IMLebanon

عون وانتخابات 2017: لا عودة إلى الوراء

يخوض رئيس الجمهورية ميشال عون معركة القانون الجديد للانتخاب، ومن ثم انتخابات 2017 تجرى على أساسه فحسب، تبعاً للآية القرآنية: «قضي الأمر الذي فيه تستفيان». لا عودة إلى الوراء: لا في القانون ولا في الأحجام، ولا خصوصاً في صلاحيات الرئيس

عندما وضع الرئيس فؤاد شهاب قانون 1960، توخى تصحيح التمثيلين السياسي والشعبي في مجلس النواب، الناجم عما اعتبره خللاً وطنياً سببته انتخابات 1957، وهو الإقصاء المتعمّد لزعماء كبار في البلاد عن البرلمان، يقتضي ألّا يغيبوا، سواء بفعل قانون ذلك العام أو بفعل تدخّل السلطات في الانتخابات نفسها. الزعماء الأربعة المعنيون كانوا أربعة مسلمين، هم السنّيان صائب سلام وعبد الله اليافي، والشيعي أحمد الأسعد والدرزي كمال جنبلاط.

اليوم على أبواب انتخابات 2017 يسعى رئيس الجمهورية ميشال عون إلى شعار مماثل: تصحيح تمثيل الأحجام. العدّة نفسها في معركة مشابهة. قانون جديد للانتخاب يصوّب خللاً وطنياً فرضته الحقبة السورية في انتخابات 1992 و1996 و2000، إلا أنه استمر على أيدي حلفاء أضحوا خلفاء، فجاروا ذلك الخلل وتمسكوا به وأداروا انتخابات 2005 و2009 بناءً عليه. في صلب المعركة السياسية التي يقودها الرئيس، استعادة المقاعد المسيحية من القوى التي أفادتها مجازفة 1992 بمقاطعة الانتخابات النيابية عامذاك. لم يكتفِ السوريون بملء المقاعد التي أخلتها الأحزاب المسيحية المعارضة لدمشق بإحجامها عن المشاركة، بل وزّعوها على الحلفاء السنّة والدروز والشيعة.

كما في الاستحقاق الرئاسي لم يكن ثمة plan B، كذلك في انتخابات 2017

مذ ذاك، تحوّل هذا الإجراء إلى قاعدة للحلفاء إياهم، على نحو جعلهم يعتقدون أن ما حدث عام 1992 ليس عابراً واستثنائياً، بل كرّس لهم مذ ذاك أحجاماً لن يتخلوا عنها بعد ذلك اليوم. أغضب ذلك البطريرك مار نصر الله بطرس صفير على مرّ السنين المنصرمة، إلى أن قال بعيد انتخابات 2009 إن المسيحيين لم يسعهم سوى انتخاب 15 نائباً فقط من 64 هم النواب الثمانية في المتن والخمسة في كسروان والاثنان في جبيل.

ما يعنيه تصلّب رئيس الجمهورية الآن هو نفسه ما قاله مرات تلو أخرى منذ انتخابات 2005، وهو أنه يريد تصحيح التمثيل المسيحي في السلطة بدءاً بقانون الانتخاب، مروراً بالتمثيل الوزاري، وصولاً إلى رئاسة الجمهورية. قلب الهرم رأساً على عقب، وبدلاً من أن يبدأ من تحت إلى فوق، هبط من فوق على تحت: من انتخابه رئيساً للجمهورية، إلى تأليف حكومة اختار المسيحيون وزراءهم فيها بأنفسهم، وصولاً إلى القاعدة الأم، وهي وضع قانون جديد للانتخاب تليه انتخابات نيابية عامة. بالطريقة التي فعل سلفه شهاب عندما أحدث دائرة الشوف لجنبلاط الأب تحفظ له موقعه وزعامته، وعندما أعاد تقسيم الدوائر الانتخابية بما يتيح لكل من القوى الرئيسية في البلاد الدفاع عن زعامتها وكيانها السياسي والطائفي وتمثيلها الشعبي من خلال دائرة ليست كبيرة خشية ابتلاعها، ولا صغيرة تفادياً لتفتيتها. في سبيل قانون 1960 حلّ شهاب برلمان 1957 قبل سنة من انتهاء الولاية بغية استعجال التصحيح، وها هو الرئيس الخلف لا يتردّد في الذهاب إلى فراغ في السلطة الاشتراعية في سبيل تصويب خطأين متلازمين: تذكير القوى المعنية بأحجامها الحقيقية، وهي بالتأكيد ليست ما صنعها لها السوريون، وإعادة مقاعد المسيحيين إلى المسيحيين.

