قضية. اللقاء اليوم كان ودياً جداً، والعلاقة عادت إلى ما كانت عليه وأثبت”.