من أجل الوصول إلى هذا الهدف، حدّد عون خياراته على نحو يذكّر أيضاً بالطريقة التي أدار بها الاستحقاق الرئاسي طوال سنتين ونصف سنة من الشغور. منذ اليوم الأول مروراً بعشرات محطات راحوا يقترحون عليه plan B ما دام يتعذّر عليه بلوغ plan A، وهو انتخابه رئيساً. عبر الشغور بالمدة الطويلة تلك أدار عون ظهره لكل ما قيل له، إلى أن فرض في نهاية المطاف ليس انتخابه رئيساً فحسب، بل تأكيده كذلك مغزى ما قال: في قاموسه plan A وحده، وفقط. ليس بعده خطة بديلة. عبّر عن إصراره ذاك بموقفيه غير المسبوقين: عدم توقيعه مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، وإن في المهل القصيرة المتبقية والموشكة على الانتهاء، وعدم ممانعته في الذهاب إلى الفراغ محمّلاً التبعة للكتل التي ترفض التوافق على قانون جديد للانتخاب.

بـplan A فحسب، يخوض رئيس الجمهورية معركتي القانون الجديد وانتخابات 2017. في سبيل ذلك يملك عدّة الشغل: صلاحياته الدستورية، واعتباره اليوم أنه ــ وإن على نحو غير مباشر ــ رئيس الغالبية النيابية من خلال نواتها كتلتي التغيير والإصلاح والقوات اللبنانية والدعم غير المخفي الذي يلقاه من حزب الله إلى نواب مستقلين ليسوا بعيدين مما ينادي به.

أما خياراته في مقاربة الوصول إلى انتخابات 2017 فتكمن في:

1 ــ لا عودة إلى قانون 2008، وقد بات بالنسبة إليه خارج أي مناقشة، وينظر إليه ــ وإنْ هو القانون النافذ ــ على أنه ميت.

2 ــ لا تمديد للبرلمان الحالي على طريقة ما فعل عامي 2013 و2014، لأن الكتل النيابية الكبرى لم تكن تريد حينذاك الاتفاق على قانون جديد للانتخاب.

3 ــ لا يسمح بتخويفه بانقضاء المهل القانونية لإجراء الانتخابات بغية فرض أمر واقع عليه هو المسارعة إلى إجراء الانتخابات النيابية بأي ثمن. تالياً تبعاً للقانون النافذ، على نحو مطابق لتمديدَي 2013 و2014.

4 ــ في حسبانه، قانون الانتخاب يتقدّم الانتخابات النيابية. من دون قانون جديد لا انتخابات نيابية، وإن آل ذلك إلى تعطيل المجلس إلى حدّ إلغائه، وإدخاله في الفراغ الدستوري، لأن برلماناً حالياً على صورة تلك التي خَلَفَها طوال عقدين من الزمن لا جدوى منه ما دام يستمر في الإخلال بالتمثيل المسيحي وصحته، ولا يحقق عدالته ولا المناصفة الحقيقية، ولا يعيد الحق إلى أصحابه. في ما مضى كان عون، النائب ورئيس الكتلة الكبيرة، يقول بنبرة عالية إنهم يسرقون مقاعد المسيحيين. اليوم الرجل رئيساً يهزّ عصا الصلاحيات والدور.

5 ــ لا تمديد تقنياً إلا في ظل قانون جديد للانتخاب، يكون جزءاً لا يتجزأ منه ويرد في آخر أحكامه، ويبرّر تأخير إجراء الانتخابات فسحاً في المجال أمام مهل قانونية جديدة. لا تمديدَ منفصلٌ عن القانون، أو يتذرع بحجة إمهال الكتل وقتاً إضافياً من أجل الاتفاق على ما رفضت منذ عام 2012 إلى الآن الاتفاق عليه. أما التمديد التقني في ظل القانون الجديد، فموقت لا يتجاوز شهراً واحداً. كل كلام عن تمديد لأكثر من ذلك إلى حد اقتراح مدة سنة، لن يسمح به. تمديد سنة يعني تمديد ربع ولاية.